بين عامي 1649 و1672، خلال فترةٍ شهدت ازدهارًا اقتصاديًا وعمرانيًا ملحوظًا، شُيِّدت «مدرسة عثمان باشا الساقزلي» في منطقة باب البحر داخل المدينة القديمة، بالقرب من جامع درغوت، لتكون مركزًا لتدريس العلوم الدينية والفقه الإسلامي وتحفيظ القرآن الكريم.
وتُعد المدرسة من أهم المنشآت التعليمية التي أُنشئت في العهد العثماني الأول، إذ جاءت استمرارًا للحركة العلمية التي عرفتها طرابلس عبر العصور، بعد ما تعرضت له المدينة من تدمير خلال الاحتلال الإسباني وفرسان القديس يوحنا، الذين تسببوا في اندثار عدد من المدارس التاريخية القديمة.
-المعتدون على جامع درغوث بطرابلس يواصلون احتلاله (صور)-البوصيري يرسم ملامح المسرح الليبيوتتميز «مدرسة عثمان باشا» بطرازٍ معماري يجمع بين التأثيرات العثمانية والروح المعمارية المحلية في ليبيا.
فقد شُيِّد المبنى حول فناء داخلي مكشوف تحيط به أروقة محمولة على أعمدة، فيما تتوزع غرف الطلبة أو «الخلوات» حول الساحة الداخلية، وكانت تُستخدم للإقامة والدراسة.
كما تضمّ المدرسة مسجدًا صغيرًا تعلوه قبة، إضافة إلى ضريح عثمان باشا وتربة لعائلته، وهي عناصر كانت شائعة في العمارة العثمانية آنذاك.
ومن أبرز السمات المعمارية للمكان وجود القباب المضلعة والقاعدة المثمنة التي تحملها، إلى جانب الزخارف البسيطة التي تعكس الطابع الديني والوظيفي للمبنى.
ويرى باحثون في العمارة الإسلامية أن المدرسة تمثل نموذجًا فريدًا لتخطيط المدارس الدينية في ليبيا خلال العصر العثماني، وقد أصبحت لاحقًا مرجعًا تأثرت به مدارس أخرى أُنشئت في البلاد خلال العهد القرمانلي.
ولم تقتصر وظيفة المدرسة على التعليم فقط، بل لعبت دورًا اجتماعيًا وثقافيًا مهمًا، إذ كانت تستضيف الطلبة الوافدين والعلماء، وأسهمت في ترسيخ التعليم الديني ونشر الثقافة الإسلامية في طرابلس لقرون طويلة.
كما استمرت في أداء دورها الديني والتعليمي حتى السنوات الأخيرة، مع إقامة حلقات لتحفيظ القرآن ومسابقات دينية داخلها.
وعلى الرغم مما تعرضت له بعض أجزاء المدرسة من تغييرات وترميمات عبر العقود، فإنها لا تزال تحتفظ بجانب كبير من هويتها التاريخية، ما يجعلها من أبرز المعالم الأثرية الإسلامية في العاصمة الليبية، ووجهةً مهمة للباحثين والمهتمين بتاريخ العمارة والتراث الحضاري في ليبيا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك