يني شفق العربية - أمين عام منتدى البركة: الاقتصاد الإسلامي فرض حضوره عالمياً الجزيرة نت - وليد صيام.. إمام المسجد الأقصى الراحل قناة الشرق للأخبار - لماذا اقترح زيلينسكي لقاء بوتين؟.. خلف الكواليس قناة التليفزيون العربي - خطة ألمانية فرنسية لحصار روسيا والحد من نفوذ الصين في أوروبا قناة الجزيرة مباشر - مشاهد مباشرة.. غارة إسرائيلية على بلدة كفررمان في قضاء النبطية جنوبي لبنان قناة التليفزيون العربي - زيلينسكي يوجه رسالة مباشرة إلى بوتين يطلب فيها إنهاء الحرب والكرملين يدعو كييف للقبول بشروطه قناة الشرق للأخبار - أين تخفي إيران اليورانيوم؟.. قراءة سياسية لمستجدات الأحداث بين واشنطن وطهران الجزيرة نت - الجزائر تصدر طابعا بريديا يخلد مشاركة محاربي الصحراء في كأس العالم FC Barcelona - برشلونة - ⏱️PAU CUBARSÍ vs JOAN GARCIA | 7 SECOND CHALLENGE (SUMMER EDITION) روسيا اليوم - مقتل 5 بحارة أذربيجانيين في هجوم بطائرات مسيرة على ناقلات حبوب في بحر آزوف
عامة

الانفصالية الاجتماعية: ماكس أدلر والفاشية الدينية

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 أسبوع
2

يمكن اعتبار الفيلسوف النمساوي ماكس أدلر (1873-1937) نموذجاً غير شائع عن الفيلسوف الملتزم حزبياً، والذي لم تمنعه مكانته الأكاديمية والفكرية من أن يبقى عضواً مخلصاً في «حزب العمال الديمقراطي الاجتماعي ا...

ملخص مرصد
يستعرض المقال دور الفيلسوف النمساوي ماكس أدلر (1873-1937) في الدفاع عن الماركسية النمساوية خلال فترة «فيينا الحمراء» (1918-1934)، حيث مثّل صراعاً ثقافياً وطبقياً مع الفاشية الدينية الكاثوليكية. سعت أفكاره إلى مواجهة «ثقافة الشعب» المحافظة عبر إعادة قراءة الماركسية، لكن المشروع-ended بهزيمة عام 1934. ويطرح المقال تساؤلات حول دور الناشطية في مواجهة الفاشية الدينية اليوم.
  • ماكس أدلر (1873-1937) فيلسوف نمساوي نظّر للماركسية النمساوية خلال «فيينا الحمراء»
  • الفاشية الدينية الكاثوليكية سحقت «فيينا الحمراء» عام 1934 بعد صراع ثقافي وطبقي حاد
  • الناشطية الحديثة تُقارن بالعامل الاجتماعي الذي حلم به أدلر، وتواجه انتقادات لغياب التنظيمات الاجتماعية
من: ماكس أدلر أين: النمسا (فيينا)

يمكن اعتبار الفيلسوف النمساوي ماكس أدلر (1873-1937) نموذجاً غير شائع عن الفيلسوف الملتزم حزبياً، والذي لم تمنعه مكانته الأكاديمية والفكرية من أن يبقى عضواً مخلصاً في «حزب العمال الديمقراطي الاجتماعي النمساوي»، ضمن واحدة من أكثر مراحل التاريخ النمساوي اضطراباً ودموية، وأيضاً غنىً فكرياً واجتماعياً.

لقد نظّر أدلر لـ»الماركسية النمساوية»، وكان من أهم أعلامها وأعمقهم، في زمن كان يمكن أن تتحول أفكاره إلى مؤسسات وتطبيقات عملية في «فيينا الحمراء» (1918-1934)، وتصبح نموذجاً في العمارة، والتعليم، والثقافة الجماهيرية، والتنظيم الاجتماعي.

كما شهد سحق هذا المشروع على يد الأستروفاشية (الفاشية النمساوية) ذات السمة الدينية الكاثوليكية، وتوفي، ربما لحسن حظه، قبل عام واحد من ضم النمسا إلى ألمانيا النازية.

ما عاشته النمسا في زمن أدلر، وشركائه من الديمقراطيين الاجتماعيين النمساويين، ومنهم أوتو باور وكارل رينر وردولف هيلفردنغ، لم يكن مجرد صراع سياسي وطبقي، بل انقساماً اجتماعياً وثقافياً وحضارياً غير مسبوق في إمبراطورية منهارة، كانت لعقود طويلة أحد معاقل الرجعية الأوروبية، وفي الوقت نفسه نموذجاً للتحديث المحافظ، فباتت خليطاً من كل تناقضات العصور الحديثة: مسألة قومية وإثنية متفجّرة، من شعوب وطوائف وجماعات، تكتشف ذاتها بتعثّر في شروط بالغة القسوة؛ بيئة ريفية كاثوليكية محافظة، تمتلك منظورها للإنسان والنظام الاجتماعي «الصالح»، وأيضاً ثقافتها الرفيعة، في مدن مثل زالتسبورغ ولينتس؛ بالمقابل ازدهرت فيينا، بوصفها مدينة عالمية، مع طبقة عاملة صناعية قوية، وميول «تقدّمية» جامحة ضد الرجعية؛ إلى جانب كنيسة قوية، وكذلك نقابات قوية؛ وحرب عالمية دمّرت العالم القديم، وبعدها أزمة اقتصادية خانقة، وثورات تجتاح الشرق والغرب؛ في شرط من الازدهار الفكري والفني غير المسبوق في كامل أوروبا، وفيينا في قلبها.

هكذا صار الديمقراطيون الاجتماعيون قوة كبيرة، بملايين الأصوات الانتخابية، وعشرات آلاف الكوادر، وسيطروا على بلدية فيينا بانتخابات ديمقراطية، وأقاموا فيها ما عُرف بـ»فيينا الحمراء»، وسط محيط كاثوليكي متشكك ومعادٍ، وانقسام طبقي حاد بين طبقة عاملة منظّمة تميل إلى الأفكار الديمقراطية الاجتماعية، وطبقة عليا ووسطى ترى في الفاشية منقذاً محتملاً من «الخطر الأحمر»، ولكن بما لا يسقط الخصوصية المحليّة، فصارت «الفاشية النمساوية» نقيضاً لـ»الماركسية النمساوية»، وانتهى الموضوع بانتفاضة متأخّرة لعمال فيينا عام 1934، سحقها الفاشيون، الذين أقاموا نظامهم الخاص، وألغوا الديمقراطية، ثم لم يستطيعوا الصمود بوجه النازية الألمانية، فدخلوا ضمن «الرايخ الثالث».

الانقسام بين الفاشيين الكاثوليك والديمقراطيين الاجتماعيين وصل إلى درجة انفصال العوالم، فقد رأى المحافظون أن عالمهم الإمبراطوري التقليدي انهار، ما يهدد تقاليدهم وإيمانهم ومفهومهم للعائلة والفضيلة، فمالوا تدريجياً للفاشية، التي اتخذت طابعاً دينياً (على خلاف الفاشية الإيطالية مثلاً)، وبدا أنهم قادرون على حشد الجمهور على أساس الدين، والثقافة التقليدية، والتفوّق على بقية المذاهب والطوائف، والأحلام الإمبراطورية المُجهضة، وشعور المظلومية، وكان لا بد من مواجهة هذه النزعات التي ترى أنها «روح الأمة»، هنا برزت أفكار الديمقراطيين الاجتماعيين، التي وصلت إلى قمة صياغتها الفلسفية مع ماكس أدلر، لتقرر بوعي خوض «الصراع الثقافي النمساوي»، على أساس الانفصال عما يدّعي المحافظون أنه «ثقافة الشعب».

من قلب «الصراع الثقافي»، ذي الأبعاد الطبقية المتفجّرة، عمل أدلر على إعادة قراءة الماركسية، وتفسير «المادية التاريخية»، ليشكك في البداية في أن «العلميّة» تساوي الموقف الميتافيزيقي المادي التقليدي لمعاصريه من الماركسيين، وفي أن مبادئ الديالكتيك المادي تؤدي إلى حتميات تاريخية، ومال إلى اعتبارها منهجية أساسية ومفيدة في العلوم الاجتماعية، ولكنها ليست مخطّطاً نظرياً للتاريخ.

ماركس، من وجهة نظره، لم يُعنَ أساساً بتقديم نظرية ميتافيزيقية عن الوجود، ولم يحدد «جوهر الواقع»، فهذا يخالف العلميّة أصلاً، وإنما أشار إلى تاريخ يصنعه البشر، وتقاليد الأجيال الماضية كلها تضغط عليهم، وبالتالي يجب أن لا تُقرأ نظريته بوصفها نظرية في الوجود، بل نظرية في الواقع الاجتماعي.

هنا يبرز سؤال: كيف ندرك الواقع الاجتماعي فعلاً، وما شروط ذلك؟ وكيف يجعلنا هذا نصنعه أو نعيد إنتاجه؟ وكيف يمكن أن يتبدّى لنا التاريخ والصراع الطبقي وعلاقات الإنتاج؟ كل هذه الأسئلة أجدى من التخمينات الميتافيزيقية عن الجوهر المادي للوجود، الذي «ينعكس» في الوعي، وادعاء معرفة «الأشياء في ذاتها»، ولذلك لا بد من فهم الشروط القَبْليِّة للوعي الإنساني، أي ما يجعله ممكناً أصلاً.

هنا حاول أدلر التوفيق بين ماركس وكانط ليصل إلى نظريته الأهم، والتي كانت من أهم الأسس الفلسفية لـ»الصراع الثقافي» ولتجربة «فيينا الحمراء» كلها، وهي «الوعي الفردي مؤسَّس اجتماعياً بشكل قَبْلي»، ويمكن تبسيطها بمقولة إن الوعي الفردي غير ممكن أصلاً إلا بشرط وجود مجتمع سابق على الأفراد، يمنحهم اللغة والمعاني والمعايير وإمكانية التواصل.

المجتمع ليس عقلاً متعالياً، وإنما شبكة من العلاقات والمعاني والتاريخ والتجربة المشتركة، التي تجعل المعرفة نفسها ممكنة، وهو يتكوّن تاريخياً، ويتغير، وفي الوقت نفسه يكوّن طريقة فهمنا للعالم.

الوعي الطبقي عند أدلر هو إدراك للعالم الاجتماعي، يتم بناؤه ضمن المؤسسات والعلاقات الاجتماعية، وليس مجرد انعكاس للعلاقات الإنتاجية أو «البنى المادية».

من هنا تنبع إمكانيات الحرية، إذ أن الصراع الاجتماعي والطبقي يفتح الإمكانيات لتغيير وعي الأفراد؛ ومن هنا أيضا تأتي ضرورة الديمقراطية الاجتماعية، التي تنشئ مؤسسات ومنظمات مستقلة نسبياً عن الدولة الطبقيّة، لتحقيق شرط أكثر عدالة، بما يتجاوز الديمقراطية الليبرالية، التي ليست إلا نمطاً من الهيمنة البورجوازية.

إذ لا وجود لفرد سياسي «طبيعي»، كما تفترض الليبرالية، وكل فرد، ووعيه السياسي، ناتج علاقات اجتماعية معقدة، وبالتالي يجب على السياسة أن تعبّر عن هذه الاجتماعية، لا أن تتجاهلها.

باختصار: الاجتماعي سابق للفردي والذاتي، وبناء المجال الاجتماعي الحر والمنظّم يهيئ الإنسان للتحرر من الاستغلال والاستلاب.

لم يكن كل هذا مجرد كلام فيلسوف من برجه العاجي، بل تعبيراً فلسفياً عن تجربة تاريخية كبيرة، «اجتماعية» وسابقة على التنظير الذي قدمه أدلر نفسه، وهي ما أنتج «شروطه القَبْليِّة»، إذا استعملنا لغته ومصطلحاته، تداخل فيها جهد المناضلين السياسيين والنقابيين، مع نقاشات فكرية وثقافية لا تهدأ.

فيينا كانت تشهد بناء مجمعات سكنيّة عمالية (أشهرها «كارل ماركس هوف»، وما يزال حتى اليوم من أهم معالم فيينا، ونموذجاً أساسياً للسكن الاجتماعي في العالم كله)، ومدارس علمانية، ومؤسسات ثقافية وإعلامية، وملاعب، وأندية رياضية، لإعداد نموذج جديد للإنسان، بالانفصال والتمايز عن الإنسان الذي تنتجه المؤسسات الدينيّة التقليدية، ولخلق مجال «الاجتماعي» الذي يطوّر وعي الأفراد، ويمكّنهم من التضامن في وجه الاستغلال الطبقي والاستلاب الديني.

لم يرد الديمقراطيون الاجتماعيون النمساويون الانقلاب على الديمقراطية، واستلام السلطة بعمل عنيف على طريقة البلاشفة، ورفضوا «ديكتاتورية البروليتاريا»، وكانوا حذرين جداً من جر البلد إلى حرب أهلية، واكتفوا بإنشاء ميليشيات اجتماعية للحماية من هجمات الفاشيين الدينيين، ورأوها بديلاً عن الجيوش الاحترافية.

وقد تم انتقادهم كثيراً في ما بعد لتأخرهم الشديد في أخذ زمام المبادرة، والاستيلاء على الحكم في البلد كله، ما أعطى أفضلية للفاشيين، ولكنّ هذا كان مخالفاً لنظريتهم، التي تقوم على أن المجال الاجتماعي هو ما سينتج التغيير، لا إعادة إنتاج العلاقات القمعية عبر جهاز الدولة.

هكذا عاشت النمسا بين عالمين منفصلين تماماً، عالم المؤسسات الكاثوليكية المحافظة لـ»الأستروفاشية»، وعالم المؤسسات الديمقراطية الاجتماعية لـ»الأستروماركسية».

وبعد الحرب العالمية الثانية أعيد إنتاج النظام النمساوي، ليقوم على نوع من المحاصصة، والتوازن غير المستقر تماماً، بين «المسيحيين الاجتماعيين» و»الديمقراطيين الاجتماعيين»، مع توسيع المكتسبات الاجتماعية لعموم النمساويين، أي أن تجربة «فيينا الحمراء» لم تضع هباءً، رغم هزيمتها عسكرياً، بل أعطت نموذجاً متقدماً ساهم في بناء «دولة الرفاه» التي نعرفها في أوروبا كلها.

فهل يمكن تعلّم أي شيء من هذه التجربة؟ وهل يمكن نظرياً تعميم التجربة النمساوية، في مواجهة الفاشية الدينية، على بلدان مختلفة البنى والظروف والثقافات؟لم تكن «الأستروفاشية» مجرد تطرف ديني، بل نزعة سلطوية قومية/دينية، تدمج عناصر متعددة ومتناقضة، وكانت لها نقاباتها ومفكروها وثقافتها الرفيعة، وقيمها الحضارية والأخلاقية والجمالية، لذلك قد يكون تشبيهها ببعض الأصوليات المعاصرة، مثل الإسلام السياسي، ظالماً إلى حد كبير، إلا أن انتقالها من النزعة المحافظة إلى العنف الفاشي، ومن الذاكرة الإمبراطورية إلى الدولة القمعية ذات السمة الكاثوليكية، ومن رفض الحريات الاجتماعية إلى سحق المخالفين وفرض «التقليد الصحيح» عبر مؤسسات دينية مرتبطة بالدولة، يبدو مشتركاً بنيوياً بين كل أنماط الدين المُسيَّس، الذي غالباً ما يتخذ سمة نزعة قومية، تعمل على إعادة بناء الأمة الأحادية السليمة، ورفض الاعتراف بالتعددية الاجتماعية، وصولاً لمحاولة استئصالها؛ فضلاً عن دمج «الشعب» بجهاز الدولة السلطوية، بعد تعريفه بصفة «دولة عضوية»، تصهر الفرد والفئات والطبقات في وحدة لا تقبل اختلاف المصالح والمواقع والمعتقدات والتعبيرات.

من هذه الزاوية فإن «أناقة» الأستروفاشية، ورثاثة الإسلام السياسي، لا يمنعان من ملاحظة السمات المشتركة بين الفاشيات الدينية، والتزامن التاريخي لنشأتها، والمنطلقات الفكرية المتقاربة لها، وقد تكون الأستروفاشية بالذات الأقرب لفاشياتنا المحلية، لأنها نشأت من قلب النزعة المحافظة، ومحاولة توحيد الأمة على أسس دينية، بعد الخيبة الإمبراطورية (ولعل الإمبراطورية النمساوية المثال الأقرب أوروبياً للدولة العثمانية).

اليوم بات ورثة الأستروفاشية، من «مسيحيين ديمقراطيين» أو يميناً شعبوياً، يقبل بالحد الأدنى من الديمقراطية الليبرالية والاجتماعية، إلا أن هذا لم يأتِ إلا بعد صراعات عنيفة، وحرب عالمية أدت لكسر الفاشية على كل المستويات، وتجربة تاريخية أليمة، ومع ذلك، ما يزال خطر عودة الفاشيات قائماً، حتى في النمسا وقلب أوروبا.

يمكن تمييز الفاشية الدينية عن بقية الفاشيات، بأنها تجعل ديناً أو مذهباً معيناً الأساس المعلن للتأسيس القومي، ومشاريع «الدولة العضوية»، وعمليات الاستئصال الاجتماعي، وتعتبره خصوصية الأمة المتفوّقة، مع نزعة تظلّم تاريخي من ضياع التقليد الديني بسبب حداثة ظالمة، وهكذا يصبح مقاتلو الميليشيات الفاشية محاربين دينيين، يشنون اعتداءً على «المظاهر المنفلتة» في المجتمع، حتى لو لم يكونوا في حياتهم الشخصية مثالاً للعفّة أو الفضيلة أو الإيمان.

وبالفعل كان الأستروفاشيون يشعرون برعب وارتياع اجتماعي وأخلاقي من ممارسات الديمقراطيين الاجتماعيين، مثل التربية العلمانية، والتوعية الجنسية للطبقات العاملة، والزواج المدني، ويعتبرون فيينا نموذجاً للمدينة الفاسدة، التي يجب إعادة كثلكتها، وذلك بعنف الدولة والميليشيات، وبقوانين مدوّنة، تأتي من الدولة المركزية الدينية.

ذلك الصراع على التنشئة الاجتماعية، والديمقراطية، والاعتراف بتعددية الفئات والشعوب، كان في القلب من فهم ماكس أدلر ورفاقه للصراع الطبقي والثقافي، ولذلك فقد كانت الميليشيات الدفاعية للطبقة العاملة في فيينا Schutzbund (رابطة الحماية) موجّهة لحماية المدرسة العلمانية، والنقابات العمّالية المستقلّة، والأندية الثقافية والاجتماعية والرياضية الناشئة، والصحافة الحرّة، وفي نهاية انتفاضة عام 1934، تحصّن العمّال في «كارل ماركس هوف»، سكنهم الاجتماعي، في محاولة يائسة للدفاع عن الذات في وجه الفاشية.

لقد كان السلاح تحت سلطة الاجتماعي، وللدفاع عنه، وليس لفرض منطق السلاح وسلطة المسلحين على المجتمع.

قد يتهم بعض الماركسيين اللينينيين أدلر، ورفاقه من الماركسيين النمساويين، بالأخلاقوية والإنسانية والمثالية، وهو ليس اتهاماً خاطئاً تماماً، ولكنه لا يقدّر سؤالهم الأساسي، وهو لم يكن «كيف نستولي على جهاز الدولة لنغيّر العلاقات الاجتماعية»، بل «ما شرط وجود الإنسان، الذي يعد بذاته تغيّراً للعلاقات الاجتماعية»، وربما كان سؤالهم الأكثر عمقاً وأهمية، إذ استمر ذلك «الإنسان» حتى بعد سقوط «فيينا الحمراء»، وأعاد بناء المؤسسات التي أنتجته، وأجبر ورثة الأستروفاشية على الاعتراف بها، ليصبح «الاجتماعي» رمزاً للديمقراطية الأوروبية كلها.

هنا قد يكون أدلر ورفاقه قد «انتصروا» فعلاً، رغم مثاليتهم، بل ربما تخاذلهم، في التعامل مع مسألة الاستيلاء على السلطة.

قد تبدو استعادة تجربة «فيينا الحمراء» في عصرنا، أو في سياق الصراع الاجتماعي في منطقتنا، نوعاً من المثالية التاريخية، فتلك التجربة لم تزدهر إلا في واحدة من أعرق الحواضر الأوروبية، وأكثرها تحضراً، وفي مجتمع صناعي مع طبقة عاملة منظّمة ومتطورة، وفي «العشرينيات الذهبية» أساساً، وهي من أكثر حقب الحداثة ازدهاراً ثقافياً، وربما صارت أوروبا نفسها بعيدة جداً عن عصرها الذهبي الثقافي ذاك.

إلا أن هذا ما يجعل استعادة ماكس أدلر بالتحديد، من ضمن كل تلك التجربة، شديد الأهمية والراهنية، وذلك لأنه قدّم التجربة بصيغة السؤال الفلسفي المجرّد، القادر على الإلهام وطرح الإشكاليات، رغم اختلاف الظروف التاريخية والاجتماعية والثقافية، ففي ظل النزعات الفاشية الدينية تصبح أسئلة الاجتماعي، وبناء الوعي الإنساني، والحماية الذاتية، مصيرية للغاية، والإجابة عليها ضرورة لاستمرار الحياة.

لقد اعتمد الديمقراطيون الاجتماعيون على النقابة، والحزب السياسي، لبناء الاجتماعي، وذلك في ذروة العصر الصناعي، فكيف يمكن بناؤه اليوم، في شرط عام من انهيار المؤسسات الاجتماعية ونزع التحضّر، وفي مجتمعات غير صناعية أو بعد صناعية، وضمن عالم يتجه بشكل متسارع إلى الشعبوية اليمينية، والأنظمة التسلطية، والفاشية الدينية؟تقدّم تيارات من اليسار المعاصر أجوبة تتراوح بين النزعة المحليّة، والتسيير الذاتي، واستعادة المشترك والمشاعي، إلا أن التجربة التاريخية في السنوات الأخيرة بيّنت أن هذا وحده غير كافٍ، في غياب المؤسسات والتنظيمات الاجتماعية والسياسية المتينة، ما أدى، في حالات كثيرة، إلى تسيّد النزعة الناشطية Activism للصراعات الاجتماعية، أو بالأصح إفسادها لها، ويمكن تعريف تلك النزعة بأنها بروز نموذج «محترف النشاط»، الذي يضع ذاته الفردية، بهويتها و»تجربتها الذاتية» ومظلوميتها واستهلاكها الأخلاقي، في صدارة الحيز العام، وبالانفصال عن كل موقع اجتماعي، ويجعل مجرد انتمائه لهوية تمثيلاً لها، دون أي أساس اجتماعي؛ وأيديولوجيته الخاصة غير المعلنة حقوقاً مجرّدة، في عملية احتيال أيديولوجي، تغطي على الصراع المُنتج لمفهوم الحقوق نفسه، ومعناها وتأويلاتها.

يمكن القول إن الناشط هو عكس «العامل الاجتماعي» الذي حلم به أدلر ورفاقه، وبنوا المؤسسات لأجل تأهيله وإنتاج وعيه؛ أما منظمات الناشطية، أي «المنظمات غير الحكومية»، بقيامها على التموّل، وادعاء تجاوز الأيديولوجيا، ونزعتها الحقوقية والأخلاقية الزائفة، و»مساحاتها الآمنة»، وبنيتها الهرمية غير الديمقراطية التي تشبه الشركات، فهي النقيض التام للديمقراطية الاجتماعية، ومؤسساتها السياسية والنقابية والثقافية.

في منطقتنا، التي تعاني من الفاشية الدينية والناشطية في الوقت نفسه، بل من تحالف شبه تام بينهما، قد يكون طرح سؤال «الاجتماعي» هو الأولوية.

لا يوجد لدينا عمّال صناعيون، أو نقابات، أو أحزاب، توجد فقط شعوب مشتتة، وعمّال غير مستقرين، وإفقار يصل إلى حد المجاعة، واعتداء منهجي على النساء، وصراعات دينية وطائفية، ورثاثة اجتماعية شاملة، وتهديد وجودي لاستمرار الحياة، وربما تكون إعادة قراءة أدلر في ظرفنا مفيدة نظرياً وعملياً، فهي قد تعطي أفقاً لبناء ما أمكن من مجال اجتماعي، موجّه لحماية الذات من الهمجيّة.

قد يكون أي شكل تنظيمي يسعى لاستعادة الحد الأدنى من التضامن بين البشر، والقيم الفكرية والأخلاقية والجمالية الأساسية، وألف باء السياسة، والعلمانية والاعتراف بالتعددية، الخطوة الأولى في مواجهة الفاشية، والانفصال عن «ثقافة الشعب» التي تدّعيها.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك