تتعدد الأصوات في رواية واحدة، ينطق فيها البشر مثلما ينطق فيها الجماد، من دون أن يهيمن صوت على الآخر، وكل فصل من فصولها يتحول إلى وحدة سردية قائمة بحد ذاتها، تتقاطع الأحداث في ما بينها وتتكاثف، كي تبلغ ذروتها في الحكاية المركزية، وكأننا على خشبة مسرح، وكل مرة تتقدم شخصية إلى الأمام وتفيد بقصتها، وإن تراجعت الشخصيات إلى الوراء أو بح صوتها، ينوب عنها الجماد، لأنها رواية حكايات، تنسج خيوطها بين الأصوات وتتحاور فيها الشخصيات، لا تهتم باستمالة قارئ بالزخرفة اللغوية، ولم تبال باللعب على الاقتباسات، ومن دون أن تنحاز إلى شخصية دون الأخرى، أو تنحاز إلى يقين، بل شكلت وعيها من لعبة الأصوات، وكأنها علبة تنفتح على مسارات تتعدد في رواية واحدة، ومن المجحف أن نقول، إنها اعتمدت بطلا وحيدا في النص، بل تتعدد فيها صور الأبطال، بين نساء ورجال، كل واحد منها سلك طريقا، ولا بد أن يلتقوا في لحظة من اللحظات، وإذا غابت واحدة من الشخصيات أو غيبت، فمن المحتمل أن يختل البناء.
وهذا العمل في صناعة الشخصيات وفي تعدد أصواتها ليس أمرا يسيرا، بل يتطلب جهدا وصبرا، والأهم من ذلك يحتم على المؤلفة أن تحيل كل واحدة من الشخصيات إلى خصوصية تميزها عن غيرها، أن تحيلها إلى أفق توقع يختلف عن نظيراتها، ويبدو أن مريم الزرعوني، أفلحت في مسعاها، في باكورتها «سنوات المغر» (مركز أبوظبي للغة العربية)، ففي هذه الرواية تصير الشخصية عماد الحكاية، يتوارى الراوي العليم بما يفسح المجال للراوي المتكلم، الذي يفرض فيها حضوره وصوته، بما يقرب المسافة بينه وبين القارئ، فهذا الأخير لا يشعر نفسه إزاء نص يقدم وعظا أو قصص مسلية، بل القارئ في مواجهة خشبة، يساير تطورات الرواية وتعقيداتها في كل مرة تظهر فيها شخصية جديدة.
هذه الشخصيات التي تقدم رؤيتها للأحداث ورؤيتها للعالم كذلك، تتحرك بين جغرافيات الخليج العربي، تستكشف الأمكنة ويستبطن القارئ نفسياتها، يرافقها في مسار يصور تطورات المنطقة على طول عقود، من خمسينيات القرن الماضي إلى قيام الاتحاد في الإمارات العربية، وما جرى بعدها.
إنها كذلك رواية عن الإنسان بين ترحال ومقام، في اغترابه وبحثه عن ذاته، وقد ورد عنوان فرعي للعمل: «هوامش من سيرة الغريب»، سوف نعرف هذا الغريب في المتن، وفي الاستهلال جاء في الإهداء: «إلى التائهين: آمنتم بمجانية الرحلة بين الضفاف، ثم لم تجدوا إلى العودة سبيلا»، هذا الإهداء يكاد يكون مختصر الرواية.
إنها رحلة بين أكثر من مكان، يلتقي في هذه الرحلة عرب وأوربيون، تنطلق من شركة المغر، والمغر يعني التراب الأحمر.
تنفتح الرواية من منجم، في زمن كانت فيه الحياة من القسوة بحيث يتكل الناس على أعمال شاقة من أجل الظفر بخبزهم، نصادف في صفحاتها الأولى صوت ممرضة إنكليزية، كما يمكن أن نسمع في فصول لاحقة أصوات حجر أو آلة عزف أو صوت الحديد.
كل شيء فيها قابل للاستنطاق، كل عنصر فيها يحمل في جوفه قصة.
ثم نطوف معها بين أكثر من بقعة: أبو موسى، الشارقة، دبي، الكويت، بوشهر، بين ذهاب وإياب يرتفع النسق، فقد شرعت المؤلفة من حكاية محلية، سرعان ما اتسعت رؤيتها فصارت حكاية الإنسان بغض النظر عن أصله أو انتمائه.
تنطلق «سنوات المغر» من شخصية اسمها غريب «رجل قضى شبابه وكهولته في غير موطنه، واعتاد على الارتحال، يتزوج لأن الناس تفعل ذلك».
يطول به الزمن ويشهد تحولات المنطقة، ثم يُتهم بقتل زوجته.
يود العودة إلى الإمارات، إلى جزيرة أبوموسى بالتحديد، وفي خضم رحلاته سوف تتناسل المصائر والشخصيات، كأن القارئ إزاء جوقة موسيقية، كل فرد منها له دور في الإيقاع وإن كان دورا صغيرا.
نتابع غريب في رحلاته التي طافت الأرجاء، قبل أن يرغب في الرجوع إلى موطنه بعدما استأنس الاغتراب، يريد العودة إلى الأرض التي عثر فيها على «جنة عدن»، إلى هوائها وبحرها، نرافقه من طفولته إلى زمن الكهول، في كتابة تستعرض انعكاسات التاريخ العام على حيوات الأشخاص، في زمن كان فيه الناس يعبرون الحدود من غير أن يصادف طريقهم رجل شرطة أو جمارك، ففي هذه الفسيفساء من السرديات التي تنبني عليها الرواية يصير صوت الشخصية مرادفا لأصوات الآخرين، يتحول الصوت المفرد إلى حبكة بوليفونية، بشكل يتجاور مع مفهوم الرواية الحديثة، لأن المؤلفة تنقل عملها من نص يهيمن عليه صوت الراوي العليم إلى نص تتشابك فيه أصوات عديدة، ذلك التنوع في الأصوات يرفع النسق من غير أن ينحاز إلى صوت مركزي واحد.
هكذا تجعل كل شخصية مستقلة عن الأخرى، قد تلتقي الشخصيات في ما بينها في غضون الفصول أو تتباعد، لأن الأهم في هذا المسعى السردي هو تكوين القصة الأساسية التي لا تلتئم من غير الإصغاء إلى الأصوات الأخرى، وليس صوتا غريبا وحده.
إنها بهذه الطريقة تجعل من روايتها فضاء يتسع للحوار، تتباين فيه المواقف الاجتماعية والنفسيات، وليس مكانا يغلب فيه الرأي على حساب الآراء الأخرى.
لا تبتغي أن توصل رسالتها إلى المتلقي، بل تود أن ينفتح الباب إلى سماع من لم يكن لهم صوت، إلى الهامش وليس المركز وكفى.
لقد أفلحت الرواية في أن تجعل من شخصياتها ذواتا مستقلة، لكل منها رؤية ومنظور يفترقان عن غيرها.
فهي لم تتكل على خطاب السلطة أو الدين أو خطاب مهيمن بعينه، بل أحالت الرواية إلى مرونة من شأنها استيعاب التنوع الاجتماعي واللغوي في البيئة الواحدة.
لم تصطف في منطق سلطة الكاتب على النص، بل أصغت إلى الأصوات التي لا نسمعها أو التي تتكلم بصوت خافت.
هكذا يجد القارئ في «سنوات المغر» رواية أجيال في ملامسة تحولات الزمن، يتتبع فيها مصير الفرد عبر حقب متعاقبة، يتعاقب سجل المراحل الاجتماعية في الرواية، وندخل في صراع الذاكرة، من غير أن يفقد (غريب) خيط البدايات، ولا يتنازل عن رغبته الأولى بالعودة إلى مسقط الرأس، إلى أرض البدايات.
ترصد المؤلفة حياته من داخل الأسرة ثم في خضم مجتمع أكبر في سيرورته.
تكشف علاقته بالبنية السوسيولوجية المحيطة به وتحمله انتقالات الزمن، لأن حياة الإنسان لا تُفهم في معزل عن السياق التاريخي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك