على غير عادته مقارنة بالسنوات السابقة، يشهد نهر الفرات غزارة مستمرة منذ أشهر، لا سيما مع بدء موسم الأمطار خلال الشتاء الماضي، لكن النهر شهد في الأيام القليلة الماضية سابقة تسجل منذ عقود للمرة الأولى تمثلت بفيضان على طول مجرى النهر داخل الأراضي السورية وبعض المناطق العراقية أيضاً، بسبب تدفق مائي ضخم من داخل الأراضي التركية بعد فتح بوابات من سد أتاتورك من السلطات التركية.
ومنذ الإثنين الماضي، أطلقت الحكومة السورية من خلال وزارة الطوارئ والكوارث نداءات تحذيرية عاجلة للمواطنين بعدم السباحة والابتعاد من ضفاف النهر وإخلائها، إضافة إلى إيقاف الحركة على الجسور النهرية التي غالبيتها ترابية وغير مقاومة للتيارات المائية القوية.
منذ منتصف الأسبوع الجاري، تتسلل المياه وتجرف عدداً من القرى والأحياء والمنازل والمزارع في محيط مجرى نهر الفرات، بدءاً من ريفي جرابلس وكوباني في أقصى شمال البلاد، حيث يدخل النهر الأراضي السورية، بينما ازدادت الخسائر والأضرار في معظم القطاعات المحيطة في ريفي الرقة ودير الزور، حيث ازداد معدل الفيضان بسبب وقوعها بعد سدي تشرين والفرات.
وبحسب المعنيين، فإن الكمية المطلقة جراء فتح بوابات سد الفرات بلغت نحو 1500 متر مكعب بالثانية، وهو رقم كبير جداً مقارنة بالوارد المائي المتفق عليه بين البلدين جراء اتفاق وقع في أواخر ثمانينيات القرن الماضي بين الحكومتين السورية والتركية، والقاضي بتدفق 500 متر مكعب بالثانية، ليشكل هذا التدفق الأخير سابقة لم تسجل منذ نحو 40 عاماً في سوريا.
ومع غياب أرقام رسمية حول حجم الأضرار حتى الآن، تتوالى أنباء عن توسع دائرة الأضرار مع ازدياد الفيضان، إلا أن ثلاثة جسور ترابية وآخر عائم إضافة إلى أربع محطات لمياه الشرب قد خرجت عن الخدمة، كما أن أوصال ضفتي النهر في مدينة وريف دير الزور قد انقطعت تماماً، في وقت يعتمد السكان على العبارات المائية، وهي أجسام مسطحة تشبه السفن البدائية مصنوعة من صفائح حديدية ويدفعها محرك، وقد حذرت الحكومة من استخدامها في هذه الأوقات، إذ لا تتوافر فيها مستلزمات الأمان، وسجلت حالة غرق واحدة في الأقل أثناء عبور إحداها بين ضفتي النهر قرب دير الزور.
كذلك دخلت المياه عدداً من محطات ضخ مياه الشرب لبلدات ريف دير الزور، كما تمددت المياه إلى الأراضي الزراعية المقبلة على الحصاد، إذ سارع بعض الفلاحين لجني محاصيلهم قبل نضوجها بالكامل.
وتوقع المدير التنفيذي لمنظمة" العدالة من أجل الحياة" جلال الحمد أن تجلي السلطات المحلية نحو 1500 عائلة متضررة من الفيضان، وحذر من أن الرقم قابل للزيادة خلال الساعات والأيام المقبلة مع استمرار تدفق المياه، مشيراً إلى تأخر السلطات في الاستجابة لهذه الظروف الطارئة بخاصة في ما يتعلق بتوجيه التعليمات والإرشادات للمناطق التي كان من المتوقع أن تتضرر، ودعا الحمد إلى تضافر الجهود الإنسانية بالتنسيق مع السلطات المحلية من أجل تأمين مساعدات عاجلة ومراكز إيواء للعائلات لا سيما مياه الشرب والوقود للمشافي والمساعدات الطارئة.
من جهته، قال زياد العبود مدير مديرية الطوارئ في دير الزور إن" جسر العشارة، نحو 65 كيلومتراً شرق مدينة دير الزور، وهو الوحيد المتبقي لربط ضفتي النهر، كان يعمل حتى مساء الخميس لكنه مهدد بالخروج عن الخدمة"، مضيفاً أن عناصر مديرية الطوارئ في استنفار كامل، و" تعمل الفرق على تدعيم السواتر حول محطات المياه في ريف المنطقة منعاً لغمرها بمياه الفيضان لا سيما المنخفضة منها"، وأشار العبود إلى ست حالات غرق شهدتها المنطقة" غالبيتهم من الأطفال"، لكنها لم تكن نتيجة الفيضان إنما لعدم الاستجابة للتحذيرات الكثيرة التي أطلقتها الوزارة في ما يخص منع السباحة والعبور بين ضفتي النهر في الفترة الحالية.
من ناحيته، أكد المدير العام للمؤسسة العامة لسد الفرات هيثم بكور لوكالة" سانا" الرسمية أن الوضع المائي على مجرى نهر الفرات يشهد حالاً من الاستقرار حالياً، مشيراً إلى أن معدل تمرير المياه من سد كديران، وهو سد مائي يقع بعد سد الفرات داخل الأراضي السورية يبلغ نحو 1800 متر مكعب في الثانية، وأوضح بكور أن المؤشرات الحالية لا تظهر أي تغيرات متوقعة على مستوى التصريف أو ارتفاع المنسوب حتى يوم الأحد المقبل، لافتاً إلى استمرار المتابعة الفنية والمراقبة المستمرة لمستويات المياه على امتداد مجرى النهر.
وبين المدير العام للمؤسسة العامة لسد الفرات أن كوادر المؤسسة تواصل عملها بالتنسيق مع الجهات المعنية وفرق الطوارئ، مع الحفاظ على الجاهزية الفنية للتعامل مع أي مستجدات محتملة، وضمان سلامة المنشآت المائية وتنظيم عمليات التصريف بالصورة الأمثل.
في ما يخص سبب غزارة التدفق المائي، ففي تركيا هناك خزانات مائية ضخمة جداً تقع خلف سلسلة من السدود المقامة على نهري الفرات ودجلة، وأدت غزارة المتساقطات في عموم المنطقة إلى امتلاء هذه الخزانات المائية الضخمة التي تتوزع على بحيرات خلف أكثر من 20 سداً على مجرى النهرين داخل الأراضي التركية.
وما زالت الثلوج متراكمة حتى هذه الأيام في أعالي الجبال حيث ينبع نهرا الفرات ودجلة في جنوب شرقي البلاد حيث المناطق الكردية، وهناك بدأت فكرة تنمية هذه المنطقة من خلال استغلال الموارد المائية منذ ثلاثينيات القرن الماضي، إلى أن تطورت لاحقاً إلى مشروع جنوب شرقي الأناضول المعروف بـ" مشروع غاب" GAP الذي يقوم على فكرة بناء سدود وبحيرات مائية ضخمة داخل الوديان وبين الجبال الممتدة على مساري دجلة والفرات، فتشكلت بحيرات تختزن نحو 88 مليار متر مكعب من المياه على مجرى نهر الفرات في حين تقدر الكمية المختزنة في بحيرات سدود نهر دجلة داخل الأراضي التركية بنحو 18 مليار متر مكعب.
ولعل أبرز سدود هذا المشروع هو سد أتاتورك الواقع في ولاية أديمان، وتقدر سعته بنحو 48 مليار مكعب، في حين يقع أبرز سد على نهر دجلة المسمى بـ" إليسو" ما بين ولايتي ماردين وشرناق، ويحتجز خلفه بحيرة تقدر بأكثر من 10 مليارات متر مكعب من المياه.
وعلى رغم بناء هذه السدود الـ22 إضافة إلى 19 محطة توليد للكهرباء، إلا أن لها أبعاداً سياسية، إذ تعتبر تركيا أن دجلة والفرات عبارة عن نهرين داخليين ومن حقها التحكم بمواردهما، في حين ترى سوريا والعراق أنهما نهران دوليان يمران في أكثر من دولة، وجرى حولهما اتفاقات عدة لتمرير المياه كان أبرزها عام 1987 وقضى بتمرير 500 متر مكعب بالثانية كحد أدنى لتدفق نهر الفرات، في حين قضت مذكرة تفاهم بين تركيا والعراق بتدفق ما بين 200 إلى 500 متر مكعب بالثانية كحد أقصى.
لم يكن مشروع" غاب" ذا أبعاد اقتصادية وتنموية فقط، بل غير وجه المنطقة مقارنة بالعقود التي سبقتها، وجاء في فترة علاقات متوترة في الإقليم لا سيما بين كل من تركيا والعراق من جهة، وتركيا وسوريا من جهة أخرى، وأصبحت المياه ورقة تركية تفاوض بها دول الجوار في عدد من الملفات سواء مع سوريا التي كانت تؤوي قيادات من" حزب العمال الكردستاني"، أو العراق بملفات الأمن والنفط والاقتصاد والصراع مع الأكراد وغيرها.
وإلى جانب تعزيز تركيا القطاع الزراعي المحلي في منطقة جنوب شرقي البلاد، خصوصاً مع بداية سنوات التسعينيات من القرن الماضي أصاب الجفاف المناطق الشمالية والشمالية الشرقية من سوريا، وانخفض مستوى المياه الجوفية، وجفت الينابيع والأنهار الغزيرة في هذه المنطقة مثل نهر الخابور، ناهيك بتراجع الوارد الزراعي في هذه البلدان، كما تأثرت حصة العراق من مياه النهرين خصوصاً دجلة، إضافة إلى ذلك، ظهرت تداعيات غير مباشرة لتراجع الزراعة من خلال هجرة سكان هذه المناطق إلى المدن الكبرى، مما أدى إلى عدم استقرار سكاني، خصوصاً في مناطق الجزيرة السورية ومحافظة حلب، وفق مصادر سورية.
كما أن الصراع حول المياه تجدد ما بين تركيا وسوريا، خصوصاً مع سيطرة" قوات سوريا الديمقراطية"، التي كان يقودها أكراد متحالفون مع الولايات المتحدة، وانخفض تدفق نهر الفرات إلى أدنى مستوياته صيف عام 2020 وتحول الفرات إلى جدول ماء صغير لدى دخوله الأراضي السورية قرب مدينة جرابلس، وذكرت سلطات السدود التابعة للإدارة الذاتية أن كمية تدفق مياه الفرات انخفضت إلى ما دون 200 متر مكعب بالثانية، وهو رقم صغير مقارنة بالتزامات تصريف المياه من الأراضي السورية باتجاه العراق، ليعود هذا العام، ومن دون سابق إنذار، إلى التدفق إلى أكثر من 1500 متر مكعب بالثانية، أي ثلاثة أضعاف الالتزامات القانونية لجريان النهر إلى دول الجوار انطلاقاً من تركيا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك