صغاراً كبرنا وعيوننا مفتوحة على مجموعة من الصور المعلقة على جدران غرفة الاستقبال ذات الأثاث البسيط جداً، رسوم اشتراها الكبار من السوق الشعبية الأسبوعية، رسومات بسيطة ولكنها لا تزال تسكن تلافيف الذاكرة الروحية بعمق، رسومات تحيل على قصص القرآن الكريم التي سمعناها من الجد والوالد مرات عدة، قصص الأنبياء والرسل، فهذه رسمة تمثل الكبش الفدية الذي منحه الله لإبراهيم بديلاً عن ابنه سيدنا إسماعيل، وهذه أخرى تحيل على سيدنا موسى وهو يشق البحر بعصاه، وتلك رسمة رمزية لعلي رضي الله عنه محاطاً بابنيه الحسن والحسين، وأخرى لسيدنا يوسف وزليخا، وتلك رسمة لطوفان نوح ومركبه، وتلك صورة ترمز لبراق الرسول الأعظم الذي في المعراج، وهذه رسمة لحواء وآدم عاريين تقريباً إلا بستر من ورق الأشجار قبل أن يطردا من الجنة، وهذه صورة الكعبة المشرفة، وهؤلاء جموع الحجاج على عرفات، وهذه الرسومات كانت معلقة دائماً إلى جانب يومية ينزع أبي منها كل يوم ورقة، ويقرأ لنا ما على ظهرها من حديث نبوي أو حكمة أو بيت شعري، وكنا سعداء ونحن نتأمل هذه الرسومات الرمزية الشعبية البسيطة، بدهشة ممزوجة بخشية تشبه الألم في البطن، وهكذا كبرنا وفي آذاننا قصص الأنبياء تروى وأمام عيوننا بعض الصور على الجدران، تكرس علاقتنا الحميمية مع السؤال الروحي للوجود، سؤال سيكبر معنا وفي كل مرة نحفره أكثر فأكثر.
كلما حلّ العيد، عيد الفطر الذي نطلق عليه اسم" العيد الصغير" أو عيد الأضحى الذين نسميه" العيد الكبير"، تأخذ هذه الصور الشعبية العفوية بعداً آخر فينا، وعاماً بعد آخر تنمو من حوله أسئلة جديدة، وتكبر دهشتنا حيال أنامل هذا الرسام الشعبي المجهول.
هكذا سكنت قصص الرسل والأنبياء القرآنية قلوبنا وعقولنا، متراوحة ما بين السماع النصي بلغة شعبية وما بين مشاهدتها في رسومات شعبية أيضاً، في هذا الدين الشعبي البسيط اليسير والميسر الصادق ترعرعنا، ومن خلاله وبه فتحنا أعيننا وقلوبنا على محبة العالم.
وذات عيد أضحى، أذكر ذلك جيداً، جاءت فرقة مكونة من رجال غرباء قريتنا، وغطوا جداراً كبيراً في الساحة العمومية بقماش كبير أبيض اللون، ثم دارت سيارة في الأزقة الضيقة بمكبر الصوت وهي تعلن موعد عرض فيلم في الهواء الطلق، وجرينا نحن الصغار، وجاء الكبار من الرجال والنساء من بعدنا، وشاهدت للمرة الأولى في حياتي فيلماً سينمائياً حقيقياً، وبعد العرض ظللنا أياماً نعيد على بعضنا بعضاً حكاية هذا الفيلم، وظل هذا الحدث الاستثنائي الذي يمثل علاقتي بالسينما مرتبطاً بعيد الأضحى.
كبرنا قليلاً وكبرت القرية وكبرت أحلامنا بعض الشيء أيضاً، وبدأ بعض الشباب يحدثوننا نحن الصغار عن الأفلام التي تعرض داخل صالة خاصة في القرية المركزية لمناسبة العيد، فزاد الفضول وكبر الحلم، ومعه لم يتأخر الآباء في أن بدأوا يمنحوننا قطعاً نقدية لمناسبة العيد، بدأنا المغامرة، فما إن تنزل هذه القطع النقدية الصغيرة في راحة الكف الصغيرة حتى نتجمع لنشكل فريقاً ونتوجه إلى القرية الرئيسة التي تبعد عن قريتنا ثلاثة كيلومترات لمشاهدة فيلم العيد، سينما العيد.
هكذا بدأ العيد يأخذ صورة ثقافية وفنية في مشاعرنا، وأصبح الاحتفال به بكل ما فيه من بعد روحي طريقنا الأول إلى السينما، إلى الصورة المتحركة، كنا نتسابق لأخذ الكراسي الأمامية، كراسٍ خشبية في قاعة بسيطة جداً، لكن بمجرد أن تطفأ الأنوار تتحول إلى عالم غامض ومدهش، تمتلئ الشاشة بالبشر والحيوانات والموسيقى، نتابع وقائع الفيلم بشغف، ومعه، عيداً بعد عيد، تكبر أسئلة جديدة في رؤوسنا الصغيرة.
كان العيد بكل ما يحمله من روح الدين الشعبي البسيط والمتسامح طريقنا للانفتاح على أنواع من السينمات المختلفة، السينما الهندية برقصاتها وألوانها وحكاياتها المثيرة، السينما المصرية بأغانيها وحياتها الشعبية الصادقة، السينما الإيطالية بعمارات مدنها وحبكة قصصها وعمقها السياسي والإنساني، والسينما الأميركية برعاة أبقارها ومنظارها الخلابة وموسيقاها البديعة، وأبطالها الذين لا يموتون على رغم وابل الرصاص.
مع العيدين" الكبير" و" الصغير"، ومن صالة العرض في القرية المركزية بدأنا نفهم قليلاً ونميز ما بين السينما الكوميدية والدرامية والتاريخية والبوليسية والاجتماعية والسياسية، وظل انتظار حلول العيد انتظاراً أيضاً للتمتع بالفرجة السينمائية.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)السينما طريق للاحتفاء بالعيد والعيد موعد للاحتفاء بالسينما، واليوم وعلى مسافة زمنية وثقافية بعيدة من تلك اللحظات الجميلة العفوية التي صنعت ذوقنا وركّبت بداية وعينا السياسي والتاريخي والروحي، نشعر بأن العيد، عيد الأضحى أو عيد الفطر، كان فعلاً طريق المصالحة الفعلية والطبيعية الصادقة، ما بين الديني والجمالي، فقد كان هذا الفرح السينمائي يتشابك مع المشاعر الروحية من دون تنافر أو تعارض أو تطرف، ولم نسمع يوماً واحداً من أهلنا أو جيراننا يقول إن السينما حرام أو الرسم حرام، كان العالم من حولنا مؤدباً جميلاً وبأخلاق سامية، ينسجم فيه الدنيوي مع الديني ويتعانق الناسوت باللاهوت، فماذا يا ترى بقي من هذه التقاليد الفنية الدينية اليوم؟لقد تراجعت ظاهرة ثقافة سينما العيد كثيراً، بل تكاد اختفت، فلقد كانت بعض الشركات السينمائية وبعض المنتجين ينتظرون هذه المناسبة لطرح أفلامهم الجديدة في القاعات، وكان شباك العيد سخياً على السينما التي شكلت مدرسة حقيقة لتربية أجيال متتالية، جمالياً وأخلاقياً وسياسياً وروحياً، وهو من العوامل التي جعلت المجتمع يعيش توازناً ما بين الديني والجمالي التاريخي، وما بين العقل والمشاعر.
إن هذه المتعة التي تجمع ما بين التأمل الإيماني والفرجة الفنية، وما بين خشوع السورة وبديع الصورة، هي من تصنع الفرح الإيجابي الذي يجعل المواطن يطل على الآخر المختلف بمحبة وقبول وحوار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك