قناة الجزيرة مباشر - Israeli strikes on residential apartments in the Gaza Strip kill 9 Palestinians and leave others ... قناة التليفزيون العربي - تحركات إيرانية في مضيق هرمز.. المرشد يمنح وزارة الخارجية الإذن لتشكيل فريق عمل معني بالمضيق قناة الغد - مسؤول معين من جانب موسكو: مقتل 3 في هجوم أوكراني على القرم العربي الجديد - المعاناة تلف جنوب السودان: فساد وأزمة اقتصادية طاحنة ومجاعة العربي الجديد - شبح الهجرة الطوعية في غزة...استغلال الإنهاك الاقتصادي الجزيرة نت - الجيش السوداني يعلن صد هجوم للدعم السريع بالنيل الأزرق روسيا اليوم - بيلاروس.. علماء آثار يكتشفون قطعا نادرة تعود للسلافيين القدماء في مينسك روسيا اليوم - دراسة: الوجبات السريعة في الطفولة قد تعيد برمجة الدماغ وتؤثر على الشهية الجزيرة نت - "هزيمة نادرة" لترمب.. هل يتمكن النواب الأمريكيون أخيرا من إنهاء حرب إيران؟ روسيا اليوم - اكتشاف جديد يعمق حيرة العلماء حول أصل "شبيه القمر" المرافق للأرض
عامة

الباحث الجزائري الدكتور هشام شراد: مالك بن نبي وعودة مفهوم «القابلية للاستعمار»

القدس العربي
القدس العربي منذ 4 أيام
2

بعد أكثر من خمسين عامًا على رحيله، عاد الاهتمام بأفكار وكتب المفكر الجزائري مالك بن نبي، في سياق تفسير ما يشهده العالم الإسلامي من أزمات وتحولات متسارعة. وفي هذا الحوار مع «القدس العربي»، يعود الباحث ...

ملخص مرصد
عاد الاهتمام بفكر المفكر الجزائري مالك بن نبي بعد عقود من تجاهله، لا سيما بعد أحداث مثل سقوط بغداد 2003 والربيع العربي، التي أعادت طرح أسئلة حول أسباب تخلف العالم الإسلامي. أوضح الباحث هشام شراد أن بن نبي حذر مبكراً من العولمة والأزمة الأخلاقية الغربية، مشدداً على أن المجتمعات التي تفشل في التغيير الداخلي ستُفرض عليها التغيير من الخارج. كما ناقش مفهوم «القابلية للاستعمار» كسبب داخلي مرتبط بتفكك البنية الاجتماعية بعد مرحلة الحضارة.
  • عاد الاهتمام بفكر مالك بن نبي بعد عقود من تجاهله بسبب أحداث مثل سقوط بغداد 2003 والربيع العربي
  • مفهوم «القابلية للاستعمار» يرتبط بتفكك البنية الاجتماعية بعد مرحلة الحضارة بحسب بن نبي
  • بن نبي حذر من أن المجتمعات التي تعجز عن التغيير الداخلي ستُفرض عليها التغيير من الخارج
من: الدكتور هشام شراد (باحث جزائري) ومالك بن نبي (مفكر جزائري) أين: العالم الإسلامي

بعد أكثر من خمسين عامًا على رحيله، عاد الاهتمام بأفكار وكتب المفكر الجزائري مالك بن نبي، في سياق تفسير ما يشهده العالم الإسلامي من أزمات وتحولات متسارعة.

وفي هذا الحوار مع «القدس العربي»، يعود الباحث الجزائري هشام شراد، المختص في فكر وتاريخ المفكر الراحل، إلى أبرز أفكار مالك بن نبي، وفي مقدمتها مفهوم «القابلية للاستعمار»، الذي ما يزال يثير نقاشًا واسعًا حول أسباب تعثر النهضة في العالم الإسلامي، ودور المجتمع نفسه في إنتاج أزماته أو تجاوزها.

كما يتناول الحوار أهم مفاهيم مشروعه الفكري مثل علاقة الإنسان بالتراب والزمن، ودور الفكرة في بناء النهضة، وحدود العمل السياسي مقارنة بالإصلاح الفكري والاجتماعي، في محاولة لفهم كيف كان بن نبي يقرأ أسباب التقدم والتأخر في التاريخ.

وفي ما يأتي نص الحوار.

○ بعد أكثر من نصف قرن على وفاة المفكر الجزائري مالك بن نبي، لماذا عاد الاهتمام بأفكاره اليوم؟ وهل ما تزال رؤيته قادرة على تفسير أزمات العالم الإسلامي المعاصر، أم أنها تنتمي أكثر إلى سياقها التاريخي؟• ظل فكر مالك بن نبي مُتجاهلاً لثلاثة عقود بعد رحيله في عام 1973، إلا أن «السقوط الثاني» لبغداد في عام 2003 قد شكل حدثاً مهماً أعاد فكر مالك بن نبي إلى الواجهة، وكأننا احتجنا لأكثر من نصف قرن لنُدرك أن ما قاله في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي كان تشخيصًا مبكرًا لمسار تاريخي قادم.

لقد حذر مالك بن نبي، منذ وقت مبكر، من تحوّلات جذرية ستطال البشرية جمعاء بفعل العولمة والأزمة الأخلاقية التي يعاني منها الغرب، مؤكّدًا على أنّ المجتمعات التي تعجز عن إحداث التغيير من داخلها، سيُفرض عليها التغيير من الخارج.

هذا المنطق بدأ يتجسّد بوضوح منذ الاجتياح الأمريكي للعراق 2003 ثم التدخل في شؤون سوريا وليبيا والسودان.

أما «الربيع العربي» فقد دفع الباحثين والمفكّرين إلى إعادة طرح أسئلة جوهرية مرتبطة بأسباب الانسداد في العالم الإسلامي والعجز المزمن عن التحوّل.

إذ أن هذه الثورات لم تُفضِ إلى خروج حقيقي من دائرة التخلّف و«القابلية للاستعمار» وتحقيق قطيعة فعلية مع منطق الركود.

لقد أعادت هاتان المحطّتان، أي سقوط بغداد والربيع العربي، إحياء فكر مالك بن نبي، لا بوصفه مفكّرًا من الماضي، بل بوصفه «شاهدًا» مبكرا على مأزق حضاري لم نغادره بعد.

○ على ذكركم فكرة «القابلية للاستعمار».

كيف كان بن نبي يعرّف هذا المفهوم؟ وهل كان يقصد به تحميل المجتمعات المستعمَرة جزءًا من مسؤولية سقوطها التاريخي، أم أنه كان يحاول تفسير الشروط الحضارية التي تجعل الهيمنة الخارجية ممكنة؟ وكيف يمكن فهم الانتقادات التي وُجهت إليه باعتبار أن هذا المفهوم قد يبدو تبريرا للاستعمار؟• مفهوم «القابلية للاستعمار» الذي بلوره مالك بن نبي يمكن ان نعرفه على أنه مجموع الاستعدادات النفسية والاجتماعية السلبية المترتبة عن تفكك البنية الاجتماعية «للمجتمعات التاريخية» فقط، أي تلك المجتمعات التي سبق لها وأن دخلت دورة حضارية، وبهذا فهو يربط بين «القابلية للاستعمار» ومرحلة «ما بعد الحضارة» التي تتميز فيها المجتمعات بالعجز عن القيام بأي «جهد اجتماعي».

فمفهوم «القابلية للاستعمار» مرتبط بفهم نظرية «الدورة الحضارية» التي صاغها مالك بن نبي وفلسفته في التاريخ، «فالمجتمعات البدائية» لا يصنفها في خانة المجتمعات التي أصابها وهن «القابلية للاستعمار» وهذا دليل على أن هذا المفهوم إنما يعني حالة الفتور النفسي والوهن الداخلي وتفكك البنية الاجتماعية التي تلي طور الازدهار والقوة المادية وتماسك المجتمع والفعالية، «فالقابلية للاستعمار» تخص فقط «المجتمعات التاريخية» التي خرجت من دائرة الحضارة، أي تعيش عهد «ما بعد الحضارة».

«فالقابلية للاستعمار» هي إذن أولاً نتيجة لتفكك «البنية الاجتماعية»، أي فقدان «العصبية» بالمفهوم الخلدوني، ويتزامن ذلك مع مرحلة تتفسخ فيها «شبكة العلاقات الاجتماعية».

وبالتالي، فإذا ما أردنا تطبيق هذا المفهوم على مجتمعات العالم الإسلامي، فإننا نعرفه على أنه مجموع الاستعدادات النفسية والاجتماعية السلبية التي لازمت مجتمعات العالم الإسلامي «بعد عصر الموحدين»، أي في مرحلة ما بعد حضارته، والتي مهدت للغزو والاحتلال.

فضلاً عما تقدم، فإن مفهوم «القابلية للاستعمار» له كذلك معنى ثانٍ، يكون نتيجة للوضع الاستعماري؛ إنه العامل النفسي السلبي، أي الشعور بالدونية والنقص أمام الغرب المتطور تكنولوجياً وعسكرياً وعلمياً.

وقد ترتب عن عقدة النقص التي تكونت عند نخبنا السياسية والثقافية تبعيةً وتقليداً أعمى للنظم الغربية، وهو ما حال دون تشكل التفكير الحر والبحث الذاتي عن مخارج لازمتنا.

وفضلاً عن الامراض الاجتماعية التي نقلها لنا «رجل ما بعد الموحدين» عن طريق «الوراثة السوسيولوجية» كفقدان الفاعلية الاجتماعية والعجز عن القيام بأي جهد اجتماعي وذهان السهولة وذهان الاستحالة والنزعة التذريرية، فإن اللقاء بين المجتمعات الغربية ومجتمع ما بعد الموحدين في القرن 19م قد أثقل كاهل الفرد المسلم بعقدة الدونية والنقص وزادت من حدة مشكلاته.

○ تحدثتم عن فكرة مالك بن نبي حول «انقطاع الدورة الحضارية» بعد مرحلة الموحدين، حيث اعتبر أن الإنسان المسلم فقد تدريجيًا فاعليته التاريخية والحضارية.

ما المؤشرات الاجتماعية والفكرية التي اعتمد عليها للقول إن العالم الإسلامي دخل منذ قرون في حالة أفول حضاري طويل؟• من بين الشواهد على أن «مجتمع ما بعد الموحدين» قد فقد حيويته الداخلية وانعدمت فيه الفاعلية والقدرة على التفكير، نجد مثالا بسيطا أشار إليه مالك بن نبي في كتابه «وجهة العالم الإسلامي»؛ نساء مسنات ينظفن بيوتهن بمكانس تقليدية بلا مقابض، وكن يضطررن للانحناء الكامل لإنجاز عمل كان من الممكن تبسيطه باختراع بسيط، أي مقبض المكنسة.

هذا المشهد، ومع أنه يبدو تافهاً، إلا أنه يكشف عمق الإعاقة الفكرية التي أصابت «رجل ما بعد الموحدين» وغياب الفكر الخلاق والخيال لديه، والقدرة على الابتكار والابداع وخلق الحلول العملية.

○ في مقابل هذا التشخيص، طرح بن نبي نظرية «شروط النهضة» بوصفها مدخلا لإعادة بناء الحضارة.

ما المقصود تحديدًا بمعادلته الشهيرة: الإنسان والتراب والزمن والفكرة الدافعة؟ وهل كان يرى أن أزمة المسلمين تكمن في غياب الموارد والإمكانات، أم في غياب القدرة على تركيب هذه العناصر داخل مشروع حضاري متماسك؟• لا يمكن قراءة «شروط النهضة» والمعادلة الحضارية الشهيرة لمالك بن نبي بمعزل عن نظريته في «التاريخ» التي طورها في كتابه» مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي».

إذ أن مالك بن نبي يعتبر بداية التاريخ، ثم ازدهاره وأخيراً افلاسه، بمعنى تحولات التاريخ الكبرى التي تَمس الحضارات، مرتبط بجدلية العوالم الثلاث؛ عالم الأشخاص وعالم الأفكار وعالم الأشياء، بالإضافة الى «شبكة العلاقات الاجتماعية».

ففي عتبة حضارة مجتمع ما، تظهر «فكرة دافعة» (الفكرة المُركبة) يكون جوهرها أخلاقي قادرة على تكييف الطاقة الحيوية للإنسان، وادماجها وتوجيهها، وهو ما يضفي إلى تغيير الإنسان وبناء «شبكة العلاقات الاجتماعية» الذي يعتبره مالك بن نبي بمثابة أول عمل يقوم به المجتمع في التاريخ.

وبالتالي، فإن بناء الأفراد «لشبكة علاقاتهم الاجتماعية» يضفي إلى ظهور ما يسميه مالك بن نبي «عالم الأشخاص»، أي «ميلاد مجتمع» جديد مُنتج «لعالم أفكاره»، أي مختلف المعارف والأفكار التقنية والمفاهيم والبراديغمات والنظريات المرتبطة بمجالات الحياة المختلفة، وهو ما يُمكن من تكييف «المادة» أو «التراب»، أي الموارد الطبيعية التي يحوز عليها المجتمع، في شكل مُنتجات فلاحية وزراعية وصناعية وحرفية وفنية، وهو ما يسمى في اصطلاح مالك بن نبي «بعالم الأشياء».

بطبيعة الحال، ظهور «عالم الأشياء» يتزامن مع المرحلة الثانية من مراحل الحضارة، أي مرحلة العقل، التي يصبح خلالها المجتمع قادراً على إنتاج الأفكار التقنية التي تملك سلطة تكييف المادة، وهو ما يؤدي إلى ظهور «عالم الأشياء».

وبالتالي فإن «الحضارة هي التي تنتج الأفكار والمعارف والعلوم» وليس العكس.

في الواقع يخلط بعض الدارسين لفكر مالك بن نبي بين «الفكرة الدافعة» التي تُشكل نقطة بداية الحضارة واندماج المجتمع في التاريخ من جهة والأفكار التقنية والعملية التي يُنتجها المجتمع في المرحلة الثانية من مراحل الحضارة، أي مرحلة العقل، من جهة أخرى.

ففي حين تكمن وظيفة «الأفكار الدافعة» التي تكون في شكل فكرة دينية أو ميثاق أو أيديولوجية لا دينية (كالفكرة الإسلامية، الفكرة المسيحية، الأيديولوجية السوفييتية، الدستور الفرنسي لعام 1793…) في توفير «التوتر الداخلي» بوضعها حدوداً للطاقة الحيوية للإنسان بتكييفها (الطاقة الحيوية) وادماجها وتوجيهها، فإن الأفكار التقنية والعملية التي هي نتاج الحضارة تكمن مهمتها في تكييف «المادة».

وبالتالي أمكن القول بأن الأفكار الدافعة تغير الانسان وتدفع بالمجتمعات نحو التاريخ، أما الأفكار التقنية والعملية تغير «التراب» وتكييفه في شكل «عالم أشياء».

○ ضمن محاولته فهم أسباب القوة والضعف الحضاري للمسلمين، أبدى بن نبي اهتماما بتجارب تاريخية مختلفة، من بينها التجربة الألمانية في الثلاثينيات خلال فترة النازية لكن ذلك جلب عليه الانتقاد.

كيف يمكن فهم ما كان يقصده حول تلك التجربة؟• استدل مالك بن نبي بتجربة دولتي الصين واليابان اللتان نجحتا في نهضتهما وفشل النهضة الإسلامية، ولم يبدِ أي إعجاب بالتجربة الألمانية ولا بالأيديولوجية النازية.

في إطار بلورته لمفهوم «القابلية للاستعمار»، ميز مالك بن نبي بين «بلد مغزو محتل» و«بلد مُستعمر».

ففي تصوره، «روما لم تستعمر اليونان ولكنها غزتها، وإنكلترا التي استعمرت أربع مئة مليون من الهنود إذ كانت لديهم القابلية، لم تستعمر إيرلندا الخاضعة دونما استسلام.

وفي مقابل ذلك نجد اليمن، تلك التي لم تفقد استقلالها لحظة، لم تفد من ذلك الاستقلال أدنى فائدة، لأنها قابلة للاستعمار».

في ذات السياق، يشير مالك بن نبي الى أنه خلال الحرب العالمية الثانية، غزت جيوش أجنبية دولة ألمانيا في أوروبا، ودولة اليابان في آسيا، ولكن هذا «الغزو» لم يتحول إلى «استعمار»، وفضلاً عن ذلك فإن هذين البلدين قد حققا قفزة نوعية في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية بعد ان طردهما للغزاة.

على العكس من ذلك، فإن بعض الدول الأفريقية والآسيوية التي لم تعرف الاستعمار التقليدي، لا تزال قابعة تحت سطوة الفقر والتخلف.

في موضع آخر، يشيد مالك بن نبي بتجربة الاقتصادي الألماني هايلمر شاخت الذي نجحت خططه الاقتصادية في الواقع الألماني بعد الحرب العالمية الأولى في واقع متأزم جداً فنهض باقتصاد ألمانيا، في حين أن استقدام أندونيسيا لهذا للخبير الألماني للنهوض باقتصادها بوضعه نفس المخطط لم يكلل بالنجاح رغم توفر الموارد الطبيعية والبشرية.

وبالتالي، أمكن القول بأن ما يروج بخصوص إعجاب مالك بن نبي بالنازية وما يُنسب إليه من تعاون مزعوم مع الاحتلال الألماني في مدينة Dreux الفرنسية هي اتهامات تهدف الى تشويه فكره وإضعاف مصداقيته.

في حقيقة الأمر، أثناء الاجتياح الألماني لفرنسا، كان مالك بن نبي يقيم آنذاك في مدينة Dreux، حيث عاش رفقة زوجته ووالدتها في هذه الحاضرة الصغيرة.

غير أنّ القوات الألمانية ألزمت سكان المدينة بالحضور يوميا إلى مقرّ البلدية الذي تحوّل إلى مركز للقيادة العسكرية الألمانية، وذلك بغرض المراقبة.

تفادى مالك بن نبي الامتثال لهذا الإجراء القسري الذي كان السكان يُساقون إليه كل صباح وآثر الانزواء في قبو المنزل، غير أنّ أمره لم يبق خافيا، إذ أُبلِغ عنه من طرف أحد المتعاونين، فتم اقتياده إلى مقرّ البلدية حيث استُقبل من طرف ضابط ألماني.

قدّم مالك بن نبي نفسه وهويته وكفاءاته التقنية، فأسند إليه الضابط مهمة إصلاح شبكات الكهرباء في المدينة، ثم تم تعيينه لاحقًا كاتبًا (سكرتيرًا) لنائب رئيس بلدية Dreux، المدعوّ لوموليك.

أصيب مالك بن نبي بدهشة عميقة إزاء السلوك غير المتوقع لهذا الأخير، حين بادر، في حضوره، إلى عرض خدماته طوعًا على سلطات الاحتلال الألماني.

ولم يكن هذا الموقف معزولًا، بل تكرّر مع شخصيات أخرى؛ إذ عاد المحافظ السابق للجزائر رئيس بلدية Dreux، Maurice Viollette، الذي كان مالك بن نبي يعرفه معرفة سابقة، إلى مقرّ البلدية بعد أيام قليلة من فراره، ساعيًا إلى استعادة منصبه، ومعلنًا استعداده للتعاون مع المحتل الألماني.

حين التقى الرجلان في أروقة البلدية، خاطب موريس فيوليت مالك بن نبي بنبرة ساخرة قائلًا: «إذًا، سيّد مالك بن نبي، هل جئتم لتقديم يد العون لنا؟ » فأجابه بن نبي بهدوءٍ: «لا، سيّدي المحافظ، لقد تمّ تسخيري من قِبل الألمان».

وعن هذه التجربة، وقف مالك بن نبي مذهولا من وضاعة أحد كبار مسؤولي الجمهورية الفرنسية الثالثة الذي عرض خدماته على الاحتلال طوعاً لا اكراها.

بعد انقضاء بضعة أيام، تم تسريح مالك بن نبي.

ذلك أنّ الموظفين القدامى لبلدية Dreux قد توافدوا إلى مقرّ البلدية مطالبين باسترجاع مناصبهم.

ومنذ هذه اللحظة، اظهر بن نبي يُظهر عداوته لسكان درو، الذين اعتبرهم، مجرّدين من الشجاعة وعُراة من الفضيلة وفاقدين للقيمة الأخلاقية.

في شهر حزيران/يونيو من عام 1944، تم اعتقال بن نبي مع زوجته.

وقد خضعت زوجته للاستجواب حول أسباب إسلامها وتحولها إلى الدين الإسلامي، أما هو، فقد حاولت السلطات اتهامه بالمشاركة بأحداث الشغب المعادية لليهود التي شهدتها قسنطينة في شهر آب/اغسطس من عام 1934.

تم احتجاز مالك بن نبي في معسكر اعتقال بلا محاكمة، وظل هناك طوال تسعة أشهر، وخلال هذه الفترة بدأ في كتابة مؤلفه الأول «الظاهرة القرآنية».

بخصوص سجنه، يعتقد بن نبي أن سببه يعود إلى موقفه في عام 1939 تجاه موريس فيوليت، لأنه كان شاهدًا محرجًا على بعض الأحداث الطريفة التي لم تكن تليق بشرفه.

عندما علم الدكتور عبد العزيز خالدّي باعتقالهما، وهو الذي تعرف على بن نبي في فرنسا أيام دراسته بكلية الطب في تولوز، توجّه إلى Dreux للتوسّط لديهما.

وكان الدكتور خالدّي، الذي كان يعمل طبيبًا مقيماً في مستشفى، قد قام بإيواء بعض اليهود النمساويين في المستشفى لحمايتهم من الألمان، مما أكسبه مكانة سمحت له بأن يُسمع صوته في هذه القضية.

أُفرج عن الزوجين في 28 نيسان/أبريل 1945.

○ كذلك، عرف موقف بن نبي من الحركة الوهابية قدرا من التدرج والتعقيد، إذ يبدو أنه انتقل من الإعجاب بدورها الإصلاحي إلى نوع من التوجس من تأثيراتها الفكرية والاجتماعية.

كيف تطورت نظرته عموما إلى الوهابية؟• انجذب مالك بن نبي في مرحلة شبابه الى الوهابية واعتبرها «طوق نجاة العالم الإسلامي»، ولكنه تراجع عن هذا الموقف بعد سنوات قليلة معتبراً أن اكتشاف الثروة النفطية في شبه الجزيرة العربية لم يفض فقط إلى تحولات اقتصادية، بل أدى إلى انخفاض التوتر الأخلاقي وتراجع الدافع الروحي الداخلي، وبالتالي، فإن الوهابية لم تحدث أي تغيير حقيقي في العالم الإسلامي.

○ ما هي أسباب الخلاف التي طبعت علاقة بن نبي مع جمعية العلماء المسلمين في الجزائر ورائدها عبد الحميد بن باديس.

وكيف كانت نظرته لمختلف تيارات الحركة الوطنية الجزائرية ورموزها؟• أرّخ مالك بن نبي، من خلال مذكراته «للمؤتمر الإسلامي» سنة 1936 الذي جاء في سياق سياسي مرتبط بوصول الجبهة الشعبية إلى الحكم في فرنسا بقيادة ليون بلوم، حيث استغلت النخب الجزائرية آنذاك الانفراج النسبي للمطالبة بإصلاحات سياسية وحقوقية في الجزائر.

نقل بن نبي لنا شهادات عن زيارة الوفد الجزائري الذي ترأسه كل من الدكتور بن جلول (1896-1986) والإمام ابن باديس.

توجه مالك بن نبي الذي كان متواجداً بباريس إلى الفندق الذي نزل به الوفد الجزائري، وتمكن من لقاء الإمام ابن باديس والشيخ الإبراهيمي والشيخ العقبي وعبر لهم عن أسفه الشديد لاهتمامهم «بسراب» السياسة، معتبراً ذلك انحرافا عن نهجهم وخطهم الإصلاحيين.

بالنسبة لمالك بن نبي، فإن مهمة النهضة الأخلاقية التي حددتها «جمعية العلماء المسلمين الجزائريين» قبل سنة 1936 كانت أهم من الركض وراء المطالب السياسية، فكان هذا التوجه الجديد سبباً في تخلي الجزائريين عن الإصلاح والقيام «بواجباتهم» لصالح المطالبة «بالحقوق».

ومنذ ذلك الحين، حَلت الأعراس والمعامع الانتخابية ومعارك الأوثان محل الإصلاح والتفكير الجدي.

ولعل هذا الموقف هو الذي جعل مالك بن نبي يعيب على علماء الجمعية توجههم السياسي وتركهم الفكرة الإصلاحية تسقط في مستنقع السياسة.

ومع أن مالك بن نبي هاجم بشدة رجال «جمعية العلماء المسلمين الجزائريين» بسبب توجههم السياسـي وانسياقهم وراء دعاة « البوليتيكا»، فإنه أثنى في الكثير من مقالاته على جهود الإمام ابن باديس الإصلاحية والنشاط التربوي الذي اضطلع به الشيخ الإبراهيمي قبل وبعد وفاة الإمام ابن باديس.

بعد الحرب العالمية الثانية وإلى غاية اندلاع الثورة التحريرية، شارك مالك بن نبي بقلمه في «الشاب المسلم» وهي مجلة جمعية العلماء المسلمين الناطقة بالغة الفرنسية.

وتراوح موقف مالك بن نبي اتجاه الشيخ الإبراهيمي خلال هذه المرحلة بين التنديد والترحيب، فقد أثنى في نهاية الخمسينيات في «مذكراته» على النجاح الكبير الذي حققه الشيخ الإبراهيمي خلال إقامته في المشرق أين قام بتنظيم أولى البعثات الطلابية الجزائرية التي مكنت خريجي « معهد عبد الحميد بن باديس» من متابعة وإنهاء دراستهم في جامعات المشرق العربي، بالقاهرة وبغداد ودمشق.

مهما يكن، فإن المشروع الإصلاحي «لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين» قد قوبل بترحيب مالك بن نبي الذي ظل وفياً للخط الإصلاحي بالرغم من «انحرافهم السياسي» الذي يعتبره مالك بن نبي «زلة نزيهة»، فقد عبر في الكثير من كتاباته عن تقديره وامتنانه لجهودهم ودورهم الإصلاحي المتميز في الجزائر وتضامن معهم كثيراً.

○ كيف نظر مالك بن نبي إلى الثورة الجزائرية إذا ما عدنا إلى فكرته حول القابلية للاستعمار.

وما سبب خلافاته مع بعض من قادتها واعتراضه على مقررات مؤتمر الصومام؟• لا شك أن مفهوم القابلية للاستعمار الذي طرحه مالك بن نبي أدى إلى الكثير من الخلافات بينه وبين بعض قادة الثورة الجزائرية، خاصة بسبب طبيعته النقدية التي كانت ترى أن مشكلة الاستعمار لا تكمن فقط في وجود قوة استعمارية خارجية، بل أيضاً في قابلية داخلية تتعلق بالبنية الاجتماعية والثقافية والسياسية للمجتمع نفسه.

هذا التصور جعله يطرح قراءة مختلفة لمسار الحركة الوطنية والثورة، وهو ما لم يكن محل إجماع لدى مختلف الفاعلين السياسيين في تلك المرحلة.

من هذا المنظور، تعامل بن نبي مع الثورة الجزائرية باعتبارها مشروعا تحرريا ضروريا، لكنه في الوقت نفسه مشروعا كان يحتاج في نظره إلى وعي حضاري عميق يتجاوز مجرد العمل العسكري أو السياسي التقليدي.

لذلك كان ينظر إلى الثورة كفرصة تاريخية لإعادة بناء الإنسان والمجتمع، وليس فقط لطرد الاستعمار.

هذا التصور جعله يركز على البعد الأخلاقي والحضاري أكثر من التركيز على الجوانب التنظيمية أو الصراعات الداخلية.

أما بخصوص خلافاته مع بعض قادة جبهة التحرير الوطني، فقد ارتبطت أساساً باختلاف في الرؤية والدور.

فقد حاول بن نبي أن يساهم فكرياً وسياسياً في دعم الثورة، وطلب أن يُدمج داخل العمل الثوري بشكل رسمي، لكن هذا الطموح لم يجد استجابة واضحة.

هذا التباين في الفهم أدى إلى توتر في العلاقات، خصوصاً في القاهرة حيث كان ممثلو الجبهة يركزون على إدارة الدبلوماسية الثورية، بينما كان بن نبي يميل إلى التحليل الفكري ونقد البنية الداخلية للثورة نفسها.

وفي ما يتعلق بمؤتمر الصومام (آب/أغسطس 1956) الذي جعل للثورة الجزائرية مؤسسات وأعاد تنظيمها سياسيا وثوريا، فإن بن نبي رأى في بعض مخرجاته ميلاً نحو تغليب البعد السياسي على البعد الثوري الشعبي، وإعادة توزيع السلطة بطريقة قد تُضعف دور فكرة الجهاد لصالح السياسة.

لذلك، يمكن القول إن قراءة مالك بن نبي للثورة الجزائرية كانت قراءة نقدية حضارية بالأساس، حاول من خلالها فهم شروط النجاح التاريخي لأي حركة تحرر، وهو ما جعله في موقع اختلاف مع بعض قادة الثورة دون أن يعني ذلك قطيعة مع مشروعها الوطني العام.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك