تستقطب الصين عدداً متزايداً من المؤثرين ومشاهير منصات التواصل الاجتماعي من حول العالم بهدف تحسين صورتها الخارجية والترويج للإنجازات الحكومية في المجالات المختلفة، خصوصاً التقنية منها، مستفيدةً من الضرر العميق الذي لحق بصورة منافستها الولايات المتحدة مؤخراً، بحسب تقرير نشرته صحيفة لوموند الفرنسية، الثلاثاء.
وتمثّل مدينة تشونغتشينغ، التي تحوّلت منذ العام الماضي إلى قبلة للمؤثرين وصانعي المحتوى، نموذجاً للكيفية التي استبدلت فيها الحكومة الصينية الدعاية السلبية التي أحاطت بالبلاد في أعقاب جائحة كوفيد-19 وقمع الاحتجاجات في هونغ كونغ، بصورة إيجابية تقوم على إبراز التطوّر التكنولوجي وناطحات السحاب والمنشآت الضخمة والإبهار البصري.
خلال الأشهر الماضية، شارك مؤثرون أجانب مئات الصور والمقاطع المختلفة لتشونغتشينغ، أكبر مدينة في جنوب غربي الصين، والتي ركّزت في معظمها على الجانب المعماري والتكنولوجي المبهر بصرياً للمدينة، بما في ذلك ناطحات السحاب والقطارات والأضواء اللامعة.
تحوّلت المدينة الواقعة على بعد 1500 كيلومتر من شنغهاي وبكين إلى ظاهرة على منصات التواصل الاجتماعي، خاصةً من قبل شباب جيل زد والفئات الأصغر سنّاً التي تعتمد على منصات مثل" تيك توك" و" إنستغرام" للحصول على الأخبار والمعلومات بدلاً من وسائل الإعلام التقليدية.
ولفت التقرير إلى أنّ المدينة نجحت في لفت الأنظار بسبب توفيرها للمؤثرين عنصر جذب انتباه المشاهد بفضل شوارعها وأبنيتها المميزة وغير المألوفة، وكذلك بسبب التدهور الكبير في نظرة عموم الناس للولايات المتحدة، خاصةً بعد المشاهد المروّعة لحرب الإبادة الإسرائيلية المدعومة أميركياً في غزة، وعودة الرئيس دونالد ترامب إلى السلطة.
ونقلت" لوموند" عن الباحثة في الشأن الصيني، بولينا أوفيتوشكا، قولها إن" هناك شعوراً متزايداً بخيبة الأمل، فالشباب يقولون إن الحكومات الغربية لم تمنع ما يحدث في غزة، على الرغم من انتقادات الحكومات الغربية سابقاً لأوضاع حقوق الإنسان في الصين"، معتبرةً أن ذلك" يساعد على نسيان الانتقادات الموجهة إلى بكين لصالح سرديّة تركّز على تطورها"، وهو ما أظهره استطلاع للرأي أجرته مجلة بوليتيكو في إبريل/ نيسان الماضي، بيّن أن المستطلعين في أربع دول أوروبية هي إسبانيا وإيطاليا وبلجيكا وألمانيا صاروا ينظرون إلى واشنطن بصفتها خطراً أكبر عليهم من بكين.
فيما بيّن استطلاع نشره مركز بيو للأبحاث خلال الشهر نفسه إلى ارتفاع النظرة الإيجابية للصين بين الأميركيين 6% خلال عام واحد، لتصل إلى 27%.
وعلى الرغم من أن ناطحات سحابها تذكّر بهونغ كونغ، إلّا أن مدينة تشونغتشينغ لا تزال في موقع متأخر على قائمة المدن الصينية الأكثر تطوّراً.
واعتمدت المدينة على عناصر متعدّدة لجذب الجمهور، من بينها موقعها الجبلي عند ملتقى نهرين أساسية، وجسورها المعلقة، وعربات التلفريك التي تتنقل بين الأبراج السكنية المتلاصقة، إضافةً إلى شبكةٍ طرقٍ سريعة.
وجذبت تشونغتشينغ أنظار العالم في ربيع العام 2025، بعد أن زارها المؤثر الأميركي الشهير دارين واتكينز، المعروف باسم" آي شو سبيد"، معبّراً عن انبهاره بالمدينة، وذلك خلال جولة استمرت لمدة أسبوعين في الصين.
ومنذ ذلك الحين، تدفق المؤثرون لزيارتها والتصوير فيها، ومن بينهم المؤثر الإيطالي السنغالي خابي لامي الذي يملك نحو 161 مليون متابع على" تيك توك"، والمؤثر درو بينسكي الذي يملك نحو 7 ملايين مشتركٍ على" يوتيوب".
ولفتت" لوموند" إلى أن المدينة غالباً ما توصف من قبل زوارها المؤثرين بأنّها" سايبربانك" في إشارة إلى نوع من الخيال العلمي تمتزج فيه التكنولوجيا بالديستوبيا، وذلك بسبب المباني الغريبة والتصميم اللافت لبعض المساحات العامة.
فأحد جانبي ساحة المدينة يبدو كأنه شارع عادي، لكنه في الحقيقة سطح مستشفى، بينما يشكل الجانب الآخر الطابق الثاني والعشرين من مبنى، مع ممرات تربطه بالمباني المحيطة.
وعلى الرغم من اختلاف المحتوى الذي يقدمونه، يتجنب المؤثرون الإشارة إلى المشاكل والعناصر السلبية في المدينة لعدم إغضاب مضيفيهم من جهة، وللابتعاد عمّا قد يضرّ بأعمالهم التجارية، خاصةً أنّ هدفهم الأساسي هو جذب الجمهور وجمع المشاهدات.
لكنّ غياب الجانب السياسي عن هذا النوع من المحتوى" فعل سياسي للغاية" بالنسبة للباحثين الغربيين، الذين يرون أن سيل المقاطع الترويجية لتشونغشينغ وغيرها من المدن الصينية يهدف إلى" إغراق" السرديات المعارضة للحكومة الصينية.
خطة حكومية ممنهجة في الصينلا يمكن فصل" الهوس العالمي" بالمدينة، بحسب" لوموند"، عن تزايد القوة الثقافية للصين حول العالم، وتبنّي الكثير من مستخدمي الإنترنت لرموز من الثقافة الصينية المعاصرة، مثل شرب الماء الساخن والنودلز ولعبة لابوبو وحتى سترات شركة أديداس ذات الأزرار المعقودة على الطريقة الصينية.
في الوقت نفسه، رأت الصحيفة أنّ من الصعب التمييز بين المحتوى الذي يعبّر عن إعجاب حقيقي بالصين وبين الدعاية الرسمية، خاصةً أن بكين تتّبع سياسات معدّة سلفاً لإدارة صورتها على الإنترنت، تتضمّن دعوة مؤثرين مشهورين إلى زيارة البلاد بهدف الاستفادة من شعبيتهم.
ولفتت الصحيفة إلى أنّ" رواية قصة الصين بشكل جيد"، كانت من الأهداف التي وضعها الرئيس الصيني شي جين بينغ بعد أشهر قليلة من توليه السلطة عام 2013، خاصةً مع فشل وسائل الإعلام التقليدية التابعة للحكومة بتغيير الصورة السائدة عن البلاد.
لاحقاً في عام 2018، دعا الرئيس خلال مؤتمر الحزب الشيوعي الحاكم للدعاية والأيديولوجيا إلى" تحسين قدرات" الصين في" التواصل الدولي من أجل رواية القصة الصينية بشكل صحيح، وإسماع صوت الصين، وتقديم رؤية حقيقية وشاملة عن الصين للعالم".
وخلال العام نفسه، افتتحت الحكومة في تشونغتشينغ أوّل مركز اتصال دولي، وهو مكتب يتبع لأقسام الدعاية الحكومية الإقليمية يهدف لترويج صورة إيجابية عن البلاد أمام الجمهور الأجنبي.
بحلول العام 2025، وصل عدد هذه المراكز إلى 150، مهمّتها إنشاء حسابات وإنتاج محتوى يروّج لمدن ومناطق صينية مختلفة على منصات التواصل الاجتماعي الأجنبية.
وعلى سبيل المثال، ذكرت شركة الأمن السيبراني الأميركية ريكورد فيوتشر أن مركز مقاطعة فوجيان، جنوب شرقي الصين، يدير أكثر من 600 حساب على منصات التواصل.
كما تعمل هذه المراكز أيضاً على دعوة المؤثرين الأجانب إلى إنتاج محتوى ترويجي للمناطق الصينية التي يقومون بزيارتها.
وأشارت الصحيفة إلى إعلانات تعرض تقديم رحلات مدفوعة بالكامل إلى الصين للمؤثرين الذين يملكون أكثر من 300 ألف متابع، خاصةً في دولٍ مجاورةٍ ترى بكين أن لديها مصالح استراتيجية فيها، وعلى رأسها تايوان.
ونقلت" لوموند" عن مؤثرين تايوانيين قولهما إنهما لبّيا دعوة مدفوعة التكاليف إلى زيارة مدينة هانغتشو المتطورة، لافتين إلى أنّهما" شجّعا من دون إلزام" على مشاركة انطباعاتهما عن الرحلة مع جمهورهما على منصات التواصل الاجتماعي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك