يُعدّ التوسع في الاعتماد على الطاقة النظيفة تحولا جوهريا في مسار أنظمة الطاقة نحو مزيد من الاستدامة وصداقة البيئة، إذ تنتج عنها انبعاثات منخفضة أو شبه معدومة من الملوثات الضارة، إلى جانب ارتكازها على مصادر متجددة مستمدة من قوى الطبيعة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إضافة إلى الطاقة النووية منخفضة الانبعاثات.
وتسعى دول العالم إلى التحول نحو الطاقة النظيفة لمواجهة التحديات البيئية والصحية، وتعزيز أمن الطاقة والاستدامة الاقتصادية.
فمنذ الثورة الصناعية، هيمن الوقود الأحفوري على إمدادات الطاقة العالمية، ما أسهم في تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري وتغير المناخ، إلى جانب الأضرار الصحية الجسيمة وما يرتبط بها من ملايين الوفيات سنويا، فضلا عن تأثر أسواق الطاقة بالاضطرابات الجيوسياسية وتقلبات الإمدادات والأسعار.
يُطلق مصطلح الطاقة النظيفة على الطاقة التي تُنتَج وتُستَخدم بانبعاثات منخفضة أو شبه معدومة من الغازات والملوثات الضارة.
وتشمل نوعين رئيسين: الطاقة المتجددة والطاقة النووية.
هي طاقة تُستمد من مصادر طبيعية تتجدد باستمرار وتفوق قدرتها معدل الاستهلاك، وتُعرف أيضا بالطاقة المستدامة أو الخضراء، لما تتميز به من وفرة وأثر بيئي أقل.
وتشمل أبرز أنواعها: الطاقة الشمسية التي تعتمد على تحويل أشعة الشمس إلى كهرباء أو حرارة، والطاقة الكهرومائية الناتجة عن حركة المياه وتُعد من أهم مصادر الكهرباء المتجددة عالميا، وطاقة الرياح التي تستخدم التوربينات لتحويل حركة الهواء إلى طاقة.
كما تضم الطاقة الحيوية المستمدة من المواد العضوية والمخلفات الزراعية والحيوانية لإنتاج الكهرباء والوقود الحيوي، والطاقة الحرارية الأرضية التي تستغل حرارة باطن الأرض في التدفئة وإنتاج الطاقة، إضافة إلى الطاقة البحرية المعتمدة على الأمواج والمد والجزر والتيارات البحرية، ولا تزال تقنياتها في مراحل تطوير مبكرة.
تتميز الطاقة النووية بتوفير إمدادات مستقرة وموثوقة من الكهرباء مقارنة ببعض مصادر الطاقة المتجددة التي قد تتأثر بالعوامل المناخية وتتطلب مصادر دعم احتياطية، كما تُعدّ ثاني أكبر مصدر للكهرباء منخفضة الكربون عالميا بعد الطاقة الكهرومائية، وفقا لتقرير صادر عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية نهاية عام 2020.
وتشير المعطيات نفسها إلى أن الطاقة النووية توفر نحو 10% من الكهرباء عالميا، وما يقارب ثلث الكهرباء منخفضة الكربون، عبر نحو 440 مفاعلا نوويا قيد التشغيل في 30 دولة، إضافة إلى عشرات المفاعلات قيد الإنشاء.
الطاقة النظيفة في العصور القديمةيعود استخدام الإنسان لمصادر الطاقة النظيفة إلى فجر التاريخ، فقد استثمر مصادر الطبيعة في مختلف الأنشطة اليومية، فاستفاد من ضوء الشمس وحرارتها، كما اعتمد على الطاقة الحيوية الناتجة عن حرق الخشب والقش والروث المجفف لأغراض الطهي والتدفئة والإضاءة.
ومع تطور الحضارات، استُخدمت طاقة الرياح في دفع المراكب الشراعية وتشغيل بعض الآلات البسيطة مثل الطواحين، ويُعتقد أن المصريين القدماء استخدموا الرياح في الملاحة عبر نهر النيل منذ الألفية الرابعة قبل الميلاد.
كما ظهرت تقنيات مبكرة لاستغلال طاقة الرياح لضخ المياه في الصين والشرق الأوسط منذ القرن الثالث قبل الميلاد.
وفي العصور القديمة، استفاد الرومان من الطاقة الشمسية والحرارة الأرضية في تدفئة المنازل والحمامات، في حين استخدم الإغريق القدماء عجلات مائية لتسخير الطاقة الكهرومائية في تشغيل طواحين الحبوب.
وفي العصور الوسطى، انتشر استخدام الطاقة المائية على نطاق واسع بوصفها أحد أهم مصادر الطاقة الميكانيكية.
تراجع الطاقة النظيفة أمام هيمنة الوقود الأحفوريبدأ الاعتماد على الطاقة النظيفة يتراجع مع انطلاق الثورة الصناعية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، إذ شهدت المحركات البخارية المعتمدة على الفحم تطورا لافتا، وانتشر استخدامها في تشغيل القاطرات والمصانع والآلات الزراعية، قبل أن تُستخدم لاحقا في توليد الكهرباء.
وأثناء الثورة الصناعية، ظلت الطاقة الكهرومائية أكثر مصادر الطاقة النظيفة استخداما، لا سيما مع ظهور أولى المحطات الكهرومائية الحديثة في أواخر القرن التاسع عشر، بالتزامن مع بداية انتشار النفط الذي أصبح لاحقا أحد أعمدة منظومة الطاقة العالمية.
ورغم هيمنة الوقود الأحفوري نحو قرنين، فإن الأزمات النفطية في سبعينيات القرن العشرين سلّطت الضوء على قضية أمن الطاقة وضرورة البحث عن بدائل للطاقة الأحفورية.
ففي عام 1973، أدى الحظر النفطي الذي فرضته بعض الدول العربية على الدول الداعمة لإسرائيل أثناء حرب أكتوبر/تشرين الأول، إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط وأزمة طاقة عالمية.
وفي عام 1979، أدت الاضطرابات المرتبطة بالثورة الإيرانية إلى موجة جديدة من ارتفاع أسعار النفط، مما زاد من القلق العالمي بشأن أمن الطاقة.
التحول العالمي إلى الطاقة النظيفةمع تصاعد الاهتمام بقضايا أمن الطاقة وتغير المناخ والتلوث البيئي، تزايد الاهتمام بتطوير مصادر الطاقة النظيفة وإعادة إدماجها ضمن منظومة الطاقة العالمية، بالتوازي مع تسارع التطور التكنولوجي في هذا المجال.
ويُقصد بالتحول إلى الطاقة النظيفة الانتقال في أنظمة إنتاج واستهلاك الطاقة من الاعتماد على المصادر عالية الانبعاثات من الغازات الدفيئة، مثل الوقود الأحفوري (النفط والفحم والغاز الطبيعي) الذي يشكل نحو 80% من إمدادات الطاقة العالمية، إلى الاعتماد التدريجي على مصادر منخفضة الانبعاثات أو شبه خالية منها.
ويشمل هذا التحول تحسين كفاءة استخدام الطاقة، وتطوير تقنيات تخزينها، وتوسيع استخدامها في القطاعات الرئيسية مثل الكهرباء والنقل والصناعة.
وقد تم اعتماد مسار هذا التحول عالميا في اتفاق باريس، الذي أُبرم في ديسمبر/كانون الأول 2015 في إطار اتفاقية الأمم المتحدة بشأن تغير المناخ، ودخل حيز التنفيذ في العام التالي، ومع بداية عام 2026، بلغ عدد الدول الأطراف 194 دولة.
ويهدف الاتفاق إلى تكثيف الجهود الدولية للحد من ارتفاع متوسط درجة الحرارة العالمية إلى أقل من درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، مع السعي إلى خفضه إلى 1.
5 درجة مئوية، وذلك عبر التحول إلى مصادر طاقة صديقة للبيئة وخفض انبعاثات الغازات الدفيئة.
تقدم الطاقة النظيفة في منظومة الطاقة العالميةيشهد قطاع الطاقة تحولا متسارعا نحو المصادر النظيفة، إذ ارتفع إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة بين عامي 2015 و2024 بنسبة 140%، في حين لم تتجاوز الزيادة في إنتاج الكهرباء من الوقود الأحفوري 16%، بحسب بيانات الأمم المتحدة.
وقد شكّلت مصادر الطاقة المتجددة نحو 92.
5% من إجمالي التوسع في الطاقة على مستوى العالم عام 2024، بمعدل نمو سنوي قياسي بلغ 15.
1%، وفقا لبيانات الوكالة الدولية للطاقة المتجددة.
وبحسب تقرير الوكالة الدولية للطاقة" مراجعة الطاقة العالمية" (Global Energy Review 2026)، شهد عام 2025 نموا في توليد الكهرباء من الطاقة النظيفة وتيرة أسرع من نمو إجمالي إمدادات الكهرباء عالميا، وسجّلت المصادر المتجددة نموا بنسبة 8.
5%، وهو معدل يفوق متوسط النمو في العقد السابق البالغ نحو 6%.
بينما حققت الطاقة النووية إنتاجا قياسيا عام 2024، مع نمو إضافي بنسبة 1.
2% عام 2025.
وأظهرت بيانات مركز الأبحاث البريطاني" إمبر" أن توليد الكهرباء من طاقة الرياح والطاقة الشمسية معا تجاوز في أبريل/نيسان 2026 توليد الكهرباء من الغاز الطبيعي عالميا لأول مرة، ما يعكس تسارع التحول نحو الطاقة المتجددة.
مميزات الاعتماد على الطاقة النظيفةيوفر التحول إلى الطاقة النظيفة فوائد بيئية واقتصادية واجتماعية عديدة، إذ يسهم في مكافحة تغير المناخ والتلوث من خلال خفض انبعاثات الغازات الدفيئة وتقليل الأضرار البيئية والصحية الناتجة عن الوقود الأحفوري.
كما يعزز أمن الطاقة عبر الاعتماد على مصادر محلية متجددة، ما يقلل التأثر بتقلبات الأسعار والأزمات الجيوسياسية واضطرابات الإمداد.
وتتميز الطاقة النظيفة أيضا بجدواها الاقتصادية نتيجة انخفاض تكاليف إنتاجها وزيادة قدرتها على جذب الاستثمارات وخلق فرص العمل.
وتدعم الطاقة النظيفة التنمية والعدالة الاجتماعية من خلال توفير الكهرباء والخدمات الأساسية للمناطق المحرومة، إضافة إلى دورها في تقليل النفايات والتلوث عبر الاستفادة من بعض المخلفات العضوية لإنتاج الطاقة، رغم استمرار تحديات مرتبطة بإعادة تدوير بعض التقنيات والتخلص الآمن من مكوناتها بعد انتهاء عمرها التشغيلي.
يواجه التحول إلى الطاقة النظيفة عدة تحديات، أبرزها عدم انتظام الإنتاج بسبب اعتماد بعض المصادر على الظروف الطبيعية، مثل الشمس والرياح والمياه، ما يتطلب تطوير حلول فعالة لتخزين الطاقة.
كما تعاني بعض الدول من ضعف البنية التحتية اللازمة لإنتاج ونقل الطاقة النظيفة، إلى جانب ارتفاع التكاليف الأولية للمشروعات، خاصة في الدول النامية.
وتواجه بعض التقنيات أيضا تحديات تتعلق بالكفاءة والاستقرار وعدم اكتمال نضجها التقني.
وتفرض الظروف الجغرافية والمناخية قيودًا على استخدام بعض المصادر المتجددة، كما قد تُخلّف بعض مشروعات الطاقة النظيفة آثارًا بيئية محدودة، مثل تأثير توربينات الرياح في بعض الكائنات البرية، أو الحاجة إلى مساحات واسعة لإنشاء محطات الطاقة الشمسية والسدود المائية.
كذلك قد يؤدي التوسع غير المنظم في الطاقة الحيوية إلى مشكلات بيئية، من بينها إزالة الغابات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك