الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية الراهنة ضدّ إيران تكشفت، وتتكشف يومياً في الواقع، عن أنساق من الانخراط المباشر، أو المشاركة الجزئية، أو العزوف الخجول، أو النأي بالنفس، أو المساهمة عبر جبهات دبلوماسية وخطابية، أو أداء دور الوسيط.
ولأنّ الاستقطابات التقليدية تواصل وضع الولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي في خندق واحد، بقيادة أمريكية شبه مطلقة؛ كما تضع روسيا والصين في موقع قوّة ثانية موازية ذات مصالح متضررة، أو مستفيدة، من استمرار الحرب؛ فإنّ أوروبا الغربية، على غرار فرنسا وبريطانيا وألمانيا أساساً، تتذبذب بين السعي إلى موقع قوة ثالثة، والمكوث في وضعية باحة خلفية داخل محاور النظام الدولي الراهنة.
وقبل نشوب الحرب كانت علاقات أوروبا مع القوّة الأولى، الولايات المتحدة، قد تعرضت لاهتزازات متعاقبة تحت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ولايتيه الأولى والثانية؛ فلم تقتصر على العربدة في فرض الرسوم الجمركية، وابتزاز حلف شمال الأطلسي لجهة موازنات الإنفاق العسكرية، بل تعدتها إلى خلخلة الإجماع حول المادة 5 من ميثاق الحلف ومسائل الدفاع المشترك، وصولاً إلى التلويح باجتياح جزيرة غرينلاند وإلحاقها بالولايات المتحدة.
وبمعزل عن لغة ترامب التي لا تراعي تهذيب العبارة عند التهديد والوعيد خصوصاً، فإنّ التوتر بلغ مستويات مختلفة من التطبيق الفعلي على الأرض، كما في سحب 5,000 جندي أمريكي من ألمانيا.
والحال أنّ البيان الثلاثي المشترك، الفرنسي والبريطاني والألماني، صبيحة اندلاع الحرب، يختصر الكثير من مأزق أوروبا لجهة هشاشة الموقف، وربما الحيرة في صياغته على أيّ نحو متماسك؛ خاصة حين تبدأ فقرة بمناشدة إيران أن «تتوقف عن الهجمات الطائشة» تحت طائلة «تمكين فعل دفاعي ضروري» لتدمير «قدرة طهران على إطلاق الصواريخ والمسيرات»؛ وتنتقل مباشرة إلى «الاتفاق على العمل سوياً مع الولايات المتحدة وحلفائنا في المنطقة»، لتحقيق هذه الغاية.
وهذا التشديد على الدفاع، مقابل الإحجام عن ذكر الهجوم، كان بمثابة إقرار معلَن بأنّ المعضلات على الأرض سوف تتطلب قرارات ملموسة أكثر إحراجاً، مثل السماح للقاذفات الأمريكية بالانطلاق من قواعدها هنا وهناك في أوروبا.
الحال الراهنة التي تشهدها محاصصات النظام الدولي الراهنة تشير إلى أنّ أوروبا العملاقة تاريخياً، القارّة العجوز العريقة وأمّ أنظمة الاستعمار وفلسفات الأنوار وأنظمة الديمقراطية في آن معاً، الموحدة في كيان ذي مؤسسات سياسية واقتصادية وعسكرية ودبلوماسية؛ عاجزة عن اعتماد سياسة خارجية مستقلة بما يكفي، عن تلك السياسات التي تعتمدها الولايات المتحدة: الآن أو في الغد القريب، مؤقتاً أو على المدى الستراتيجي، إزاء سلسلة طويلة من الملفات الدولية الشائكة على رأسها قضايا الشرق الأوسط بالطبع.
وحتى داخل الموقف شبه المتماثل ذاته، لن يسمع المرء من ساسة باريس أو لندن أو برلين الخطّ ذاته في حدود دنيا من التجانس، إذا وضع المرء جانباً مهازل/ مآسي التقلّب والتذبذب والتهرّب…ولعلّ الاجتماع/ الجلسة الصحافية بين ترامب والمستشار الألماني في البيت الأبيض، يوم 3 آذار (مارس) الماضي، تقدّم المشهد الأوفي تعبيراً عن حال أوروبا مع الولايات المتحدة، لجهة المأساة والمهزلة معاً: لم يتأخر ترامب عن تقريع ضيفه على خلفية التقاعس عن الالتحاق بالولايات المتحدة ودولة الاحتلال الإسرائيلي في الحرب ضدّ إيران، فحسب؛ بل عمد إلى استغلال المناسبة لتأنيب رئيس الوزراء البريطاني من زاوية غير منتظرة، مفادها أنّ مَن تتعامل معه واشنطن ليس ونستون شرشل! وكير ستارمر ليس شرشل، غنيّ عن القول، ولكن… هل ترامب نسخة عن فرنكلين روزفلت؟ وهل هذه، أصلاً، أوروبا وأمريكا أواسط أربعينيات القرن المنصرم؟الحال الراهنة التي تشهدها محاصصات النظام الدولي الراهنة تشير إلى أنّ أوروبا العملاقة تاريخياً، عاجزة عن اعتماد سياسة خارجية مستقلة بما يكفي، عن تلك السياسات التي تعتمدها الولايات المتحدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك