اجتاح مجتمعاتنا أخيرا مصطلح “الشغف” حتى صار شرطا لازما للنجاح، وهو في حقيقته “خديعة” لغوية واجتماعية أربكت جيل الشباب؛ فبينما يربط البعض الإنتاج بـ “المزاج” والإلهام، نسي الكثيرون أن استدامة الحياة وبناء الأوطان لا يقومان على مشاعر متقلبة، بل على ركيزتين ثابتتين: الالتزام والأمانة.
المبدع والموظف اليوم يقعان في فخ “الانتظار النشط”، انتظار لحظة تجلي الشغف للبدء في العمل.
وهنا مكمن الخطر؛ فالإلهام كما تصفه الكاتبة حمدة الشامسي هو “دورات موسمية” لا يمكن استدعاؤه قسرا، لكن الحياة لا تتوقف لانتظارنا.
الحل ليس في مطاردة شعور زائل، بل في بناء “نظام” يحمينا من تقلبات المزاج، وتخزين “فائض” الإنتاج في أيام الرخاء لنواجه به أيام الجفاف.
إن ما تعلمناه من مدرسة الآباء، وما أثبتته لنا خبرة السنين، أن العمل “أمانة” ورزق من الله، والوفاء به واجب شرعي وأخلاقي بغض النظر عن حالة “الشغف”.
وفي الذكر الحكيم “إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ”؛ فالمعيار هو الكفاءة (القوة) والمسؤولية (الأمانة).
إن الله يحب إذا عمل أحدنا عملا أن يتقنه، والإتقان هنا فعل إرادي نابع من المبدأ، وليس رد فعل نابع من الشعور.
عوضا عن تدريس الشباب كيف “يتبعون شغفهم”، علينا تعليمهم كيف “يخلصون في أدائهم”؛ فالشخص الذي يلتزم بعمله حين يغيب الإلهام هو المبدع الحقيقي الذي يطوع الصعاب.
الإبداع الحقيقي لا يحتاج إلى مشاعر ملتهبة طوال الوقت، بل إلى صبر طويل وفهم عميق بأن قيمة المرء فيما يحسنه ويتقنه، لا فيما يشتهيه فقط.
*مدير أول سابق بغرفة تجارة وصناعة البحرين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك