منذ بداية الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وفي خضم التصعيد المتسارع بين طهران وواشنطن، لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي إستراتيجي أو ساحة اشتباك عابر، بل تحول إلى محور مركزي في معادلة الصراع، وأداة رئيسة في إعادة تشكيل موازين القوة في الخليج والنظام الدولي الأوسع، وخلال الأشهر الأخيرة كشفت التطورات الميدانية والتصريحات السياسية عن تحول نوعي في المقاربة الإيرانية، فبدلاً من الاكتفاء بسياسة حافة الهاوية القائمة على التهديد بإغلاق المضيق، اتجهت طهران نحو إستراتيجية أكثر تعقيدا واستدامة، وهي" إدارة المضيق" بوصفه أصلاً سيادياً دائماً وليس مجرد ورقة ضغط موقتة.
وأرادت طهران تقنين ذلك الوضع وتحويله إلى أمر واقع عبر المسار التشريعي، إذ يعمل البرلمان الإيراني على مشروع قانون شامل لتنظيم عبور السفن، يتضمن فرض رسوم واشتراط تصاريح مسبقة، بل وقيوداً سياسية على بعض الدول، وهذا النمط من السلوك يندرج ضمن ما يُعرف في الأدبيات الحديثة بتسييس القانون الدولي، إذ يجري توظيف الأطر القانونية كأدوات لتحقيق أهداف جيوسياسية، وهنا يصبح القانون أداة بيد الدولة لإعادة تشكيل الواقع، وليس مجرد قيد عليها.
أهمية المضيق في معادلة الصراعتكمن خطورة هذا التحول في الطبيعة الفريدة لمضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، إضافة إلى نسبة كبيرة من الغاز الطبيعي المسال، وأي اضطراب ولو كان محدوداً في هذا الشريان الحيوي ينعكس فوراً على أسعار الطاقة، واستقرار الأسواق، وحسابات الأمن الدولي، ومن هذا المنطلق فإن السيطرة المنظمة على المضيق، أو ما سمّته إيران الإغلاق الذكي أو الانتقائي، يمنح إيران ثلاث أدوات قوة متداخلة:أولاً أداة اقتصادية، من خلال إمكان فرض رسوم وتنظيم الخدمات البحرية، وهو ما يفتح باباً لمصادر دخل جديدة في ظل العقوبات.
ثانياً أداة سياسية، عبر إجبار الدول المستهلكة للطاقة على الدخول المباشر مع طهران لضمان مرور آمن.
ثالثاً أداة تفاوضية، إذ سيصبح المضيق ورقة مساومة مركزية في أي حوار مع واشنطن أو القوى الدولية.
التصعيد المحسوب بين طهران وواشنطنفي موازاة هذا التحول تشير المعطيات إلى اعتماد إيران على إستراتيجية الاحتكاك المحدود مع الولايات المتحدة عبر اشتباكات متفرقة ورسائل عسكرية غير مباشرة، وضغوط متدرجة جميعها تهدف إلى اختبار حدود الرد الأميركي، من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، وبالنسبة إلى واشنطن فإن هذا النهج يمثل تحدياً معقداً، فالتصعيد الإيراني لا يرقى إلى مستوى يبرر تدخلاً عسكرياً واسعاً، لكنه في الوقت ذاته يقوض أحد أهم مبادئ النظام الدولي وهو حرية الملاحة في الممرات الإستراتيجية، ويضمن استمرار خنق الاقتصاد العالمى عبر تعطيل الملاحة في" هرمز"، بما يضمن لطهران الضغط على الاقتصاد العالمى والمنطقة، ومن ثم الحصول على ضمانات وتنازلات من ترمب.
الإشكال القانوني: بين السيادة وحرية الملاحةمن الناحية القانونية يثير المشروع الإيراني إشكالات عميقة، فمضيق هرمز يُعد من المضائق الدولية التي تخضع لنظام" المرور العابر" الذي يضمن حرية الملاحة من دون تمييز أو قيود تعسفية، وبالتالي فإن فرض تصاريح مسبقة، أو منع سفن دول بعينها، أو ربط العبور بشروط سياسية، يمثل وفق القانون الدولي انتهاكاً واضحاً لهذا النظام، غير أن طهران تبدو مدركة لهذه التعقيدات، وتسعى إلى صياغة مقاربة هجينة تسمح لها بالحصول على رسوم خدمات لا رسوم عبور، مع اعتراف بسيطرتها عليه.
إعادة تشكيل الأمن الإقليميما يجري في مضيق هرمز يتجاوز كونه خلافاً قانونياً أو مناورة تكتيكية، فهو محاولة لإعادة تعريف مفهوم الأمن في الخليج، فإيران تسعى إلى تقديم نفسها كضامن وأحياناً صاحب نفوذ في أمن الملاحة، في مقابل تقليص الدور العسكري الغربي، وفي هذا السياق تبرز عُمان كفاعل وسيط محتمل قد يمنح أية ترتيبات مستقبلية غطاء إقليمياً يخفف من حدة الرفض الدولي، وتكشف التطورات الأخيرة أن إيران لم تعد تنظر إلى مضيق هرمز كأداة ردع موقتة، بل كركيزة دائمة في إستراتيجيتها الكبرى، فالانتقال من التهديد بالإغلاق إلى محاولة إدارة المضيق يمثل تحولاً عميقاً في التفكير الإستراتيجي، لكنه في الوقت ذاته يفتح الباب أمام واحدة من أخطر نقاط الاحتكاك في النظام الدولي.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)وبينما تسعى طهران إلى تعظيم نفوذها عبر القانون والجغرافيا، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يستطيع النظام الدولي استيعاب هذا التحول؟ أم أن مضيق هرمز يتجه ليكون شرارة مواجهة أكبر؟ وهنا تكمن المعضلة، فإذا تجاهلت الولايات المتحدة هذه التحركات فإنها تخاطر بترسيخ سابقة خطرة، وإذا ردت بقوة فإنها قد تنزلق إلى مواجهة لا تريدها.
النظام الدولي لا ينهار بضربة واحدة، بل عبر سلسلة من التنازلات الصغيرة التي تتحول مع مرور الوقت إلى قواعد جديدة، والسؤال الذي يفرض نفسه: ماذا سيحدث إذا نجحت إيران في فرض رؤيتها على الملاحة في المضيق؟ وإذا أصبح بإمكان دولة مشاطئة أن تفرض شروطاً سياسية على ممر دولي، فما الذي يمنع تكرار النموذج في باب المندب ومضيق ملقا أو حتى ممرات بحرية أخرى حيوية؟ ومن هنا فما هو على المحك ليس فقط أمن الطاقة، بل مبدأ حرية الملاحة ذاته.
وإجمالاً فبسبب حرب ترمب - نتنياهو تجاوزت إيران الخط الأحمر، وتعتبر أن ورقة المضيق هي الضمان الأساس في المواجهة، وأداة ردع تمكنها من صد أي تهديدات لها مستقبلاً عبر التلويح ثانية بتعطيل الملاحة، وكذلك فهو يمنحها سلطة فوق المجتمع الدولي، فهي ترى أنها بسيطرتها على المضيق يمكن أن تكافئ وتعاقب الدول، بل واعتبر بعضهم أن كوريا الجنوبية التي تحتجز أرصدة إيرانية مجمدة، قد أرسلت مبعوثاً خاصاً لإيران للتنسيق في شأن المضيق لعبور السفن التابعة لها، فضلاً عن رغبتها في إحياء مشروعها نحو الهيمنة الإقليمية عبر فرض رؤيتها تجاه أمن الخليج والمضيق، من خلال بسط نفوذها وتقليص الوجود الأميركي، بل إن إيران تعتبر أن المضيق ليس ضمانة وحسب، بل قد يكون أداة إستراتيجية مهمة تعوض فقدان أدواتها المرتبطة بسقوط نظام بشار الأسد، وإضعاف" حزب الله" اللبناني.
وفي ظل بدء كثير من دول العالم البحث عن بدائل لمضيق هرمز، تعي إيران أن المضيق كورقة ضغط ربما لن تجدي مستقبلاً، ولذا تحاول الحصول على أية ضمانات وتنازلات من قبل الإدارة الأميركية حالياً، والأهم أنها تريد أخيراً، في إطار بعض التصريحات، أن تتنازل عن مطلب رسوم العبور في مقابل اعتراف بسيطرتها على المضيق، وتريد اعترافاً دولياً وإقليمياً بأنها دولة ذات نفوذ، وهو العنصر الرئيس لأي قوى تسعى إلى الهيمنة الإقليمية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك