لليوم الثالث على التوالي، لا تجد الأسئلة التي يطرحها الشارع العراقي والوسط السياسي، على وجه التحديد، بشأن معنى حل جماعة" سرايا السلام" وإلحاقها بالدولة، إجابات واضحة.
و" سرايا السلام"، وهي أكبر الفصائل العراقية من الناحية العددية، تمتلك أساسًا ثلاثة ألوية مسلحة داخل" الحشد الشعبي"، وتتبع إداريًا وعقائديًا لرجل الدين مقتدى الصدر، وتنتشر في عدة مدن ومحافظات عراقية، أبرزها سامراء والكاظمية والشعلة والنجف والبصرة.
وأصدر مقتدى الصدر بيانًا مفاجئًا، الأربعاء الماضي، أعلن فيه" فك ارتباط" سراياه المسلحة (سرايا السلام)، ووضعها تحت إدارة القائد العام للقوات المسلحة، ممثلًا برئيس الوزراء علي الزيدي.
ولم يشرح البيان آليات حل الجماعة المسلحة، وما المقصود أساسًا بـ" فك الارتباط"، خاصة أنها ضمن الحشد الشعبي أصلًا، بواقع ثلاثة ألوية هي 313 و314 و315، بالإضافة إلى وجود تشكيلين آخرين، هما" لواء اليوم الموعود" و" جيش المهدي"، قرر الصدر تجميدهما بعد الانسحاب الأميركي عام 2011.
الصدر، الذي دعا باقي الفصائل إلى خطوة مماثلة، وصف القرار بأنه لـ" تعزيز سلطة الدولة، وحصر العمل العسكري بالمؤسسات الرسمية".
وأعرب الصدر عن أمله في انفصال جميع تشكيلات الحشد الشعبي وألويته وفصائله عن" الأوامر الحزبية والطائفية"، ولا سيما بعد أن سلّمت" الفصائل" سلاحها للدولة، كما نُصحت قبل سنوات بذلك.
علما أن الصدر يريد، بحسب بيان، أن تتم آلية حل سراياه عن تياره الشعبي خلال أسبوع واحد لكن لم تتضح بعد كيفية تنفيذ الآلية وأسباب تزامن الإعلان عنها مع عيد الأضحى.
مع العلم أن الصدر كان قد أعلن عن هذا الأمر نفسه عامي 2017 و2019، حين أشار إلى حل سرايا السلام وتسليم أسلحتها إلى الدولة العراقية بآلية رسمية، إلا أن الدعوات السابقة لم تتحقق على أرض الواقع، فقد تمسكت" سرايا السلام" بسلاحها، بل إنها واجهت قوات الحشد الشعبي على بوابة المنطقة الخضراء (الحكومية) في أغسطس/ آب 2022، وسقط نحو 700 عراقي بين قتيل وجريح من الجانبين، وبعدها قرر الصدر اعتزال العملية السياسية.
وفي اتصالات مع ثلاثة مسؤولين في مكاتب تابعة للصدر في أكثر من محافظة عراقية، قال أحدهم لـ" العربي الجديد"، إن آلية انفكاك" سرايا السلام" بصفتها قوة عسكرية وأمنية عن التيار الصدري ما زالت" غير مكتملة"، مضيفًا أن" سرايا السلام هي قوة مسلحة منضبطة، موجودة داخل هيئة الحشد الشعبي، وتتوزع في أكثر من مدينة عراقية وتتولى تأمينها، وتحديدًا في مدينة سامراء بمحافظة صلاح الدين".
فيما أقر آخر بأن القرار كان مفاجئًا حتى بالنسبة لقيادات التيار الصدري، ولا توجد لديهم أي تصورات حول الموضوع.
لكن مصادر سياسية من تحالف" الإطار التنسيقي" (يضم الأحزاب والكيانات والفصائل الشيعية باستثناء التيار الصدري)، قالت لـ" العربي الجديد"، إن الصدر يريد إحراج الفصائل المسلحة الرافضة لتسليم سلاحها من خلال إعلانه الأخير، مستبعدة إقدام الصدر على التخلي عن سلاح" سرايا السلام" أو حل ارتباطها به، وأن ما يحدث حاليًا يندرج ضمن الحرب الإعلامية التي عادة ما يطلقها الصدر ضد منافسيه وخصومه التقليديين من الفصائل وقادة الأحزاب الشيعية.
وأكد أحد هذه المصادر، لـ" العربي الجديد"، أن الصدر يريد أيضًا أن يدفع رئيس الحكومة علي الزيدي إلى تكثيف جهوده في مواجهة الفصائل المسلحة والضغط عليها من أجل تسليم سلاحها.
في الحقيقة، فإن هذا الأمر صعب، إذ ما زالت فصائل عدة لا تؤمن بتسليم سلاحها، بل إنها تعتبره مقدسًا، مثل كتائب سيد الشهداء وكتائب حزب الله وحركة النجباء.
من جهته، بيّن الباحث في الشأن السياسي غالب الدعمي أن" قرار الصدر ليس جديدًا بشأن حل سراياه المسلحة وإدماجها بالدولة، إذ تحدث الصدر قبل سنوات ولأكثر من مرة بهذا الأمر، وهو جزء من استراتيجية حصر السلاح بيد الدولة"، مبينًا لـ" العربي الجديد" أن" سرايا السلام، وبعد قرار الصدر بحلها عن التيار الصدري، يعني ترحيلها إلى القوات الأمنية العراقية النظامية والمعروفة، وتحويلها إلى قوة خاضعة لأوامر القائد العام للقوات المسلحة، وسينخرط أفرادها في الواجب الأمني من دون العودة إلى قادتهم من أعضاء التيار الصدري، وأن سرايا السلام تحتوي على مدنيين متطوعين بصفة جماعات مساندة للمقاتلين، وأن هؤلاء، بحسب رؤية الصدر، سيتحولون ضمن هيكلية البنيان المرصوص (فريق تطوعي وإغاثي يتبع للصدر)".
وأكمل الدعمي أن" آليات الدمج أو الحل ستبقى محصورة ما بين قيادة التيار الصدري وسرايا السلام والحكومة العراقية وهيئة الحشد الشعبي أيضًا، بالتالي فإن مراحل التقدم بهذا الملف قد تبقى محصورة بين هذه الأطراف فقط، وقد لا يتم الإعلان عنها بشكل واضح، لأنها تحمل طابعًا أمنيًا وعسكريًا دقيقًا"، موضحًا أن" الصدر طالب بتحرير الفصائل من الأوامر الحزبية والطائفية، وهو يقصد أن ألوية داخل الحشد الشعبي تتبع ظاهريًا للقائد العام للقوات المسلحة، لكنها في الحقيقة تتبع لقادتها من السياسيين والزعماء.
بالتالي، فإن مبادرة الصدر هي إشارة دعم للزيدي بأن يمضي في مشروع حصر السلاح بيد الدولة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك