انتقل قرار زعيم" التيار الوطني الشيعي" مقتدى الصدر بفك ارتباط" سرايا السلام" بتياره وإلحاقها بالدولة من مرحلة الإعلان السياسي إلى مرحلة الإجراءات العملية، بعد إعلان اللجنة التي شكلها عقد اجتماعها الأول وبدء العمل رسمياً على تنفيذ القرار.
ويعتقد مراقبون أن أهمية الخطوة الحالية تكمن في أنها المرة الأولى التي يبدأ فيها الحديث عن انتقال ملف فك ارتباط أحد الفصائل من مستوى الشعارات السياسية إلى مستوى اللجان والإجراءات التنفيذية والمتابعة الحكومية المباشرة.
ورغم أن الخطوة ما تزال في بداياتها، فإنها فتحت واحداً من أكثر الملفات الحساسة في العراق.
ولا يتعلق الأمر بإعادة تنظيم فصيل مسلح فحسب، بل بمحاولة وضع نموذج عملي قد يبنى عليه مستقبلاً في معالجة العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة، وهو ما يجعل الأنظار تتجه إلى قدرة الحكومة على استثمار هذه المبادرة وتحويلها إلى مسار مؤسساتي قابل للتطبيق.
وأعلنت اللجنة المكلفة من الصدر، أمس الجمعة، مباشرتها إجراءات متابعة انفكاك الجانب العسكري لـ" سرايا السلام" عن" التيار الوطني الشيعي"، تنفيذاً لتوجيهات الصدر التي شددت على إكمال الإجراءات، فيما ضم الاجتماع الأول عدداً من قيادات التيار الصدري والمسؤولين المكلفين بمتابعة تنفيذ القرار.
وقال المكتب الخاص للصدر في بيان إنه" تطبيقاً لما جاء في بيان الصدر، والذي أمر فيه بإكمال إجراءات انفكاك الجانب العسكري لسرايا السلام عن التيار الشيعي الوطني وبمدة أقصاها أسبوع واحد، باشرت اللجنة المكلفة الجمعة، وذلك لغرض متابعة إكمال إجراءات انفكاك الجانب العسكري لسرايا السلام عن التيار الشيعي الوطني".
وفيما تلتزم الأوساط المقربة من مقتدى الصدر الصمت حيال تفاصيل الآليات التنفيذية للقرار، تتجه الأنظار نحو المؤسسات الحكومية المعنية التي بدأت بدورها متابعة الملف، وسط إدراك بأن عملية بهذا الحجم لا يمكن أن تحسم إدارياً وأمنياً خلال أيام قليلة.
وقال مصدر حكومي مطلع لـ" العربي الجديد"، طالباً عدم ذكر اسمه، إن" اللجنة التي شكلها الصدر باشرت عملها رسمياً منذ يوم الجمعة، بالتوازي مع تحركات حكومية تهدف إلى مواكبة الإجراءات وتسهيل تنفيذها".
وأضاف أن" هناك توجيهات مباشرة من رئيس الوزراء بمتابعة الملف بشكل مستمر، باعتباره فرصة مهمة لتعزيز مشروع الدولة وترسيخ مبدأ حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية"، موضحاً أن" اللجنة الحكومية تعمل فعلياً كلجنة ظل بالتنسيق مع نتائج عمل لجنة الصدر، من أجل معالجة الإشكالات الإدارية والقانونية والتنظيمية التي قد تواجه عملية الدمج".
وكشف المصدر ذاته أنه" هناك معوقات وتحديات حقيقية بحكم طبيعة الملف وتشعباته، لكن الجهات المختصة تعمل على تذليلها بالتعاون مع جميع الأطراف المعنية"، مشيراً إلى أن" تنفيذ عملية الدمج بشكل كامل وشامل تحتاج الى وقت من الناحية الفنية والإدارية، لكن المدة التي حددها الصدر يمكن أن تشهد وضع الأطر الأولية والاتفاق على الآليات الأساسية التي ستبنى عليها المراحل اللاحقة".
وأكد المصدر أن" الحكومة تنظر إلى الخطوة باعتبارها بداية محتملة لمسار أوسع، وأن الجهود الحالية لا تقتصر على معالجة ملف سرايا السلام فقط، بل تتعامل معه بوصفه تجربة يمكن أن تفتح الباب أمام خطوات مشابهة مستقبلاً مع تشكيلات أخرى، إذا ما نجحت في تحقيق أهدافها".
من جانبه، قال الخبير السياسي، رعد العلواني، إن الحكومة العراقية أمام فرصة استثنائية قد لا تتكرر بسهولة، مؤكداً لـ" العربي الجديد" أن" نجاح الحكومة في إدارة هذا الملف سيمنحها زخماً سياسياً وأمنياً كبيراً في أحد أكثر الملفات تعقيداً منذ عام 2003".
واعتبر أن" الاختبار الحقيقي اليوم لا يتعلق بإعلان القرار، بل بقدرة المؤسسات الحكومية على تحويله إلى واقع عملي وإداري وقانوني".
وأوضح أن" رئيس الوزراء (علي الزيدي) يدرك أهمية هذه اللحظة ويتابع الملف بشكل مباشر، لأنه يرتبط بأحد أهم العناوين التي تطرحها الدولة العراقية منذ سنوات، وهو توحيد القرار الأمني والعسكري"، مضيفا أن" نجاح تجربة سرايا السلام سيمنح الحكومة حجة قوية للدفع باتجاه ترتيبات مماثلة مع أطراف أخرى، وسيؤكد أن عملية الانتقال من الولاءات الحزبية إلى المؤسسية الرسمية ليست مستحيلة إذا توفرت الإدارة السياسية".
وتابع أن" الفشل أو التباطؤ في استثمار هذه الفرصة سيعيد الجدل إلى نقطة الصفر، لذلك تبدو الحكومة حريصة على التعامل مع الملف بهدوء وتدرج، بعيداً عن الخطوات المتسرعة التي تخلق تعقيدات جديدة".
ويأتي القرار في ظل ظروف سياسية وأمنية مختلفة عن المحاولات السابقة التي أعلنها الصدر في عامي 2017 و2019 بشأن حل" سرايا السلام" أو إعادة تنظيمها، إذ لم تتحول تلك المبادرات حينها إلى إجراءات مكتملة على الأرض.
كما أن الخطوة الحالية تتزامن مع تصاعد النقاشات السياسية حول مستقبل الفصائل المسلحة ودورها داخل مؤسسات الدولة، فضلاً عن الضغوط الداخلية والخارجية التي تدفع باتجاه تعزيز احتكار الدولة للسلاح وتنظيم العلاقة بين التشكيلات المسلحة والمؤسسة العسكرية الرسمية.
وبينما ما تزال تفاصيل الدمج وآلياته النهائية غير معلنة، فإن المؤكد أن الملف دخل مرحلة جديدة عنوانها الإجراءات والتنفيذ، لا البيانات والمواقف فقط ومع بدء اللجان أعمالها على الأرض، تجد حكومة الزيدي نفسها أمام اختبار سياسي وأمني بالغ الأهمية، قد يجعل من تجربة" سرايا السلام" نقطة انطلاق لمشروع أوسع لإعادة رسم العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة في العراق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك