في اليابان، لا تُعد القطط مجرد حيوانات أليفة لطيفة، بل تحوّلت إلى ظاهرة ثقافية واقتصادية متكاملة تُؤثر في مختلف جوانب الحياة اليومية.
فمن الروايات والأفلام إلى المقاهي والهدايا التذكارية وحتى المعابد التاريخية، نجحت القطط في ترسيخ حضورها داخل المجتمع الياباني، لتصبح اليوم عنصرًا رئيسيًا فيما يُعرف باسم" اقتصاد القطط".
وتشير تقديرات حديثة إلى أن القطط ستساهم بما يقارب 3 تريليونات ين ياباني، أي نحو 18.
8 مليار دولار، في الاقتصاد الياباني خلال عام 2026، وهو رقم يعكس حجم التأثير الاقتصادي لهذه الظاهرة المتنامية، وفقًا لصحيفة" الغارديان".
حضور القطط في كل تفاصيل الحياة اليابانيةويتجلى عشق اليابانيين للقطط في تفاصيل الحياة اليومية بشكل لافت.
فالقطط تتصدر أغلفة عدد لا يُحصى من الروايات، ولها يوم رسمي خاص للاحتفاء بها، كما تجاوز عددها عدد الكلاب كحيوانات أليفة منذ أكثر من عقد.
ولا يقتصر الأمر على عامة الناس فقط، إذ تمتلك العائلة الإمبراطورية اليابانية قططًا، فيما عبّرت رئيسة الوزراء اليابانية سناي تاكايتشي عن تفضيلها للقطط على الكلاب.
كما تحوّلت بعض المناطق في طوكيو إلى وجهات سياحية مرتبطة بثقافة القطط، وعلى رأسها حي" ياناكا غينزا"، المعروف باسم" مدينة القطط".
" مدينة القطط" في طوكيو تجذب السياح من أنحاء العالمفي أحد أحياء طوكيو القديمة، يتوافد الزوار من أميركا الشمالية وأستراليا وأوروبا إلى منطقة ياناكا غينزا، التي ارتبطت تاريخيًا بالقطط.
وتنتشر صور القطط في واجهات المتاجر ولافتات الشوارع، بينما تُباع الحلويات المصممة على شكل قطط، إلى جانب الأختام اليابانية التقليدية “هانكو” المزينة برسومات القطط.
ورغم أن الطقس الحار والازدحام أبعدا القطط الحقيقية عن الأنظار في بعض الأيام، فإن الزوار لا يتوقفون عن شراء الهدايا التذكارية المستوحاة منها، مثل مغناطيسات الثلاجات والبطاقات البريدية وأعواد الطعام والأواني الخزفية.
وتقول يوميكو ياماشيتا، صاحبة متجر" نيكو أكشن" ومحبة القطط: " لطالما وُجدت القطط في ياناكا بسبب كثرة المعابد البوذية هنا.
في الماضي كانت تتجول بحرية وتدخل المنازل، لكنها أصبحت أقل ظهورًا الآن، خاصة في الأيام الحارة".
الأدب الياباني ساهم في تعزيز شعبية القططوساهم ازدهار الأدب الياباني عالميًا في تحويل القطط إلى أداة تسويقية قوية.
فمنذ أكثر من قرن، قدّم الكاتب الياباني ناتسومي سوسيكي روايته الشهيرة" أنا قط"، التي تُروى بالكامل من وجهة نظر قطة منزلية.
كما حضرت القطط بقوة في أعمال الكاتب هاروكي موراكامي السريالية، إضافة إلى روايات شهيرة أخرى مثل" سجلات القط المتجول" لهيرو أريكاوا و" القط الضيف" لتاكاشي هيرايدي.
ومع تصاعد شعبية هذا النوع من الأدب، لجأت دور النشر اليابانية إلى استخدام صور القطط على أغلفة الكتب، حتى في بعض الأعمال التي لا ترتبط بالقطط بشكل مباشر، لما تتمتع به من جاذبية تسويقية كبيرة.
القطط تتحول إلى قوة اقتصادية ضخمةفي بلد يفوق فيه عدد الكلاب والقطط المنزلية عدد الأطفال دون سن الخامسة عشرة، بلغ عدد الأسر اليابانية التي تربي القطط نحو 8.
8 مليون أسرة خلال عام 2025، مقارنة بـ6.
8 مليون أسرة تمتلك كلابًا، وفق بيانات جمعية أغذية الحيوانات الأليفة اليابانية.
كما أظهرت استطلاعات أن متوسط إنفاق الأسرة اليابانية على قطتها طوال حياتها يصل إلى نحو 1.
8 مليون ين، أي ما يعادل 11,300 دولار تقريبًا.
ويشمل" اقتصاد القطط" قطاعات واسعة، مثل مقاهي القطط، ومتاجر الهدايا، وألبومات الصور، وصناعة أغذية الحيوانات الأليفة، فضلًا عن المنتجات الترفيهية والثقافية المرتبطة بها.
ويقدّر كاتسوهيرو مياموتو، الأستاذ الفخري بجامعة كانساي، أن التأثير الاقتصادي للقطط بات يقترب من حجم الأثر الذي يتركه معرض" إكسبو أوساكا 2025"، وهو أحد أكبر الأحداث الاقتصادية والسياحية في اليابان.
لماذا تحظى القطط بهذه المكانة في الثقافة اليابانية؟تعود العلاقة الخاصة بين اليابانيين والقطط إلى قرون طويلة.
ويُعتقد أن القطط دخلت اليابان خلال فترة نارا بين عامي 710 و794، عبر مبعوثين عادوا من الصين.
واستقبلت المعابد البوذية القطط آنذاك لحماية النصوص الدينية من القوارض، ما منحها مكانة مميزة وروحانية في الثقافة اليابانية.
ويرى الكاتب المقيم في اليابان ستيفن مانسفيلد أن سر جاذبية القطط يكمن في طبيعتها الهادئة، قائلًا: " القطط لا تعيش للحظة فقط، بل تعيش في اللحظة الحاضرة، ولهذا تبدو أقل تشتتًا من البشر".
من أشهر رموز القطط في اليابان تمثال" مانيكي نيكو"، وهو تمثال لقطة ترفع مخلبها وكأنها تدعو الحظ والرزق للدخول.
وترتبط شهرة هذا التمثال بأسطورة تعود إلى معبد غوتوكوجي في طوكيو، حيث يُقال إن قطة أنقذت أحد أمراء الإقطاع من صاعقة برق بعدما دعته للاقتراب من المعبد أثناء عاصفة.
وأصبحت تماثيل" مانيكي نيكو" اليوم جزءًا أساسيًا من المتاجر والمطاعم اليابانية، إذ يضعها أصحاب الأعمال اعتقادًا بأنها تجلب الحظ والازدهار.
رغم الشعبية الهائلة للقطط، تواجه اليابان تحديات ديموغرافية متزايدة، أبرزها انخفاض عدد السكان وارتفاع متوسط الأعمار، وهو ما قد يؤدي مستقبلًا إلى تراجع أعداد الحيوانات الأليفة.
لكن حتى الآن، لا تزال القطط تحافظ على مكانتها الاستثنائية داخل المجتمع الياباني، سواء كرمز ثقافي أو كقوة اقتصادية تدر مليارات الدولارات سنويًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك