وسط درجات الحرارة القياسية التي راحت تُسجَّل في دول غرب أوروبا أخيراً، فعّل عدد منها أعلى مستويات إنذار في مجال الأحوال الجوية، ولا سيّما مع" القبّة الحرارية" المسيطرة التي يفاقمها تغيّر المناخ.
وتُعَدّ المملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا والبرتغال من بين أكثر البلدان المتأثّرة بهذه الظاهرة المناخية المعروفة، ليكون شهر مايو/ أيار الجاري فيها الأكثر" دفئاً" على الإطلاق، منذ البدء برصد درجات الحرارة فيها.
وتُلحَظ تأثيرات" القبّة الحرارية" خصوصاً مع تغيّر المناخ الذي يطاول كوكبنا ويؤرّق المعنيين الذين يحذّرون من تداعيات على مختلف الصعد في حال لم تُتَّخذ الإجراءات المناسبة لكبح جماح الاحترار.
ويشرح الخبراء أنّ" القبّة الحرارية" ظاهرة مناخية تُسجَّل عندما يُحصَر الهواء الساخن في منطقة بحدّ ذاتها، تحت ضغط جوي مرتفع، ويبقى عالقاً فيها لمدّة تتراوح ما بين أيام وأسابيع، الأمر الذي يؤدّي إلى ارتفاع كبير في درجات الحرارة طوال تلك المدّة.
ومنذ بداية هذا الأسبوع، تجتاح موجة حرّ غير مسبوقة لهذه الفترة من العام غرب أوروبا، بما في ذلك المملكة المتحدة، بسبب" القبة الحرارية" التي تخيّم على المنطقة.
وتقترن هذه الظاهرة المناخية، التي تسبّبت أخيراً في وفيات على نحو مباشر أو غير مباشر في فرنسا بحسب ما أفادت الحكومة، بحرارة أعلى من المعدلات الموسمية بما بين 10 درجات و15 درجة مئوية، كذلك تترافق هذه الموجة مع تدهور في جودة الهواء، الأمر الذي يؤدّي إلى حالات تلوّث حاد في طبقة الأوزون، كما هي الحال في فرنسا.
ومع تسجيل دول غرب أوروبا درجات حرارة غير مسبوقة لشهر مايو، وُجّهت اتهامات إلى السلطات المعنية في البلاد بـ" التقصير" إزاء التحديات التي تفرضها الظروف المناخية، ولا سيّما في فرنسا.
وانتقدت المعارضة رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو، وندّدت بـ" عدم القيام باستعدادات" لمواجهة ذلك، الأمر الذي دفعه إلى الاجتماع، عصر يوم أمس الخميس، مع عدد من وزرائه من أجل بلورة" خطة صمود" لفصل الصيف، تتناول المياه الجوفية وتهيئة مراكز استقبال للمتضرّرين المحتملين ومخاطر حرائق الغابات.
وأعربت زعيمة الخضر مارين توندولييه عن" صدمتها حيال انعدام استعدادات الحكومة"، مندّدةً بتخفيض موارد" الصندوق الأخضر" وبطء عملية إعادة تجهيز المدارس.
بدورها، دعت الناشطة في جمعية" ريزو اكسيون كليما" آن برينغو الحكومة إلى التخلّي عن نهج إدارة الأزمات بعد حدوثها و" اعتماد إجراءات هيكلية، ولا سيّما لتكييف المساكن والمدارس مع موجات الحرّ الشديدة".
وفي المملكة المتحدة، يوصي خبراء مكلّفون بتقديم المشورة للحكومة بتحديد أهداف" قابلة للقياس" للحدّ من آثار تغيّر المناخ، من قبيل وضع سقوف لدرجات الحرارة في المستشفيات والمدارس والسجون والشركات، ونشر أنظمة تبريد وتكييف في المباني، وتطوير مزيد من أنظمة الحماية من الفيضانات، وزيادة قدرات تخزين المياه.
أوروبا صُمّمت تاريخياً للتعامل مع البرد وليس الحرّفي سياق متصل، كشفت دراسة أجرتها شركة" أليانز تريد" العالمية لتأمين الائتمان أنّ موجات الحرّ الشديد صارت تمثّل مشكلة متزايدة للاقتصاد في ألمانيا، مشيرةً إلى أنّ الشركات تواجه عبئاً مزدوجاً يتمثّل في تراجع الإنتاجية من جهة وارتفاع تكاليف الطاقة من جهة أخرى.
ووفقاً للدراسة، قد يتكبّد الاقتصاد الألماني خسائر بمليارات اليوروهات بحلول عام 2030 في حال تكرّر موجات الحرّ التي شهدها العقد الماضي.
وأوضح رئيس" أليانز تريد" في ألمانيا والنمسا وسويسرا ميلو بوغارتس أنّ" الحرّ الشديد لم يعد مجرّد ظاهرة جوية قصيرة الأجل، بل صار صدمة اقتصادية هيكلية"، مضيفاً أنّ أكبر الأضرار لن تظهر اليوم بل في الغد، لأنّ تراجع توقّعات العائدات يحدّ من الاستثمارات، وبالتالي يضعف الإنتاجية المستقبلية والقدرة التنافسية.
من جهته، حذّر كبير خبراء اقتصاد المناخ في" أليانز ريسيرش" حازم كريشين من أنّ" الأداء الاقتصادي في ألمانيا قد يتراجع بصورة ملحوظة بسبب موجات الحرّ بحلول عام 2030، إذ قد تصل خسائر الناتج المحلي الإجمالي في الأعوام الأربعة المقبلة إلى 3%"، وأشار كريشين إلى أنّ ألمانيا تقع في منتصف الترتيب الأوروبي لجهة التأثّر بالحرّ، خلف الدول الشمالية الأكثر برودة مثل أيرلندا وفنلندا، مع العلم أنّها أفضل حالاً مقارنةً بدول جنوب أوروبا الأكثر حرارة مثل إسبانيا وإيطاليا.
وشرح كريشين أنّ التأثيرات الاقتصادية تتحوّل إلى السلبية بمجرّد تجاوز عتبة 30 درجة مئوية، مبيّناً أنّ" أوروبا صُمّمت تاريخياً للتعامل مع البرد، وما زالت حتى اليوم غير مستعدّة بطريقة جيّدة للحرّ، على الرغم من أنّ موجات الحرّ لم تعد ظاهرة جديدة في السنوات الأخيرة"، وتابع كريشين أنّ الولايات المتحدة الأميركية والشرق الأوسط وآسيا أكثر تقدّماً في هذا المجال، لأنّ الحرّ جزء من التخطيط فيها منذ عقود ولذلك تنتشر أجهزة التكييف فيها بصورة واسعة.
ووفقاً للدراسة المشار إليها، فإنّ نحو 90% من المنازل في الولايات المتحدة الأميركية مزوّدة بأنظمة تكييف، في مقابل نحو 19% فقط في أوروبا.
كذلك فإنّ مباني أوروبية عديدة صُمّمت للاحتفاظ بالحرارة بدلاً من تصريفها، وأكد كريشين أنّ" التحوّل الأخضر والتكيّف مع تغيّر المناخ صارا راهناً من القضايا المحورية في السياسة الاقتصادية، ويتجاوزان بكثير نطاق القضايا البيئية"، مضيفاً أنّ الدول التي تتقدّم بطريقة أسرع في تطوير البنية التحتية وحماية الشركات والعاملين ستكون في موقع أفضل.
(العربي الجديد، أسوشييتد برس، فرانس برس).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك