" يا جماعة، أنا قررت أعمل إعادة تموضع للفرشة تبعتي الليلة، الوضع في المحور الشمالي للخيمة صار غير آمن بسبب الشخير"، بهذه النكتة التي أطلقها الشاب عمرو وسط ضحكات أصدقائه في مخيم النزوح، يتحول مصطلح عسكري جاف ومرعب يرتبط بتحركات الدبابات والآليات إلى مادة للمزاح اليومي والتهكم ورسم ابتسامة تقهر عتمة الليل.
في غزة لم تعد الحرب مجرد حادثة طارئة يتابع الناس تفاصيلها عبر شاشات التلفزيون أو منصات التواصل الاجتماعي، بل تحولت بمفرداتها الثقيلة وقسوتها المفرطة إلى هندسة يومية أعادت صياغة" القاموس اللغوي" للغزيين.
تحولت عبارات القصف والنزوح والمعلبات والطاقة البديلة من رموز للمأساة إلى أدوات للتسلية والتكيف وسلاح أخير يلجأ إليه الغزيون لامتصاص الصدمات المتلاحقة وتحطيم الخوف الذي تحاول الحرب فرضه على تفاصيلهم الصغيرة.
وفي محاولة لتفسير هذه الظاهرة، يرى المدير السابق لمستشفى الطب النفسي في غزة عايش سمور أن هذا السلوك يحمل أبعاداً أعمق من مجرد الفكاهة، ويقول" إن هذا التطبيع اللغوي مع الموت والخطر ليس مجرد عبث عابر، بل آلية دفاع نفسية هائلة طورها العقل الجمعي للغزيين"، ويضيف" باتت السخرية الممزوجة بالمرارة بمثابة الدرع الواقية للبقاء، ومن خلال تحويل المصطلحات المرعبة إلى نكات يومية، ينجح الوعي في نزع فتيل الرعب من الكلمة، لذا يقلل من حجم الصدمة النفسية ويمكن الإنسان من مواصلة العيش".
من وسط هذا الركام ولدت لغة جديدة يتشاركها الجميع، يتمتم بها الأطفال في ألعابهم، ويتندر بها اليافعون في خيامهم، ويقيس بها الكبار مستويات الأمل والإحباط في انتظار معلق على حبال" التهدئة" و" الانسحاب".
فإلى أي حد تمكنت المصطلحات العسكرية والإغاثية من السيطرة على وعي الغزيين؟ وكيف تحولت الكلمات المرعبة إلى مفاتيح للمزاح اليومي والتعايش القسري؟في الواقع تعد لغة الشعوب هي المرآة الأصدق لواقعهم والترميز الأدق لتحولاتهم، وما تشهده الساحة اللغوية في قطاع غزة اليوم يمثل وثيقة حية على إعادة تشكيل الهوية اليومية، فتحول المصطلحات العسكرية الجافة ومفردات العمل الإغاثي من سياقها الرسمي الصارم إلى جزء من" الفكاهة اليومية" أو" أحاديث الأطفال" العفوية، لا يعكس مجرد اعتياد على المشهد، بل يكشف عن الكيفية التي طور بها الغزيون لغتهم وأعادوا ابتكارها لتصبح أداة مرنة للتأقلم مع واقعهم الجديد والمفروض قسراً.
يؤكد الباحث النفسي عايش سمور أن المفردات الجديدة التي دخلت القاموس اللغوي أصبحت في غزة وسيلة لإعادة صياغة المساحة العامة، ومحاولة واعية لترويض البيئة العنيفة المحيطة بهم عبر إدخالها في قوالب لغوية مألوفة تتيح لهم استمرار التواصل الإنساني تحت وطأة ظروف غير إنسانية.
في الحال الطبيعية في أي مكان بالعالم غير غزة المنكوبة، يتعلم الطفل الكلمات من محيطه الصغير، يبدأ بأسماء الألعاب، يتهجى حروف العصافير، ويشير ببهجة إلى الحلوى، لكن في القطاع الذي يعيش حرباً ضروساً سبقت المصطلحات العسكرية حروف الهجاء التقليدية، واستبدلت بمفردات الطفولة الآمنة قاموساً فرضته أصوات الانفجارات ومنشورات الإخلاء الجوية، باتت الطفولة تقاس بمدى قدرة الطفل على تمييز أنواع الطائرات والمقذوفات قبل أن يتعلم قراءة كتاب مدرسي.
داخل أزقة مخيمات النزوح المكتظة، لن تسمع الأطفال يصرخون في ألعابهم التقليدية كالغميضة أو كرة القدم، بل ستفاجأ بطفل يركض هرباً وهو يصيح بملء صوته" أجت الكواد كابتر.
انبطح أرضاً"، هذا التحول الحاد في سلوك الصغار يفسره الباحث والتربوي الفلسطيني وأستاذ المناهج وطرق التدريس محمد أبو شقير، على أنه انعكاس مباشر لإعادة تشكيل الوعي تحت الضغط.
يقول أبو شقير" تحولت الألعاب الحركية العفوية إلى محاكاة قاسية للواقع، فالمربعات السكنية تحولت في مخيلتهم إلى مربعات حمراء مستهدفة، والدمى القماشية أصبحت مصابين في حاجة إلى إجلاء عاجل، واللعبة الأكثر رواجاً باتت تسمى محلياً بلعبة شهيد وإسعاف"، ويضيف" هذا النزوح اللغوي القسري، والدخول المفاجئ لمصطلحات مثل حزام ناري وقذيفة مدفعية وشظية واستطلاع، في أحاديث الأطفال اليومية ليس علامة على النضج بقدر ما هو مؤشر إلى حجم الصدمة النفسية المخزنة في الوعي الباطن لهؤلاء الصغار، الأطفال في غزة لا يلعبون لمجرد التسلية بل يعيدون تمثيل مخاوفهم الصادمة ومحاكاتها في محاولة طفولية بريئة لترويض فكرة الموت وفهم العالم العنيف من حولهم، إن ألعابهم المبتكرة وعباراتهم المستحدثة باتت شاهدة على براءة شوهتها الحرب، لكنها في الوقت ذاته تمثل أداتهم الخاصة للمقاومة النفسية ومحاولة البقاء".
ولا يتوقف الأمر عند حدود اللعب المنظم، بل تحولت هذه المصطلحات الثقيلة إلى" أدوات تواصل" يومية يدمجها صغار غزة في تفاصيل حياتهم البسيطة بصورة تثير الدهشة والمرارة معاً، ففي لغة الأطفال لم تعد كلمة" مسيرة" أو" كواد كابتر" مجرد مفردة تقنية، بل باتت مبرراً طبيعياً لعدم النوم أو للخوف من اللعب فوق الأسطح، حين تسمع طفلاً ينبه شقيقه الأصغر منه بالقول" لا تخرج من الخيمة، الدرون منخفضة وصوتها يقترب".
حتى القرارات العائلية الصغيرة بات الأطفال يترجمونها بلغة الحرب، فطلب الأم من أطفالها تنظيف الخيمة أو ترتيب الأغطية أصبح يقابل بعبارات مرحة ومستعارة مثل" ماما أعلنت علينا الإخلاء"، وعندما يشتد النقاش أو الصراخ بين الأشقاء حول قطعة حلوى أو لعبة صغيرة ينادي أحدهم مستنجداً" الحقوني، صار عندي حزام ناري من المشكلات".
يشير أبو شقير إلى أن هذا الدمج العفوي لمفردات مثل" قذيفة مدفعية" لوصف ضربة كرة قدم قوية، أو" استهداف" لوصف نظرة عتاب من الأب، يوضح كيف أجبرت هذه العقول الغضة على تفكيك الترسانة العسكرية وإعادة تركيبها لغوياً لتلائم تفاصيل حياتهم المستجدة، في محاولة قسرية للتعايش مع محيط لا يكف عن الانفجار.
إذا تجولت بين الخيام الممتدة في منطقة مواصي خان يونس جنوب غزة، لن تحتاج إلى جهد كبير لترصد كيف تحولت الترسانة العسكرية إلى كلمات تجري على ألسنة الصغار بعفوية صادمة.
في خيمة عائلة جاسر، يجلس الطفل كرم وشقيقته لوران، وعندما طلبت منهما والدتهما بلهجة حازمة نقل الأواني البلاستيكية وفراش النوم إلى زاوية الخيمة الأخرى لتنظيف المكان، التفت كرم إلى شقيقته وصاح بجدية تحاكي المذيعين" عاجل.
والدتي تطلب منا الإخلاء الفوري للمحور الغربي للبيت، والتوجه نحو المنطقة الإنسانية في الزاوية الشرقية بسبب عمليات التنظيف".
لم تضحك الأم، بل تنهدت بمرارة وهي تسمع ابنها الذي يترجم الآن أوامرها المنزلية بلغة" منشورات الجيش الإسرائيلي".
على مقربة من الخيمة، وفي باحة ترابية صغيرة، كان مجموعة من الفتية يلعبون بكرة مهترئة مصنوعة من بقايا القماش، وفجأة سدد أحدهم الكرة بقوة لتصطدم بحافة خشبية وتحدث صوتاً مرتفعاً، يركض الطفل واضعاً يديه فوق رأسه ويصرخ ضاحكاً" قذيفة مدفعية هذه وليس تسديدة هدف، الوضع صار خطراً في المربع السكني".
لا يتوقف الأمر عند المزاح واللعب، بل دخل هذا القاموس في تفسير الخوف اليومي.
تقول السيدة ختام" في ليلة كانت طائرات الكواد كابتر تحلق على ارتفاع منخفض جداً وبصوت مرعب، استيقظ طفلي الصغير يبكي ويقول لي: ماما، الزنانة بتعمل استهداف لأذني لأن صوتها يخترق سمعي.
الأطفال هنا لم يعودوا يخافون من العتمة كما كنا نحن قديماً، خوفهم أصبح مشخصاً، له اسم عسكري وصوت محدد وعبارات واضحة".
خلف هذه العفوية الصادمة والمصطلحات التي تتردد على ألسنة الصغار كمادة للمزاح أو اللعب يختبئ واقع نفسي معقد ومرير، فهذا القاموس المستحدث ليس علامة على النضج الطبيعي أو الذكاء اللغوي، بل هو تعبير صارخ عن النضج القسري الذي فرضه البارود.
يرى متخصصون نفسيون ومتابعون لسلوك الأطفال في الميدان أن هذا التداخل اللغوي العسكري يعكس آلية يطلق عليها" الإنكار الإيجابي" أو" المحاكاة الدفاعية"، إذ يقوم الوعي الباطن للطفل بامتصاص الصدمات النفسية المتلاحقة الناتجة من أصوات الانفجارات ومشاهد الأشلاء، ثم يعيد إخراجها وتخزينها على شكل كلمات مألوفة وألعاب يومية.
يقول المتخصص في العلاج النفسي للأطفال في غزة سمير زقوت" أجبر الطفل في غزة على القفز الفجائي فوق مراحل طفولته وتطور نموه الطبيعي ليجد نفسه مسؤولاً عن تفكيك شيفرات محيط عنيف يتعامل بالموت والدمار، مما أفرغ طفولته من الخيال الفطري الساذج واستبدل بها واقعية مفرطة وشديدة القسوة".
زقوت الذي كرس أبحاثه الطويلة لرصد أثر الحروب والصدمات في عقول وألسنة الأطفال في القطاع، يضيف" إنها محاولة لا شعورية من الصغير لعقلنة الخوف وتجريد الطائرة أو القذيفة من هيبتها القاتلة لكي يستطيع عقله الغض تحمل وطأة الرعب المستمر، لكن خطورة هذا التطبيع اللغوي تكمن في أنه يعكس صدمة نفسية ممتدة وخندقة عميقة داخل الوعي الباطن، فالكلمات التي تدخل قاموس الطفل في هذه السن المبكرة تشكل خلاياه الإدراكية للمستقبل، وتحول مفردات مثل الإخلاء والمجزرة والركام والشظايا إلى كلمات أساسية في لغته يعني أن الصدمة لم تعد حدثاً عابراً ينتهي بانتهاء الغارة، بل تحولت إلى بنية لغوية ونفسية ثابتة سترافقه أعواماً طويلة، لتظل هذه المفردات شاهدة على جيل لم يسلب منه الأمان فحسب، بل سلبت منه لغته البيضاء الأولى".
إذا كان القاموس اللغوي للأطفال يعكس صدمة نفسية غير واعية، فإن قاموس اليافعين والشباب في غزة يأخذ منحى آخر، إذ تتحول اللغة هنا إلى خط دفاع هجومي، ويصبح المزاح الساخر هو السلاح الأخير لامتصاص الصدمات المتلاحقة وتحطيم هيبة الخوف التي يحاول الموت فرضها على تفاصيلهم.
في غزة باتت تولد النكتة من رحم الغارة، ويعاد تدوير المصطلحات العسكرية الجافة والمخيفة لتتحول إلى مادة للتندر والتهكم اليومي، في ظاهرة لغوية تعكس فلسفة عميقة للصمود ترفض الاستسلام للعجز.
يتجلى هذا الأسلوب التهكمي في ابتكار مصطلحات تصف المعاناة اليومية بقوالب عسكرية وسياسية، ففي طابور تعبئة المياه الممتد أمتاراً عدة تحت أشعة الشمس، يلتفت الشاب فرج إلى صديقه الذي يتذمر من طول الانتظار قائلاً بتهكم" طول بالك يا صاحبي، نحن الآن في مرحلة مفاوضات عسيرة مع محبس المياه، وإذا لم نصل إلى اتفاق تهدئة خلال ساعة، سنضطر إلى الإعلان عن فشل الجولة والانسحاب التكتيكي بجالونات فارغة"، يتعالى ضحك الشبان في الطابور، محولين عناء البحث عن قطرة ماء إلى جبهة دبلوماسية وهمية يتندرون بها.
هذا التلاعب اللفظي الماهر والمحمل بالتهكم، يفكك أبعاده أستاذ علم النفس الاجتماعي فضل أبو هين، مؤكداً أن الفكاهة في زمن الحرب هي أداة مواجهة واعية، ويقول في قراءته لهذا السلوك" إن هذه الكوميديا السوداء التي يعيد الشباب من خلالها تصنيف واقع النزوح المرير، وتدوير مصطلحات مثل مناطق VIP للخيام القريبة من التكايا أو التي تتمتع قرب نقطة شحن طاقة شمسية، أو وصف طنين الاستطلاع بالمؤثر الصوتي للنوم، ليس تقليلاً من حجم المأساة أو استخفافاً بالخطر المحدق، بل هو إعلان لغوي واجتماعي عن امتلاك الزمام في وجه العبث".
ويضيف أبو هين" الشاب الغزاوي الذي ينجح في تحويل اللفظة المرعبة أو الموقف العسير إلى نكتة يتداولها مع أقرانه، لا يفعل تقليلاً من حجم المأساة أو استخفافاً بالخطر المحدق، بل هو إعلان لغوي عن امتلاك الزمام، إذ ينجح في الواقع بتفريغ السلاح من قوته النفسية التدميرية ونزع فتيل الصدمة، إن السخرية هنا هي الدرع الأخيرة، وهي طريقتهم الخاصة والواعية في القول إن الحياة على رغم ضيق الخيمة وقسوة الاقتلاع، لا تزال تملك الكلمة الأخيرة والقدرة على الهزء من محاولي سحقها".
عندما يشتعل نقاش حاد بين صديقين في سهرة المخيم، يتدخل ثالث قاصداً فض النزاع بعبارة" يا جماعة، هدنة موقتة، فصائل الخيمة مش ناقصة انقسام".
وإذا كانت خريطة قطاع غزة تبدلت بفعل الخطوط العسكرية، فإن جغرافيا النزوح المتكرر حظيت بنصيب الأسد من قاموس الكوميديا السوداء لدى الشباب.
في إحدى السهرات بين ممرات الخيام الممتدة، يجلس رامي محاطاً بأصدقائه، وهو يراجع بتهكم مسار رحلته الطويلة منذ بدء الحرب" أنا صرت نازح خمس نجوم، بدأت الرحلة من غزة، ثم عملت إعادة تموضع في خان يونس، ومنها إلى رفح، والآن أخذت ترقية سياحية في مواصي دير البلح.
أنا لا أنزح، أنا أكتشف جغرافيا الوطن قسراً".
يتعالى ضحك رفاقه الذين يطلقون على أنفسهم بتهكم لقب" النازحين الجوالين"، أو" رواد السياحة الخيامية"، مستبدلين بمأساة اقتلاعهم من بيوتهم مصطلحات تحاكي المغامرة.
يوضح أبو هين أن" هذه السخرية امتدت لتطاول الخيمة ذاتها، إذ دخلت مصطلحات الهندسة المعمارية والديكور الحديث في وصف هذا الحيز البائس، فأصبح الشباب يتحدثون عن خيامهم بوصفها فيلات قماشية".
ويؤكد أبو هين أن رصد هذه النكات والمصطلحات في أوساط الشباب واليافعين يكشف عن استراتيجية مواجهة نفسية بالغة الذكاء، فالموت والتهجير اللذان يحاولان كسر إرادة الإنسان يتحولان عبر جينات الفكاهة الغزية إلى خصم يتم التندر به، مشيراً إلى أنهم لا يسخرون من حجم مأساتهم، بل يسخرون من عبثية الواقع الذي فرض عليهم، لتبقى النكتة الغزية وثيقة صمود صامتة في وجه البارود ومجلجلة في فضاء الخيام.
من منظور سوسيولوجي، فإن تحول التهكم من مجرد ضحكة عابرة إلى أداة مجتمعية واعية لرفض العجز وهزيمة الانكسار، هو إعادة تأصيل لفلسفة النكتة.
المتخصص في علم الاجتماع درداح الشاعر يقول إن" الكوميديا السوداء في غلافها الساخر هي في الجوهر فعل مقاومة اجتماعي رفيع المستوى".
ويشرح" فلسفة النكتة" في أوقات الأزمات" حين يواجه المجتمع واقعاً يفوق القدرة البشرية على الاحتمال، وتصبح الخيارات الميدانية محدودة، يتولد ما نسميه الوعي التهكمي كأداة للتغلب على العجز المكتسب".
الشاعر لديه أبحاث في سلوكيات العقل الجمعي الغزاوي خلال الأزمات، لذلك يرى أن" النكتة هنا ليست ترفاً، بل هي عملية موازنة قوى، فالإنسان الغزاوي الذي لا يملك السيطرة على حركة الطائرات أو مسار النزوح، يفرض سيطرته الكاملة على معنى الحدث من خلال السخرية منه".
ويؤكد الشاعر أنها استراتيجية اجتماعية ذكية لتحويل الضحية من موقف المتلقي السلبي للصدمة، إلى موقف المتحدي الكاسر لهيبة الجلاد والبارود، متابعاً" تحويل المأساة إلى فكاهة يومية هو بمثابة ترميم للمناعة الجمعية، ومنع المجتمع من الانزلاق نحو اليأس المطلق أو التفكك الإحباطي".
يعتقد متخصصون في اللسانيات أن التكرار الكثيف لمفردات الحرب يعمل على إحداث ما يعرف بإلغاء الحساسية التدريجي، إذ يعتاد الدماغ على المثير المرعب لغوياً بعدما يصبح جزءاً من الثقافة الشفاهية اليومية، مما يقلل من حجم تدفق الأدرينالين المرتبط بالخوف، ويمنح الإنسان قدرة مخدرة على مواصلة الوظائف الحيوية اليومية من دون الانهيار تحت وطأة الفزع المستمر.
ويرى هؤلاء أن هذا التحول الهائل في القاموس اليومي لا يقف عند حدود تبدل المفردات، بل يعكس إعادة هيكلة كاملة للمنظومة التعبيرية والإدراكية للمجتمع تحت وطأة الصدمة.
وفي هذا السياق يفسر المتخصص في اللسانيات الاجتماعية بغزة عبدالجليل صرصور الأمر قائلاً" إن ما نشهده اليوم في غزة هو تجسيد حي لما نطلق عليه في علم اللسانيات التطبيع اللغوي مع الخطر عبر آلية إلغاء الحساسية التدريجي للمفردة"، ويضيف" الكلمات والمصطلحات العسكرية التي كانت في السابق تثير ذعراً جماعياً بمجرد سماعها فقدت هيبتها المرعبة وقوتها الصدمية بفعل كثرة التكرار، وتحولت من سياقها النخبوي أو العسكري الصارم إلى بنية تواصلية عادية وروتينية في الثقافة الشفاهية اليومية، وهي محاولة من الدماغ البشري لتقليل تدفق الأدرينالين لكي يستطيع الإنسان مواصلة وظائفه الحيوية".
ويضيف صرصور" من زاوية البعد اللغوي كأداة للمقاومة النفسية، اللغة هنا لا تنقل الحدث فحسب، بل تتحول بذاتها إلى درع واقية ومساحة لامتلاك القوة، واستخدام الغزيين هذه المصطلحات يتيح لهم عملية إعادة تأطير الخوف، فالعقل البشري يميل بطبعه إلى الفزع من المبهم والمجهول، وحين يتم جلب الخطر المحدق وتسميته وتفكيكه وتحويله إلى مادة للتندر والتهكم، يفقد الخطر صفة المفاجأة والمجهول ويصبح مقاساً بمقاييس بشرية مألوفة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك