يميل أهل المسؤوليات في دول الخليج العربية، في غالبيّتهم، إلى التحفّط، ولا يُؤْثرون الانفتاح الواسع على الصحافة وناسها.
وممن كانوا من أعلام هذه المنطقة وخرجوا عن هذا نائب رئيس الوزراء وزير الطاقة والصناعة القطري الأسبق، عبد الله بن حمد العطية، الذي انتقل إلى رحمة الله تعالى أول من أمس الأربعاء عن 74 عاماً، فلم يشتهر فقط بما صنع وأنجز لبلده، في مسار نهوضها وتقدّمها وتنميتها، وفي حضورها الإقليمي والعالمي، تحت قيادة الأمير السابق، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، ثم الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وإنما أيضاً بما كان عليه من أريحيّةٍ مع الصحافة، وحضور محبّب، ودماثةٍ واسعة، وتواضعٍ رفيع، وهو الذي أبقى، بعد مغادرته مواقعه الرسمية، على صلاته وصداقاته مع زملاء صحافيين.
وإلى شمائله هذه، ثمّة محبّته الأدب والفنون والتاريخ، فحافظته في الشعر كانت مدعاة إعجاب، وهو الخبير في عالم الطاقة والنفط وصناعاتهما.
أما قصته مع الرياضة فلا تُنسى، فقد ترأس نادي السد الذي كان من مؤسّسيه، وعدّ أباه الروحي.
ولك أن تقول إن الحيوية الشخصية التي اتّصف بها الراحل الكبير، وإطلالاته الإعلامية المحلية والعربية والدولية، كان لهما أثرهما وتأثيرهما في لحظة انعطافية وخاصّة في قطر، مع تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة ورئيس مجلس إدارة قطر للبترول، في 1992، ثم وزيراً للطاقة والصناعة والكهرباء والماء في 1999، ثم نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء مع احتفاظه بمنصبه هذا في 2003، ثم نائباً لرئيس مجلس الوزراء مع المنصب نفسه في 2007 إلى 2011.
ذلك أن هذه السنوات هي التي شهدت انطلاقة البلاد في نهوضها الذي ساهم فيه تحوّلها، التاريخي لا شكّ، إلى إنتاج الغاز الطبيعي المُسال وتصديره، مع توسّعها الكبير في هذا، ما جعل قطر من أولى الدول المصدّرة هذه السلعة الحيوية، واستتبع أن تبني شراكاتٍ قوية، بعضها استراتيجي، مع شركات الطاقة العالمية، الأمر الذي ساعد في دعم استثمارات غير قليلة في الدولة، صناعية وتنموية وفي قطاعات مرتبطة كلياً أو جزئياً بالطاقة، وما ساهم في تسريع عجلة التنمية الناهضة في قطر التي تكاملت معها، في الأثناء، رؤيةٌ سياسيةٌ طموحة، تقوم على أن في وُسع حكومة قطر أن تقوم بأدوار متقدّمة في خفض النزاعات وفي مساعدة شعوبٍ ودولٍ على النهوض، وفي حيازة مكانةٍ إقليميةٍ ومؤثّرةٍ في الجوار الخليجي والمحيط العربي والمجال الدولي.
أخلص الراحل لبلده، ووصفه الشيخ حمد بن خليفة بأنه" الوزير النزيه"، وكرّمه بوسام الاستقلال الذي يُمنح لرؤساء الدول.
واستحقّ كل الذكر الطيب الذي استرسل فيه من عملوا معه، منذ شبابه الأول، في وزارتي المالية والبترول، والداخلية، وفي مؤسّساتٍ وهيئاتٍ وشركاتٍ تولى مسؤوليات واستشارات فيها.
وكثيراً ما جاء أصدقاؤه ومعارفه، في قطر وخارجها، على سعة معرفته وثقافته، وعلى مواقف عروبيةٍ له، وهو الذي انتقد حكم العسكر واعتبرهم خرّبوا بلداناً عربية معلومة، وناوأ التطرّف، وأبهجه التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني في غضون حرب الإبادة في غزّة.
أما في قطاع الطاقة والغاز والبترول فدورُه المشهود في بلده معلومٌ للكافّة، وقد حدّثَ" العربي الجديد"، في مقابلة صحافية لعلها الأخيرة معه، أجراها الزميل أسامة سعد الدين (6/3/2024)، إن قطر كانت في 1992 دولةً على حافّة الإفلاس، جرّاء تدهور أسعار النفط إلى أقل من عشر دولارات لبرميل النفط، وانخفض الإنتاج من 600 ألف برميل يومياً إلى 400 ألف، وفي ذلك العام عُيّن وزيراً الطاقة والصناعة، وكان إنتاج قطر من الغاز صفراً.
ما صار تالياً، وبقيادة الشيخ حمد بن خليفة بعد صيف 1995، كان متواليةً من النهوض والتقدّم والازدهار الذي أحدث أثره على أهل البلد في الخدمات وغيرها، وكان له عظيم النفع على بلاد عربية وغير عربية ساعدتها الدوحة، وساهمت في إسعاف أهلها، وفي المقدّمة فلسطين ولبنان.
يحسُن أن تعرف أجيالٌ عربيةٌ ناشئةٌ أن دول الخليج توفّرت على رجالٍ وطنيين من أبنائها، عملوا بروحٍ مثابرة، وكدّوا وكافحوا، وبعوْنٍ من خبراتٍ وكفاءاتٍ عربية، منذ بواكير أولى لنهوض دولهم، مع استقلالاتها، ثم تابع مسيرة التعمير والتنمية أبناؤهم وأحفادُهم، وكان من خيرتهم ومن أبرز كفاءاتهم ممن اتّصفوا بطاقة عملٍ خلاقةٍ عبد الله بن حمد العطية، رحمه الله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك