أثار كشف تقارير عن منح مالي مبلغاً قدره نحو مليار دولار للمرتزقة الروس منذ عام 2021 صخباً غير مسبوق في البلاد وسط تساؤلات عن الهدف من هذه الخطوة في خضم العجز عن صد الجماعات المسلحة.
أتى كشف هذا الأمر في وقت حساس، حيث تعرضت مالي لهجوم منسق أخيراً شنته" جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بتنظيم" القاعدة" الإرهابي و" جبهة تحرير أزواد"، مما أدى إلى مقتل العشرات، منهم مسؤولون بارزون على غرار وزير الدفاع ساديو كامارا، مما سلط الضوء على حجم الهشاشة الأمنية على رغم الرهان على الدعم الروسي.
وهذه ليست المرة الأولى التي يثار فيها جدل في شأن الموارد التي تمنحها مالي ودول الساحل الأفريقي لقوى دولية مقابل توفير دعم أمني، إذ سبق وشهدت البلاد سجالات مماثلة بسبب العلاقة مع فرنسا التي قادت عديداً من العمليات العسكرية في باماكو وعواصم الساحل لاستعادة الأمن، ومن أبرزها عملية" برخان" التي أطلقتها فرنسا في (أغسطس) آب عام 2014.
عززت الانتكاسات الميدانية الأخيرة التي مُنيت بها السلطات الانتقالية في مالي المخاوف حيال تمكين المرتزقة الروس من أموال طائلة من دون تحقيق نتائج.
وكان أكبر مكسب للمرتزقة الروس في مالي هو مساعدة مجموعة" فاغنر" شبه العسكرية على استعادة مدينة كيدال، وهي معقل تاريخي للمتمردين عام 2023، لكن هذه المدينة سقطت بيد الانفصاليين الطوارق مجدداً في هجمات أبريل (نيسان) الماضي.
وقد زادت مشاهد انسحاب عناصر الفيلق الأفريقي الذي يضم مقاتلين من" فاغنر"، وهو مجموعة عسكرية كبيرة أنشأتها موسكو لتحل محل" فاغنر" إثر تمرد قائدها الراحل يفغيني بريغوجين ضد الكرملين، قبل سنوات، من مدينة كيدال بعد تفاهمات مع المتمردين.
وعدت الباحثة السياسية المتخصصة في الشؤون الأفريقية ميساء نواف عبدالخالق أن" الأموال التي دفعتها مالي للمرتزقة الروس تعد فاتورة باهظة بالفعل، خصوصاً أنها تعاني أزمات اقتصادية وأمنية حادة، بالتالي هي تحتاج إلى الموارد.
منح هذه الأموال لروسيا مقابل دعم أمني بات يطرح كثيراً من التساؤلات حول الجدوى منه لا سيما أن المقاربة العسكرية أصبحت مثيرة للجدل في باماكو في مواجهة جماعات مسلحة لديها القدرة على المناورة".
وتابعت عبدالخالق أن الإنفاق الضخم على المرتزقة يعود إلى عديد من العوامل، " إذ تستفيد هذه الشركات الأمنية الخاصة من ظروف مثل هشاشة الدولة، لكن مثل هذه التدخلات لم تحل المشكلة، بل بالعكس عقَّد التركيز على الحل العسكري الأمور وسط اتهامات للمرتزقة الروس بالسعي إلى توسيع نفوذهم الاقتصادي مقابل الدعم العسكري، وكذلك بالوصول إلى مناجم الذهب، وهناك تقارير تؤكد أن الدعم الأمني والعسكري كان بمقابل امتيازات اقتصادية تشمل التعدين واستخراج الذهب والمعادن كما يجري الحديث عن حصول شركات روسية على عقود داخل مالي".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)يحيط غموض حول العدد الرسمي للمرتزقة الروس الموجودين في مالي، لكن تقارير تتحدث عن قدوم 2000 مقاتل عام 2021، وقد ذكرت أخيراً أن هؤلاء حصلوا على معدات عسكرية متطورة على غرار مركبات" سبارتاك" ودبابات" تي-72 بي 3 أم".
في السياق قال الباحث المتخصص في الشؤون الأفريقية محمد أوال" في الواقع، هناك تراكم للغضب الشعبي في مالي حيال استقدام المرتزقة الروس لعديد من الأسباب، أولها الانتهاكات والوحشية التي أبداها هؤلاء في التعامل مع السكان، إذ أدى هجوم، على سبيل المثال، استهدف الأقلية الفولانية عام 2023 في مدينة مورا إلى مقتل 300 شخص في الأقل".
وأوضح أوال في تصريح خاص أن" الدعم الروسي تسبب كذلك في إرباك المشهد السياسي والتفاهمات السابقة، إذ حفزت موسكو، التي تركز اهتمامها على الموارد الطبيعية في شمال مالي، الحكومة في باماكو على شن هجوم على المنطقة ما دفع الانفصاليين الطوارق إلى إنهاء العمل باتفاق السلم الموقع عام 2015، وإثر ذلك لم تتمكن الحكومة وحلفاؤها الروس من السيطرة على الشمال".
وتابع المتحدث ذاته" يضاف إلى ذلك الأموال الطائلة التي تدفعها الحكومة إلى المرتزقة، وهم عناصر قد يرفضون الانصياع إلى الأوامر أو الامتناع عن المشاركة في القتال حال عدم تلقيهم رواتبهم ما يكشف عن مشهد معقد للغاية لدور هؤلاء المرتزقة في مالي".
تدفع جمهورية أفريقيا الوسطى للمرتزقة الروس من خلال تمكينها من استخراج المعادن، في وقت تراوح باماكو بين منح الشركات الروسية امتيازات للوصول إلى المعادن التي تشمل الذهب وكذلك الدفع نقداً.
وقالت ميساء نواف عبدالخالق" في اعتقادي أن هذه الفاتورة لن تؤدي إلى حل المعضلة الأمنية في مالي، بل ستقود إلى مزيد من التشدد، لا سيما أن بعض الجماعات المسلحة يسعى إلى الحصول على مزيد من الحقوق من الدولة".
وختمت" لذلك كان الأجدر بالحكومة في باماكو إنفاق هذه الأموال على مشاريع مثل البنى التحتية وتأمين الحاجات للسكان".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك