ضمن أكثر الملفات حساسية في قلب أوروبا، يبرز الملف الاستخباراتي المرتبط بإيران ليُمثِّل صداعا أمنيًّا للعواصم الأوروبية.
وتتحدث تقارير حديثة عن ضلوع الاستخبارات الإيرانية في مراقبة معارضين، ومحاولات اختراق شبكات معلوماتية، وعمليات إجرامية، وشبكات ظل تتحرك على الأرض، فيما تتزايد مخاوف أجهزة الأمن في عددٍ من الدول الأوروبية من اتساع هذا النشاط الاستخباراتي الذي يهدد القارة العجوز.
ومُثِّل رجل يوناني أمام محكمة بريطانية، اليوم الجمعة، بتهمة مراقبة صحفي، يعمل بقناة إيران إنترناشونال التلفزيونية التي تتخذ من لندن مقرا لها، لمصلحة جهاز مخابرات أجنبي يعتقد أنه مرتبط بإيران.
وبحسب «رويترز»، أُلقي القبض على إيوانيس إيدينيديس (46 عاما)، المولود في جورجيا والمقيم حاليا في ميونيخ بألمانيا، في 16 مايو/ أيار، ووجهت إليه تهم بموجب قانون الأمن القومي البريطاني.
وقال دانيال إنجام ممثل الادعاء أمام محكمة ويستمنستر الجزئية في لندن، إن إيدينيديس متهم بالسفر إلى بريطانيا مرتين، في أبريل/نيسان ومايو/أيار، لمراقبة الصحفي.
وتعرف قناة إيران إنترناشونال بانتقادها لحكومة طهران.
وأضاف إنجام أن إيدينيديس التقط صورا لسيارات ومنازل وعناوين أخرى مرتبطة بالصحفي، ويقال إنه قام في رحلته الثانية بتركيب كاميرا مخفية في جورب على شجرة لإرسال البيانات إلى مستلمين مجهولين.
ومضى إنجام قائلا إن الرسائل الموجودة على هاتف إيدينيديس تشير إلى أنه كان يتلقى تمويلا من أشخاص في الخارج، وإن أدلة منفصلة تشير إلى أنه راقب شركة دفاعية في إيطاليا بين رحلتيه إلى بريطانيا.
وقالت الشرطة إن أفعاله يُعتقد أنها كانت لمصلحة إيران.
ولم يُطلب من إيدينيديس الإدلاء بأقواله في هذه المرحلة، وجرى حبسه احتياطيا حتى جلسة الاستماع التالية في 19 يونيو/حزيران.
ونفت طهران مرارا تورطها في هجمات أو مؤامرات في بريطانيا.
واليوم الجمعة أيضا، حذّرت الاستخبارات الدنماركية، من تصاعد التهديدات الإيرانية في الدولة الاسكندنافية، مبيّنة أن تقييم مستواها يعكس التطوّرات الحاصلة على الصعيد العالمي.
ووفقًا لوكالة فرانس برس، فقد أفادت هيئة الأمن والاستخبارات الوطنية الدنماركية (بي إي تي) بأن مستوى التهديد العام في الدنمارك لا يزال عند الدرجة الرابعة على مقياس من خمس درجات، لكنها أشارت إلى أن طبيعة التهديدات «تغيّرت بشكل كبير» في السنوات الأخيرة.
وقال رئيس الهيئة فين بورخ أندرسن في بيان «خلال العام الماضي، أصبحت الجهات الحكومية ضالعة أكثر في تهديد الإرهاب.
نرى أن هذا ينطبق بشكل خاص على إيران التي تشكّل تهديدا لا سيما للمصالح الإسرائيلية واليهودية وكذلك لبعض المعارضين الإيرانيين في أوروبا، بما في ذلك الدنمارك».
وأضاف «ينبع التهديد من أجهزة الاستخبارات الإيرانية التي تستخدم شبكات إجرامية وكذلك تجنّد عناصر في أوروبا للتخطيط لهجمات وتنفيذها».
وفي السويد المجاورة، اتهم جهاز الأمن السويدي (سابو) بدوره إيران باستخدام عصابات إجرامية لتنفيذ «أعمال عنف» ضدّ مصالح إسرائيلية وشخصيات معارضة إيرانية، وهو اتّهام نفته طهران.
وبحسب جهاز «بي إي تي»، فإن تصاعد العداء بين إيران وإسرائيل في السنوات الأخيرة، وخصوصا منذ الحرب الأميركية الإسرائيلية عليها في فبراير/شباط، زاد من حدة التهديدات في دول الشمال الأوروبي والغرب عموما.
وقالت الهيئة «كانت لهذه الحرب تداعيات غير مباشرة على مشهد التهديد في الغرب، بما في ذلك الدنمارك».
ولفتت إلى أن التهديدات كانت في السابق مدفوعة أساسا من «جهات فاعلة غير حكومية» مثل الجماعات المتطرّفة المسلحة التي لا تزال تهديداتها قائمة.
وقال أندرسن «للأسف، أظهرت عدة هجمات وقعت في الغرب خلال العام الماضي أن الجهات التقليدية المهدِّدة، لا تزال تشكّل تحدّيات خطيرة».
وفي إيطاليا، أظهرت وثائق قضائية، اليوم الجمعة، أن الادعاء بمدينة ميلانو فتح تحقيقا مع إيرانيَّين يقيمان في إيطاليا وأمر بتفتيش منزليهما على خلفية تهديدات مزعومة لمعارضين إيرانيين لحكومة طهران.
وأظهرت مذكرة تفتيش من تسع ورقات اطلعت عليها «رويترز» أن مسؤولي الادعاء يشتبهون بتوجيه الشخصين تهديدات خطيرة والاشتراك معا لتحقيق غرض «إرهابي» وتقويض الديمقراطية.
وتعود القضية إلى شكاوى قدمها عدة مواطنين إيرانيين يعيشون في إيطاليا.
وفي إحدى الحالات التي تضمنتها مذكرة التفتيش، قالت معارضة إيرانية لمحققين إنها تلقت مكالمة هاتفية تخبرها بأن حكما بالإعدام صدر بحقها لكونها من مؤيدي المعارضة وأن أصولها في إيران سيجري مصادرتها.
وأظهرت مذكرة التفتيش أن أحد المشتبه بهما كان لديه حساب على إنستغرام جرى من خلاله توجيه تهديدات بالقتل ضد أي مؤيد لوصول رضا بهلوي نجل شاه إيران السابق إلى السلطة.
وأضافت أن «المشتبه بهما، وهما جليليان فرشيد وأديب أنصاري، معروف عنهما أنهما يترددان على مركز إسلامي في ميلانو مملوك للقنصلية الإيرانية».
ووقعت التهديدات المزعومة في وقت قريب من الاحتجاجات الحاشدة التي اندلعت في إيران في يناير/كانون الثاني والاعتصام الذي نظمه معارضون أمام القنصلية الإيرانية في ميلانو في مارس/ آذار.
وبعد فترة وجيزة من قمع النظام الإيراني للاحتجاجات، أدى شن غارات جوية أميركية إسرائيلية في نهاية فبراير/ شباط إلى بدء مرحلة جديدة في الصراع في الشرق الأوسط.
ومع امتداد التوتر إلى أوروبا سجلت السلطات وجود صلات محتملة بإيران في عدة وقائع هذا العام، منها هجمات إحراق متعمدة لأهداف يهودية في لندن وهجوم على مقر بنك أوف أمريكا في باريس جرى إحباطه.
وفي 21 مايو/ أيار الجاري، قال ممثلو ادعاء ألمان إنهم وجهوا اتهامات جنائية ضد مواطن دنماركي وآخر أفغاني للاشتباه في مساعدتهما في التخطيط لقتل قادة بارزين في منظمات يهودية في ألمانيا لمصلحة إيران.
ويواجه الاثنان، اللذان جرى تحديد هويتهما فقط باسم المواطن الدنماركي «علي.
إس» والمواطن الأفغاني «تواب.
إم» وفقا لقوانين حماية البيانات الألمانية، اتهامات منها الشروع في القتل.
وجاء في بيان أن «علي.
إس» متهم بالعمل لمصلحة جهاز المخابرات التابع للحرس الثوري الإيراني، وأنه كان على صلة وثيقة بوحدة فيلق القدس التابعة للحرس الثوري.
وقال المدعون إن «علي.
إس» كلف في مطلع 2025 بجمع معلومات عن جوزيف شوستر، رئيس المجلس المركزي لليهود في ألمانيا، وفولكر بيك، رئيس الجمعية الألمانية الإسرائيلية.
وأضافوا أنه تلقى تعليمات أيضا بالتجسس على اثنين من تجار البقالة اليهود في برلين.
وذكروا «كان الهدف من وراء كل ذلك تسهيل التخطيط لهجمات قتل وحرق عمد في ألمانيا».
ولم يتسن لرويترز التواصل مع محامي المشتبه بهما حتى الآن.
وقالت السلطات الألمانية والدنماركية في يوليو/ تموز من العام الماضي إنه جرى إلقاء القبض على دنماركي في بلاده للاشتباه بتجسسه لمصلحة إيران من خلال جمع معلومات عن المواقع والأفراد اليهود في برلين.
من جهتها، فرضت بريطانيا، يوم الإثنين الموافق 11 مايو/أيار الجاري، عقوبات على 12 فردا وكيانا مرتبطين بإيران، متهمة إياهم بالتورط في أنشطة عدائية منها التخطيط لهجمات وتقديم خدمات مالية لجماعات تسعى لزعزعة استقرار بريطانيا ودول أخرى.
وقالت الحكومة إن الشبكة متورطة في أنشطة عدائية مدعومة من إيران، تتضمن التهديد بهجمات أو التخطيط لها أو تنفيذها ضد أفراد وممتلكات في بريطانيا ودول أخرى.
ونفت إيران مرارا ضلوعها في أي هجمات أو مؤامرات في بريطانيا وبلدان أخرى.
وجاء في الإشعار الحكومي بالعقوبات أن بريطانيا فرضت عقوبات على بعض الأفراد بسبب مشاركتهم المباشرة في أعمال عدائية، بينما اتهمت آخرين بتقديم خدمات مالية أو دعم مادي آخر لتسهيل هذه الأنشطة.
وتتضمن الإجراءات الواردة في الإشعار تجميد الأصول وحظر السفر والمنع من تولي مناصب إدارية.
وقالت بريطانيا إن الكيانات المالية الخاضعة للعقوبات قدمت خدمات لأفراد وجماعات مرتبطة بأنشطة مزعزعة للاستقرار، مما مكن شبكات مرتبطة بإيران من تحويل أموال والحصول عليها رغم القيود الدولية.
وذكرت الشرطة البريطانية الشهر الماضي أنها تحقق في صلات محتملة لإيران بسلسلة هجمات استهدفت مواقع يهودية في لندن بالحرق العمد، مما أدى إلى فتح تحقيقات لمكافحة الإرهاب وإصدار تحذيرات بشأن أنشطة عدائية من طهران أو جماعات تعمل بالنيابة عنها.
ورفعت بريطانيا مستوى التهديد بالإرهاب إلى «خطير»، وهو ثاني أعلى تصنيف.
وحذرت الشرطة ووزراء من زيادة خطر الهجمات وتزايد القلق بشأن النشاط العدائي المرتبط بدول أجنبية، ومن بينها إيران.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك