إيلاف - الشيخ محمد صديق المنشاوي: "أمير دولة التلاوة" الذي رفض الذهاب إلى الإذاعة فحضرت إليه القدس العربي - تقرير: مسؤولون أمريكيون يتطلعون لحصص للحكومة في شركات الذكاء الاصطناعي القدس العربي - الذهب يتراجع ويتجه لخسارة أسبوعية وسط توترات الشرق الأوسط ومخاوف رفع الفائدة قناه الحدث - خامنئي مختفي.. وعراقجي يؤكد التواصل معه وتنفيذ توجيهاته روسيا اليوم - الأسباب الرئيسية لرائحة الفم الكريهة العربية نت - عراقجي يؤكد: نتواصل مع خامنئي وننفذ توجيهاته بدقة روسيا اليوم - أستراليا.. اتهام السوري أحمد الأحمد "بطل شاطئ بوندي" بالاعتداء على والده روسيا اليوم - "نظام الطيبات" ينتقل من عيادة الطبيب إلى المطاعم.. وبرلماني مصري يحذر من "دعاية قاتلة" روسيا اليوم - كسوفان كليان متتاليان في غضون عام.. ودولة عربية تقدم أفضل رؤية لأطول كسوف في التاريخ الحديث روسيا اليوم - ماروتشكو: القوات الأوكرانية تستخدم مواد "مشعة" من تشيرنوبيل لتشييد خطها الدفاعي من كييف إلى سومي
عامة

بين شبح الحرب والبحث عن الحياة

التلفزيون العربي
2

في ذلك المقهى الذي لم يعد، كمعظم المقاهي في طهران، مجرد مقهى، كانت الفتيات يجلسن غالبًا بلا حجاب، أو بأوشحة خفيفة بالكاد تستقر فوق الشعر، فيما كان بعض الشباب يرتدون الشورت، وهو أمر غير مألوف في العاصم...

ملخص مرصد
تستعرض طهران تناقضات حادة بين الحياة اليومية للشباب وبين أجواء الحرب والقيود الحكومية. فبينما تبرز المقاهي والمطاعم كمساحات حرة للشباب، تواصل السلطات فرض قيود مشددة، ما يثير تساؤلات حول مستقبل البلاد. يبرز المشهد الاقتصادي المتدهور مع تضخم يتجاوز 40% وارتفاع معدلات البطالة إلى 7.8%، وفق أرقام رسمية مشكوك في دقتها.
  • مقاهي طهران أصبحت مساحات حرة للشباب رغم القيود الحكومية
  • تضخم 40% وارتفاع البطالة إلى 7.8% مع شكوك في دقة الأرقام الرسمية
  • السائقون يتذمرون من أجور لا تتجاوز دولارًا واحدًا بسبب التضخم
من: الشباب الإيرانيون، السلطات الإيرانية، السائقون أين: طهران، إيران

في ذلك المقهى الذي لم يعد، كمعظم المقاهي في طهران، مجرد مقهى، كانت الفتيات يجلسن غالبًا بلا حجاب، أو بأوشحة خفيفة بالكاد تستقر فوق الشعر، فيما كان بعض الشباب يرتدون الشورت، وهو أمر غير مألوف في العاصمة الإيرانية.

المكان، مثل عشرات الأمكنة التي انتشرت خلال السنوات الأخيرة، تحوّل إلى ما يشبه" الفضاء العام" الجديد في مدينة لطالما ضاقت فيها المساحات المشتركة بهذا الشكل الحديث، الذي كان يصنعه الشباب سابقًا في أمكنة بعيدة عن الأعين، ثم خرج اليوم إلى العلن بقوة.

هنا يدرس الطلاب، ويعمل بعضهم على حواسيبهم المحمولة، وتُعقد اللقاءات، وتُقرأ الكتب، ويجلس العشاق في صمت طويل، كأنهم يتعلمون من جديد كيف يعيش الناس حياتهم بشكل طبيعي، بعد حرب لم يعرف هذا الجيل مثيلًا لها، وإن كان قد سمع عمّا يشبهها من الآباء والأمهات: الحرب العراقية - الإيرانية.

يبحثون عن الحياة الطبيعية والأمل، فيما لا يزال شبح الحرب يخيم على البلاد، والمناوشات بين القوات الإيرانية والأميركية مستمرة قرب مضيق هرمز، جنوب البلاد، ومعادلة لا الحرب ولا السلم قائمة.

اللافت أن المقهى يقع على بعد خطوات فقط من مركز شرطة" وزرا"، الاسم الذي يعرفه سكان العاصمة جيدًا.

فقد كان محطة لكثيرات ممن لم يلتزمن الحجاب تمامًا في الأماكن العامة قبل سنوات، وإليه اقتيدت مهسا أميني عام 2022، قبل أن تتحول وفاتها إلى شرارة احتجاجات غير مسبوقة هزّت البلاد، وغيّرت شيئًا عميقًا في المجتمع الإيراني، باتت ملامحه واضحة في شوارع المدن ومطاعمها ومقاهيها.

اليوم، كانت الفتيات يجلسن براحة لافتة، يضحكن، يلتقطن الصور، وينشغلن بأحاديث قد تبدو صغيرة أمام الحدث الكبير الذي تعيشه إيران والمنطقة.

لا أحد يتحدث عن مهسا، وربما لم يعد الحديث ضروريًا.

فبعض الأفكار تغادر العقول عندما تتحول إلى أمر واقع، ثم تصبح مع الوقت جزءًا من مشهد مألوف.

مع ذلك، ثمة ما يذكّر بأن التحوّل لم يكتمل بعد.

فقد أُغلقت سلسلة مطاعم شهيرة في إيران بالشمع الأحمر من قبل الشرطة مؤخرًا، لأسباب لا تبدو واضحة تمامًا، وتتراوح، وفق ما يتردد، بين الحجاب ورسائل سياسية مبطنة في رسومات على بعض المنتجات التي تبيعها.

كما حوكم مالك سلسلة أخرى على خلفية دعمه احتجاجات يناير/ كانون الثاني الماضي، بما قال القضاء إنه تعاون مع الأعداء لتهديد الأمن القومي للبلاد.

تناقضات لا تنتهي.

فالمقهى المطل على ساحة" أرجنتين" يحاذي أيضًا شارعي" حسن نصر الله" و" عماد مغنية".

الأرجنتين التي تحمل منذ عقود خصومة ثقيلة مع إيران، منذ تفجير مركز الجمعية اليهودية الأرجنتينية في بوينس آيرس عام 1994، حيث اتهمت الأرجنتين طهران بالوقوف خلفه في قضية لم تُغلق منذ ثلاثة عقود حتى الآن.

وعماد مغنية وحسن نصر الله، اللذان يمثلان جزءًا من عقيدة الجمهورية الإسلامية الإيرانية وامتداداتها الإقليمية وأبعادها الأيديولوجية والأمنية.

حتى أسماء الشوارع هنا تبدو كأنها تتجادل مع بعضها البعض.

كل شيء مسيّس.

وقد أقر المجلس البلدي في طهران تغيير اسم ساحة أرجنتين لتصبح ساحة إسبانيا، ربما لأن مدريد أعادت فتح سفارتها في طهران، واحتشد إيرانيون أمامها شكرًا لمواقفها.

يقول المرشد الإيراني مجتبى خامنئي إن الحفاظ على الوحدة الوطنية يمثل أحد أبرز عوامل الانتصار على" الشيطان الأكبر"، داعيًا النخب السياسية والفكرية إلى تجنب" الخلافات السياسية الفارغة وإبراز الفوارق الاجتماعية".

كان النهار قد انتصف تقريبًا عندما كنت أقطع الطريق من شارع غاندي، عابرًا ساحة أرجنتين باتجاه شارع بهشتي.

هناك، حيث استُهدف خلال حرب الأربعين يومًا مبنى تابع للإذاعة والتلفزيون الإيراني، بقيت آثار الانفجار الكبير واضحة على المستشفى المقابل، كجرح مفتوح في وجه المدينة.

من هنا، تبدو طهران، ويتوسطها في هذا الجانب" مصلى الإمام الخميني الكبير"، مدينة معلقة بين تعب الحرب وأمل العودة إلى الحياة.

المصلى مشروع هائل بدأ أواخر الثمانينيات بعد وفاة الخميني.

كان يفترض أن يصبح أكبر مجمع ديني وثقافي في العاصمة، غير أن البناء لم يكتمل حتى اليوم.

عقود طويلة مرت، تغيّرت خلالها الحكومات والبلديات والوعود، فيما ظل المشروع يتوسع ويتأخر في آن واحد، حتى صار محل انتقادات من كثيرين بوصفه نموذجًا لفكرة" المشروع الذي لا ينتهي".

ورغم ذلك، للمصلى رمزيته.

فهو يحتضن صلوات الأعياد وأحيانًا صلوات الجمعة، ومعارض الكتب، ومراسم العزاء، واللقاءات السياسية الكبرى.

وربما لهذا بدا منطقيًا أن يدور الحديث أيضًا عن أنه سيحتضن مراسم الوداع الأخيرة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، التي يجري التحضير لها بعد نحو ثلاثة أشهر على اغتياله.

فبعض الأمكنة لا تحتاج إلى أن تكتمل كي تصبح جزءًا من الذاكرة الجماعية.

أين هي السينما الإيرانية؟في الطريق، مررت أمام مجمع آزادي السينمائي الشهير.

توقفت للحظات أمامه، وسألت نفسي: أين السينما الإيرانية اليوم من كل ما يحدث؟هذه السينما التي لطالما سبقت السياسة في التقاط تحولات الشارع، واستطاعت رغم القيود أن تحصد أهم الجوائز العالمية، تبدو اليوم أمام اختبار أكثر تعقيدًا من الرقابة نفسها.

كيف يمكن للسينما أن تلاحق مجتمعًا يتغير بهذه السرعة؟ وهل تستطيع الكاميرا الإيرانية أن تنقل صورة البلاد كما أصبحت فعلًا؟الأزمة ليست فنية فقط، فهي اقتصادية أيضًا.

الثقافة نفسها باتت خارج سلة مشتريات الإيرانيين.

الناس الذين كانوا يذهبون إلى السينما صاروا يفكرون أولًا بالإيجار والدولار واللحم وأقساط المدارس.

وحتى الأموال القادرة على تمويل الأفلام باتت تخشى المغامرة في بلد يعيش توترًا دائمًا بين الحرب والعقوبات والقلق، فضلًا عن الأضرار المباشرة التي لحقت بأجزاء من البنية التحتية السينمائية.

التاريخ والجغرافيا.

مضيق هرمز مثالًافي شارع بهشتي، وصلت إلى إحدى محطات مترو طهران، الذي لا يزال مجانيًا منذ بدء الحرب.

وهو الأطول بشبكته المتداخلة في الشرق الأوسط، كما يقول الإيرانيون.

وبالمناسبة، لوزن" أفعل" في إيران قصة طويلة.

بدت السياسة حاضرة حتى في الأنفاق: صور للمرشد الإيراني الراحل، معارض صغيرة، واقتباسات من خطاباته معلقة على الجدران.

استوقفتني جدارية يظهر فيها نتنياهو وترمب، وخلفهما" الضحاك"، الملك الظالم الشرير في الأساطير الفارسية القديمة، الذي قبّل الشيطان كتفيه فخرجت منهما ثعابين لا تهدأ إلا بأكل أدمغة شابين كل يوم.

وتقول الأسطورة إن" كاوه" الحداد ثار عليه.

كُتبت أسفل الجدارية، نقلًا عن علي خامنئي، عبارة تشبّه ترمب ونتنياهو بالضحاك.

كان المشهد محاولة لربط الأسطورة بالسياسة.

هكذا هي إيران: تستحضر التاريخ لتفسير الحاضر.

جلست في المترو وبدأت أتصفح المواقع الإخبارية على هاتفي.

سألني الرجل الجالس إلى جانبي: أين وصلت الأمور؟ هل تظن أن هناك اتفاقًا؟قلت: يبدو أن المفاوضات مستمرة رغم كل المناوشات العسكرية جنوب البلاد.

تردد قليلًا قبل أن يسأل: وهل سيفتحون مضيق هرمز؟كان السؤال أكبر من مجرد سؤال عن ممر مائي.

فهرمز، بالنسبة للعالم، يشبه صمامًا حساسًا للكوكب كله.

أما بالنسبة للإيرانيين، فهو إيراني حتمًا.

مضيق لم يعد النقاش بشأنه إيرانيًا - أميركيًا - خليجيًا فحسب، إذ تحوّل إلى جدل قانوني عالمي.

وفقًا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يحق لكل دولة أن تمد مياهها الإقليمية 12 ميلًا بحريًا من ساحلها.

ومضيق هرمز، عند أضيق نقطة، لا يتجاوز نحو 21 ميلًا.

وبذلك، تلتقي مياه إيران شمالًا ومياه سلطنة عُمان جنوبًا، وتبتلعان المضيق بأكمله.

أي إن المضيق كله مياه إقليمية، ولا وجود فيه لما يُسمى المياه الدولية.

لكن القانون نفسه يكفل للسفن حق المرور العابر، ويمنع الدول المطلة على المضائق من عرقلة هذا المرور أو فرض رسوم عليه.

ومع ذلك، هناك فرق بين رسوم المرور المحظورة ورسوم الخدمة المسموح بها.

هنا يظهر نوعان من الممرات: القنوات المصطنعة مثل السويس وبنما، وهي تتقاضى رسومًا كاملة ومشروعة على كل سفينة، والمضائق الطبيعية مثل هرمز ومالقا وجبل طارق، وهي ممرات طبيعية لا يجوز لأحد أن يفرض مقابلًا ماليًا لعبورها.

لكن يمكن للدول المطلة على هذه المضائق فرض رسوم الإرشاد والخدمات الملاحية.

وهذا تحديدًا ما تفعله تركيا في مضيقي البوسفور والدردنيل بموجب اتفاقية مونترو، إذ تجني أموالًا مقابل خدمات الإرشاد والإنقاذ والمنارات، لا مقابل المرور نفسه.

وهكذا يبقى الجدل مستمرًا، فيما تواصل إيران الترويج لمشاوراتها مع عُمان بهذا الصدد، ويدعو وزير خارجيتها دول الجوار إلى التشاور مع طهران ومسقط في هذا الشأن.

هكذا تستحضر إيران التاريخ في صياغة سرديتها عن الحاضر، سواء للداخل أو الخارج، فيما تبدو الجغرافيا حاضرة دائمًا في التفكير الإيراني.

جداريات" مضيق هرمز إيراني إلى الأبد" لا تزال معلقة في أهم ساحات طهران.

وفي السياسة، يقول علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية: " الأوراق والتوقيعات ليست ضمانًا.

الضمانة الموضوعية لبقاء الاتفاقية بين طهران وواشنطن هي مضيق هرمز.

فالجغرافيا لا تكذب".

التاريخ والجغرافيا عنصران أساسيان في عقلية" إمبراطورية" إيرانية انتقلت بين الإيرانيين جيلًا بعد جيل.

مدينة مخبأة داخل المدينة.

بازارات طهرانوصلت إلى أحد" البازارات" المقامة داخل فيلا قديمة، تلك الـ" إيفنتس" كما يسمونها هنا، والتي يُعلن عنها عبر مواقع التواصل الاجتماعي المحجوبة.

يعرف بها الإيرانيون عبر تطبيقات كسر الحجب التي باتت جزءًا من الحياة اليومية لدى كثيرين، والتي عادت للعمل بعد توجيه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بإعادة وصل الإنترنت، عقب أشهر على حجبه" لضرورات أمنية"، كما قيل حينها، منذ أحداث يناير/ كانون الثاني الماضي.

أقر وزير الاتصالات ستار هاشمي بأن الانقطاع ألحق أضرارًا واسعة بالاقتصاد والحياة الاجتماعية، مؤكدًا أن إعادة الخدمة جاءت استجابة للخسائر المتراكمة وضغوط القطاعات الاقتصادية.

وكانت غرفة التجارة الإيرانية واتحادات الاقتصاد الرقمي من أبرز المطالبين بإنهاء القيود، محذرة من انهيار آلاف الأعمال المعتمدة على الإنترنت.

وتشير تقديرات متداولة إلى أن الخسائر المباشرة للاقتصاد الرقمي تجاوزت 6 ملايين دولار يوميًا، فيما قدرت جهات أخرى الكلفة الإجمالية للانقطاع بما بين 30 و40 مليون دولار يوميًا على مستوى الاقتصاد الإيراني ككل.

لكن القضاء الإيراني دخل على خط الأزمة بعد إثارة تساؤلات حول الجهة المخولة قانونيًا بفرض القيود وإدارتها.

ومع تصاعد الانتقادات، أكدت الحكومة لاحقًا أن تقييد الإنترنت" ليس سياسة دائمة"، وأن ما جرى كان إجراء استثنائيًا فرضته ظروف الحرب والأمن القومي.

داخل البازار الذي وصلت إليه، شعرت كأنني دخلت مدينة أخرى مخبأة داخل المدينة نفسها.

كان صوت الموسيقى التي يتفنن فيها الـ" دي جي" يصدح في المكان.

شباب وشابات بأناقة لافتة يتنقلون بين الطاولات التي تعرض أطعمة مختلفة، ومستحضرات تجميل أجنبية، وملابس غريبة، وأعمالًا فنية تمزج بين التراث والحداثة.

أشياء لا تبدو ضرورية أبدًا في بلد يمر بكل هذا القلق.

هل يقتل الجيل الإيراني الجديد" ماعزه"؟كنت على موعد مع علي، صديق يعمل مصورًا.

لم أره منذ أشهر.

بدا متعبًا أكثر مما ينبغي لرجل تزوج حديثًا.

جلسنا في زاوية هادئة، ولم يحتج الحديث وقتًا طويلًا حتى وصل إلى وجعه الحقيقي.

قال وهو يضحك بمرارة: " هل تتخيل أن دخلي اليومي بات لا يتجاوز ثلاثة دولارات إذا قسمت راتبي على أيام الشهر؟ ".

بدا الرقم كأنه مزحة سيئة أكثر منه حقيقة.

حدثني عن صديق له أمضى سنوات طويلة ليشتري سيارة، ثم سقطت عليها الأنقاض خلال الحرب.

والتعويض الحكومي لا يكفي لإصلاحها، ولا يساوي حتى ربع ثمن سيارة جديدة صغيرة.

وبعد عمر كامل من العمل، ما يزال يعيش خارج طهران، ما يجعل حياته أكثر صعوبة، إذ يذهب معظم راتبه للنقل.

كنت أظن أنه سيلقي باللوم على الحكومة أو العقوبات أو الحرب، لكنه فاجأني، وأنا أسأله عن رأيه في سبب هذه الأوضاع، بحكاية فارسية قديمة: " بز را بكش"؛ أي" اذبح الماعز".

تحكي القصة عن أرملة فقيرة كانت تعيش مع أبنائها على حليب ماعز وحيد تملكه.

مر بها شيخ ومريد له، فاستضافتهما وسقتهما من حليب الماعز.

وقبيل مغادرتهما في جنح الليل، أمر الشيخ مريده بقتل الماعز.

وجدت الأسرة نفسها أمام واقع قاسٍ لم يعد فيه ما تعتمد عليه.

لكن فقدان مصدر رزقها الوحيد دفعها إلى البحث عن بدائل، فعمل كل فرد من أبنائها في مجال مختلف.

وبعد سنوات، مر الشيخ ومريده مجددًا من المكان نفسه، فوجدا أن الأسرة انتقلت من الفقر إلى الثراء، وبنت مدينة مزدهرة حول نجاحاتها.

كان علي يرمي إلى أن الإنسان قد يتمسك أحيانًا بما يظنه مصدر أمانه، فيما يكون هذا التمسك نفسه عائقًا أمام تطوره.

لكل منا" ماعزه" الخاص: فكرة أو عادة أو وضع يكتفي به، فيمنعه من اكتشاف ما يستطيع أن يكونه لو اضطر إلى المغامرة والخروج من منطقة الراحة.

الحديث عمليًا هو عن شعور أعمق من الغضب؛ شعور جيل كامل بالتعب وربما اليأس، وبالانتظار الطويل لوعود وأحلام لا تصل أبدًا.

وصل الحديث بيننا إلى اختلاف الأجيال.

كيف أن الآباء لم يعودوا يشبهون أبناءهم، لا في علاقتهم بالدين، ولا بالحياة، ولا بفكرة الوطن نفسها ربما.

جيل يقف على مفترقات طرق عديدة تبدو بعيدة جدًا عن ذهن كثير من أقرانهم في مناطق مختلفة من العالم.

عندما غادرت، طلبت سيارة عبر تطبيق" سناب" المحلي، المعادل لأوبر.

تأخرت دقائق عن السائق، وعندما ركبت بدا منزعجًا.

قلت له إنني سأضيف مبلغًا إضافيًا بسبب التأخير.

ابتسم بسخرية وقال: " وما الفائدة؟ الأجرة كلها لا تساوي دولارًا واحدًا! ".

في تلك الجملة القصيرة اختصر الرجل غضب الإيرانيين كله.

فالتضخم الذي تجاوز في بعض السنوات 40% التهم الرواتب، وأسعار الإيجارات والمواد الأساسية صارت تتضاعف بوتيرة مرعبة، فيما يعيش كثير من الشباب في وظائف مؤقتة أو غير مستقرة لا تكفي لبناء حياة طبيعية.

كان السائق يشتكي من أجرة لا تساوي دولارًا واحدًا، لكن شكواه لم تكن فردية.

فبعد الحرب أضيف نحو 210 آلاف إيراني إلى قوائم طالبي إعانات البطالة، ليرتفع العدد الإجمالي إلى أكثر من 350 ألف شخص، مع تحذيرات رسمية من إمكانية تجاوزه 400 ألف إذا استمر الركود.

وبينما تقول الإحصاءات إن البطالة تبلغ 7.

8%، يعتقد كثير من الإيرانيين أن الأرقام الحقيقية لم تظهر بعد.

فالتضخم المرتفع، وتراجع القدرة الشرائية، وإغلاق أعمال كثيرة أو تقلصها، جعلت الخوف من المستقبل جزءًا من الحياة اليومية.

لم يعد الغضب هنا سياسيًا فقط، فقد صار اقتصاديًا أيضًا: غضب أب لا يستطيع شراء منزل، وشاب يفكر بالهجرة، وسائق يعرف أن ساعات عمله الطويلة لا تساوي في النهاية سوى بضعة دولارات.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك