لم يعد الذوق مسألة شخصية خالصة كما كان يبدو في السابق.
الأغنية التي نسمعها صباحًا قد تصلنا عبر قائمة مقترحة.
الفيلم الذي نشاهده مساءً يظهر في خانة" قد يعجبك".
الوجبة التي نفكر في طلبها يرشحها تطبيق التوصيل.
حتى المقطع القصير الذي نتوقف عنده ثواني إضافية يتحول إلى إشارة تستخدمها المنصة لتقترح علينا المزيد مما يشبهه.
في البداية، يبدو الأمر مريحًا.
لا حاجة إلى البحث طويلًا، ولا إلى سؤال الأصدقاء، ولا إلى التجول بين خيارات كثيرة.
هناك نظام ما يعرف ما نحب، أو يظن أنه يعرف، ويقترح علينا ما يناسب مزاجنا.
غير أنّ السؤال الأوسع لا يتعلق براحة الاختيار فقط، وإنما بالطريقة التي صارت بها الخوارزميات شريكًا خفيًا في تشكيل ذوقنا اليومي.
لكن الخوارزمية لا تقرأ عقلك، إنما تقرأ سلوكك.
كل ما تتوقف عنده ثانية إضافية، وكل ما تُعيد مشاهدته، وكل ما تتجاوزه بسرعة.
هذه البيانات تُرسم منها صورة دقيقة عن ما يستوقفك.
والمشكلة أن هذه الصورة تعكس ما أوقفك بالأمس، لا بالضرورة ما تريده غدًا.
الخوارزمية تُحسن التنبؤ بماضيك، وتُقدّمه لك بوصفه مستقبلك.
وكان الذوق يتكوّن سابقًا عبر دوائر واضحة نسبيًا: العائلة، الأصدقاء، المدرسة، التلفزيون، الراديو، الصحف، المكتبات، واجهات المحال، وما يصادفه الإنسان في الشارع أو السفر أو السهرات.
كان هناك قدر كبير من المصادفة، ومن تدخل الآخرين، ومن الاكتشاف غير المتوقع.
أما اليوم، فجزء واسع من الذوق يمر عبر أنظمة توصية.
لا تخبرنا هذه الأنظمة بما يجب أن نحب مباشرة، لكنها تعرض علينا ما يشبه ما أحببناه سابقًا.
تستند إلى الأغاني التي أعدنا تشغيلها، والمقاطع التي أكملناها، والصور التي توقفنا عندها، والمنتجات التي فتشنا عنها، والوقت الذي قضيناه أمام نوع محدد من المحتوى.
هكذا يتحول الذوق من مساحة مفتوحة إلى مسار يتغذى على نفسه.
كل اختيار صغير يصبح مادة لاختيار تالٍ.
وكل نقرة تترك أثرًا في ما سيظهر لاحقًا.
ومع الوقت، قد نشعر أننا نختار بحرية كاملة، بينما تكون مساحة الاختيار نفسها قد رُتبت لنا مسبقًا.
وينبّه علماء النفس المعرفيّ إلى ظاهرة يُسمّونها" وهم الاختيار": حين تُعطى قائمة مُصمَّمة مسبقًا، يشعر الإنسان بحرية الاختيار لأنه هو من يضغط الزر في النهاية.
لكن الاختيار الحقيقي يكون قبل القائمة، في لحظة تحديد ما هو متاح وما هو غير متاح.
وهذه اللحظة صارت في أيدي المنصات لا في أيدينا.
لا يمكن إنكار أن الخوارزميات جعلت الوصول إلى المحتوى أسهل.
من يريد أغنية هادئة يجد قائمة جاهزة.
ومن يبحث عن وصفة سريعة يحصل على عشرات الاقتراحات.
ومن لا يعرف ماذا يشاهد يجد أمامه عناوين مرتبة بحسب ما يُفترض أنه قريب من مزاجه.
لكن هذه الراحة تحمل جانبًا آخر.
فحين يُكرّر النظام تقديم ما يُشبه اختياراتنا السابقة، قد يقلّ احتمال أنّ نُصادف شيئًا غريبًا عنا.
نسمع نوع الموسيقى نفسه، نشاهد المقاطع ذات الإيقاع نفسه، نقرأ العناوين التي تؤكد اهتماماتنا، ونتعامل مع العالم من داخل دائرة مألوفة جدًا.
والمشكلة ليست في أن نحب ما نحب، فهذا طبيعي.
المشكلة أن يصبح الذوق أقل قدرة على المفاجأة.
أن نعتقد أننا نكتشف، بينما نحن ندور في نطاق ضيق من الاقتراحات التي تبدو جديدة لأنها لم تظهر لنا سابقًا، مع أنها تشبه كثيرًا ما رأيناه من قبل.
ويتأثر الإنسان بما يتكرر أمامه.
قد لا نحب أغنية من المرة الأولى، لكن تكرارها في المقاطع والإعلانات وقوائم التشغيل يجعلها أكثر ألفة.
وقد لا نهتم بنوع معين من الطعام أو الملابس أو الديكور، لكن رؤيته يوميًا يجعله حاضرًا في مخيلتنا، ثم قابلًا للتجربة، وربما للتفضيل.
وبهذه الطريقة، لا تقترح الخوارزميات الذوق فقط، وإنما تدرّبه أيضًا.
فهي لا تقول لنا" أحبوا هذا"، لكنها تضعه أمامنا مرارًا، حتى يصبح مألوفًا.
والألفة مرحلة مهمة جدًا في تكوين الذوق.
ما نراه كثيرًا يصبح أقل غرابة، وما يقلّ ظهوره يخرج من مجال التفكير.
لذلك قد يكتشف الإنسان فجأة أنه صار يحب نوعًا من المقاطع، أو طريقة معينة في التصوير، أو نمطًا من الأغاني، أو أسلوبًا في اللباس، من دون أن يتذكر متى بدأ ذلك.
لم يكن هناك قرار واضح، وإنما سلسلة اقتراحات صغيرة صنعت ميلًا جديدًا.
ولا يعني هذا أن الإنسان فقد ذوقه الخاص.
فالاختيارات لا تزال تمر عبر مزاجه وتجربته وذاكرته وحاجاته.
لكن الذوق لم يعد يتكوّن وحده داخل الشخص، إنما داخل علاقة مستمرة بينه وبين المنصات التي يستخدمها.
ونحن نعلّم الخوارزميات عنا، وهي تعيد تعليمنا ما الذي نراه ونسمعه ونعتبره قريبًا منا.
إذا توقفنا عند مقاطع السفر، زادت.
إذا شاهدنا محتوى رياضيًا، اتسعت دائرته.
إذا تفاعلنا مع وصفات طبخ، حضرت أكثر.
ومع الوقت، قد يصبح ما يظهر أمامنا جزءًا من تعريفنا لأنفسنا: هذه موسيقاي، هذه أفلامي، هذا أسلوبي، هذه اهتماماتي.
غير أنّ هذا التعريف قد يكون وليد العادة بقدر ما هو وليد الرغبة.
فنحن لا نختار دائمًا من كل الممكن، وإنما من المتاح أمامنا في اللحظة.
والخوارزميات تتحكم كثيرًا في هذا المتاح.
وليس المطلوب أن نرفض الاقتراحات كلها.
فهي مفيدة، وتوفّر وقتًا، وتساعدنا أحيانًا على اكتشاف أشياء جميلة فعلًا.
لكن يمكن أن نتعامل معها بوعي أكبر.
أن نسأل أنفسنا من وقت إلى آخر: هل أحب هذا فعلًا؟ أم لأنه يتكرر أمامي؟ هل أختار لأنني أريد، أم لأن الخيار ظهر في المكان الأسهل؟ويمكن أيضًا أن نعيد إدخال المصادفة إلى يومنا.
أن نبحث يدويًا عن شيء لا يشبه ما نتابعه عادة، أن نسأل شخصًا مختلف الذوق عن اقتراحه، أن نفتح كتابًا أو فيلمًا أو أغنية لا تأتي من قائمة مخصصة لنا، أو أن نترك مساحة صغيرة لما لا نعرفه.
فالذوق لا يعيش من الراحة وحدها.
يحتاج إلى مفاجأة، وإلى احتكاك بما لا يشبهنا، وإلى تجارب قد لا تعجبنا من المرة الأولى.
حين يحدث ذلك، يصبح الذوق أوسع من مجرد سجل رقمي لاختياراتنا السابقة.
وفي النهاية، لم تعد الخوارزميات خلفية بعيدة في حياتنا اليومية.
إنها تقترح علينا إيقاعًا، ومزاجًا، وألوانًا، وأصواتًا، ووجبات، وطرقًا لرؤية العالم.
قد لا تختار بدلًا منا بالكامل، لكنها تغيّر ترتيب ما نراه، وهذا وحده كافٍ كي يغيّر ما نحب.
لا يعني هذا أن نرفض التوصيات الرقمية رفضًا مطلقًا، فهي مفيدة فعلاً في أوقات كثيرة.
إنما يعني أن نُبقي وعيًا خلفيًا بأن" ما يُعجبك" لا يساوي" ما أنت" كاملًا، وأن الذوق الحقيقي يحتاج إلى مساحة خارج الخوارزمية: زيارة متجر كتب دون خطة، الاستماع إلى محطة راديو عشوائية، قبول توصية صديق يعرفك لا تطبيق يحسبك.
الخوارزمية تعرف من كنت أمس.
أنت وحدك تعرف من تريد أن تكون غدًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك