دخلت المكتبة البريطانية في لندن مرحلةً جديدةً من استعادة خدماتها الرقمية وإعادة بناء بنيتها التقنية، بعد أكثر من عامين على الهجوم السيبراني الذي أصاب أنظمتها في أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وأدى إلى تعطّل واسعٍ في خدمات الفهرسة والوصول إلى الأرشيفات والمخطوطات والمواد البحثية.
وكشف المدير التنفيذي المؤقت للمكتبة جيريمي سيلفر، في مقابلة مع" ذو تايمز"، أن المؤسسة استعادت جزءاً مهماً من خدماتها الإلكترونية بعد تشغيل فهرسٍ رقمي جديد في نهاية 2025، جرى تطويره بالكامل عقب انهيار النظام السابق أثناء الهجوم.
وأضاف أن النظام الجديد أصبح، حالياً، أكثر قدرةً على إدارة البيانات وعمليات البحث والوصول إلى المواد المحفوظة داخل المكتبة، مشيراً إلى أنه تعامل حتى الآن مع نحو 700 ألف عملية بحث منذ إطلاقه.
وبحسب سيلفر، فإن عملية التعافي ما زالت مستمرة، إذ لم تُستعد جميع الخدمات حتى الآن، خاصة" أرشيف الويب البريطاني"، الذي يحتفظ بنسخ محفوظة من مواقع إلكترونية ووثائق رقمية مرتبطة بالحياة الثقافية والسياسية والإعلامية في بريطانيا.
كما لا تزال بعض المخطوطات الرقمية والمجموعات التعليمية والمواد المؤرشفة خارج الخدمة جزئياً، مع توقعات بإعادتها تدريجياً خلال الأشهر المقبلة.
وخلال الفترة الماضية، استعادت المكتبة أيضاً جزءاً من خدمات الرقمنة والتصوير والأرشفة الإلكترونية في موقعي سانت بانكراس في لندن، وبوستن سبا في شمال إنكلترا، بعد تحديث معدات التصوير والبنية التقنية الخاصة بحفظ الوثائق وإتاحتها للباحثين.
المكتبة البريطانية تضم مجموعاتٍ واسعة مرتبطة بالشرق الأوسط والعالم العربيوفي موازاة استعادة الخدمات الرقمية، تعمل المكتبة البريطانية على تعزيز منظومتها الخاصة بالأمن السيبراني، بعدما كشف الهجوم عن هشاشة بعض الأنظمة التقنية القديمة وضعف الترابط بين البنى الرقمية المختلفة داخل المؤسسة.
وأشار سيلفر إلى أن المكتبة كانت قد بدأت بالفعل العمل على تحديثاتٍ أمنيةٍ قبل وقوع الهجوم، غير أن الاختراق وقع قبل اكتمال تنفيذها.
كما أطلقت المكتبة مشاريع تحديثٍ واسعة تشمل إنشاء مركز تخزين مؤتمت في منطقة ويست يوركشاير، يعتمد على أنظمةٍ روبوتية لاسترجاع الكتب والوثائق داخل بيئة منخفضة الأوكسجين مخصصة للحفظ طويل الأمد.
ومن المتوقع أن يستوعب المركز نحو 220 كيلومتراً من المواد الأرشيفية، بما يسمح بتوسيع القدرة التخزينية للمكتبة لعقود مقبلة.
وتستعد المؤسسة كذلك لإطلاق مشروع توسعة كبير في مقرها الرئيسي بمنطقة سانت بانكراس في لندن، بكلفة تصل إلى 1.
1 مليار جنيه إسترليني، بهدف توسيع فضاءات العرض والبحث والأنشطة الثقافية والتعليمية، ضمن خطة تمتد حتى عام 2032.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة إلى الباحثين العرب، نظراً إلى أن المكتبة البريطانية تضم مجموعاتٍ واسعة مرتبطة بالشرق الأوسط والعالم العربي، تشمل مخطوطات عربية وإسلامية، ووثائق تاريخية وخرائط وصحفاً وأرشيفات رقمية نادرة يعتمد عليها باحثون ومؤسسات أكاديمية في دراسة تاريخ المنطقة وتحولاتها الثقافية والسياسية.
وكان الهجوم السيبراني الذي استهدف المكتبة البريطانية في أكتوبر 2023، قد نُسب إلى مجموعة" ريزيدا" المتخصصة في هجمات الفدية الرقمية، وتسبب في تعطّل أنظمة رئيسية مرتبطة بطلب الكتب، والفهرسة الإلكترونية، والوصول إلى المجموعات الرقمية وقواعد البيانات الأكاديمية.
كما أدى إلى انقطاع خدمات بحثية يعتمد عليها باحثون وجامعات ومؤسسات أكاديمية من داخل بريطانيا وخارجها.
وتضم المكتبة البريطانية أكثر من 170 مليون مادة بين كتبٍ ومخطوطاتٍ ووثائق وصحف وخرائط وتسجيلات صوتية وأرشيفات رقمية، ما جعل الهجوم واحداً من أكثر الاختراقات تأثيراً على مؤسسة ثقافية في المملكة المتحدة خلال السنوات الأخيرة.
وقد استمرت آثار الهجوم لأشهر طويلة بسبب تعقّد البنية التقنية للمكتبة واعتماد بعض أقسامها على أنظمة رقمية قديمة جرى تطويرها على مراحل زمنية مختلفة.
وتحوّلت أزمة المكتبة البريطانية خلال العامين الأخيرين إلى نموذجٍ بارز للتحديات التي تواجه المؤسسات الثقافية في العصر الرقمي، خصوصاً مع تزايد الهجمات السيبرانية التي باتت تستهدف الأرشيفات الوطنية والبنى المعرفية الكبرى، وما يرتبط بها من أنظمة حفظ الوثائق وإتاحتها للجمهور والباحثين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك