يبرز اسم جولين لوبيتيجي كأحد المدربين الذين استطاعوا ترك بصمة واضحة في كرة القدم الأوروبية، وكأبرز المهندسين التكتيكيين في العقد الأخير.
مسيرته التي بدأت كلاعب حارس مرمى، وتحولت إلى رحلة تدريبية غنية بالخبرات، جعلته اليوم على أعتاب تجربة استثنائية في كأس العالم 2026، حين يقود لأول مرة المنتخب القطري على المسرح العالمي.
ولد جولين لوبيتيجي في 28 أغسطس 1966، وبدأ حياته الكروية كلاعب حارس مرمى في أندية مثل ريال مدريد وريال سوسيداد، حيث اكتسب خبرة المباريات الأوروبية والمحلية، ولكنه لم يحقق شهرة عالمية كلاعب، لتتجه حياته لاحقا نحو التدريب، وهو المجال الذي أبهر فيه الجميع.
خبرة لوبيتيجي كحارس مرمى مكنته من فهم تفاصيل التحركات الدفاعية، قراءة المباريات، وإدارة الضغوط داخل الملعب، وهي عناصر ستظهر لاحقا في فلسفته التدريبية، خصوصا قدرته على بناء فرق متوازنة هجوميا ودفاعيا.
أبرز ما ميز لوبيتيجي في بداياته التدريبية هو عمله مع الاتحاد الإسباني لكرة القدم، حيث أشرف على المنتخبات الشبابية بين عامي 2010 و2014 (تحت 19، 20، و21 سنة).
خلال هذه الفترة، أظهر قدرة فريدة على اكتشاف وصقل المواهب الشابة، ومنحها فرصة الاندماج في فرق قادرة على المنافسة القارية والدولية، وقاد المنتخب الإسباني تحت 19 عاما للتتويج ببطولة أوروبا 2012 ثم توج ببطولة أوروبا 2013 مع منتخب تحت 21 عاما.
هذه الإنجازات جعلت لوبيتيجي معروفًا بقدرته على تشكيل هويات تكتيكية واضحة للفرق الشابة، وتهيئتهم للانتقال السلس إلى الفئات الأكبر أو المنتخب الأول.
في 2016، تولى لوبيتيجي تدريب المنتخب الإسباني خلفا للأسطورة فيسينتي ديل بوسكي.
كان التحدي كبيرا، لكن لوبيتيجي أثبت نفسه بسرعة، حيث خاض مع المنتخب 20 مباراة متتالية دون هزيمة (14 فوزا و6 تعادلات)، ليعيد إسبانيا إلى أجواء الهيمنة بعد فترة من الأداء المتذبذب.
تحت قيادته، أعادت إسبانيا صياغة هويتها التكتيكية حيث باتت تعتمد على هجوم مرن وفعال يعتمد على تحركات اللاعبين الذكية وصلابة دفاعية عالية مع توزيع واضح للأدوار بين اللاعبين، ما مكن لوبيتيجي من إعداد الفريق بشكل متوازن للبطولات الكبرى.
ورغم أن القدر لم يمكنه من قيادة الفريق فعليا في كأس العالم روسيا 2018 بسبب إقالته المفاجئة، فإن الفريق الذي شارك كان نسخة طبق الأصل من فلسفته، سواء من حيث طريقة اللعب، أو اختيار اللاعبين، أو روح الفريق.
وفي مايو/أيار عام 2025، تم تعيين لوبيتيجي مدربا للمنتخب القطري، استعدادا لكأس العالم 2026 في أمريكا الشمالية.
المهمة كانت واضحة وصعبة في الوقت نفسه وهي تحويل المنتخب القطري إلى فريق قادر على المنافسة أمام كبار العالم.
المنتخب القطري، رغم تتويجه بكأس أمم آسيا 2019، واجه صعوبات خلال التصفيات الآسيوية الأخيرة للمونديال وكأس العرب 2025، ما جعله بحاجة إلى مدرب يمتلك عقلية بناء الفريق وصقل المواهب.
لوبيتيجي صرح في هذا الصدد: " جاء التوقيت المناسب في مسيرتي لتولي مسؤولية قيادة هذا المنتخب وقيادة المشروع الكروي في البلاد على الأقل خلال العامين المقبلين".
وبدأت قطر مشوارها في التصفيات الآسيوية بقوة، حيث تصدرت مجموعتها برصيد 16 نقطة في المرحلة الثانية، ومع الانتقال إلى المرحلة الثالثة، واجه الفريق منافسة شرسة في مجموعة ضمت إيران وأوزبكستان والإمارات.
وعلى الرغم من البداية المتعثرة، التي شهدت خسارة أمام الإمارات وتعادل مع كوريا الشمالية، استطاع لوبيتيجي إعادة ضبط الفريق سريعا في المرحلة الرابعة، حيث قاد قطر إلى الفوز الحاسم على الإمارات 2 / 1، مؤمنا التأهل الرسمي لأول مرة عن طريق التصفيات، في خطوة تاريخية للمنتخب، الذي شارك في المونديال لأول مرة خلال النسخة الماضية للبطولة، التي استضافها على ملاعبه عام 2022.
وتتميز فلسفة لوبيتيجي بالجمع بين البناء التكتيكي والمرونة في الخطط، مع التركيز على تطوير اللاعبين الشباب ودمجهم في منظومة قوية.
ويعتمد على التوازن بين الدفاع والهجوم مع ضبط مساحات الملعب واستغلال الفرص الحاسمة وتحويل اللحظات الصغيرة إلى أهداف وضبط الأعصاب تحت الضغط خصوصا في المباريات المصيرية.
هذه العناصر تجعل منه مدربا قادرا على قيادة الفرق الأقل ترشيحا لتحقيق المفاجآت، وهو ما يطمح لتحقيقه مع قطر في مونديال 2026 بالولايات المتحدة والمكسيك وكندا.
وتمثل بطولة كأس العالم 2026 تجربة استثنائية للمدرب الإسباني، لأول مرة على مقاعد البدلاء في البطولة الأكبر على مستوى العالم.
القرعة وضعت قطر في المجموعة الثانية بمرحلة المجموعات إلى جانب سويسرا وكندا والبوسنة والهرسك، وهي مجموعة يمكنها منح الفريق فرصة لإظهار قدراته وتحقيق أول انتصار تاريخي في البطولة.
الخبرة الطويلة للوبتيجي، إلى جانب قدرته على إدارة المباريات تحت الضغط وصقل اللاعبين، تجعل من" العنابي" فريقا قادرا على المنافسة وترك بصمة قوية، رغم الانتقادات والتحديات الأخيرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك