تحت الأرض وعلى بُعد عشرات الكيلومترات من خطوط المواجهة، يقود محاربون أوكرانيون - خاضوا أعنف المعارك الحضرية في أفدييفكا وباخموت - نمطًا جديدًا من القتال، لا يمكنهم الشعور به أو شمه أو رؤيته عن قرب.
تُدار عمليات قتالية كاملة عن بُعد، حيث جرى توجيه ستة انفجارات نحو ثلاثة أهداف روسية من دون وجود أي قوات أوكرانية على الأرض، إذ تُدار المعركة عبر شاشات التحكم، وتُراقب بطائرات استطلاع مسيّرة، وتُنقل مباشرة عبر بث داخلي.
وبحسب تقرير لشبكة «CNN»، فقد شهدت أوكرانيا، التي عانت لأشهر من نقص في الأفراد وعدم وضوح في الدعم الخارجي، تحولًا ملحوظًا، إذ أصبحت أجزاء كبيرة من مجهودها الحربي تعتمد على الأنظمة غير المأهولة، مثل الروبوتات والطائرات المسيّرة والدبابات التي تُدار عن بُعد، وهو ما وفر لها تفوقًا نسبيًا، وإن كان هشًا، على القوات الروسية.
وفي أبريل/نيسان الماضي، أعلن الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، تنفيذ أول عملية سيطرة على موقع روسي باستخدام الروبوتات والطائرات المسيّرة فقط، مشيرًا إلى أن هذه الأنظمة نفذت نحو 22 ألف مهمة منذ بداية العام.
تحت إضاءة خافتة من شاشات الحواسيب، تدير الوحدات الأوكرانية معاركها، في واقع جديد فرضته ضرورات الميدان.
وبحسب شهادات لأسرى روس، أطلق الجنود على الروبوتات الأوكرانية المحملة بالمتفجرات اسم «الموت الصامت»، نظرًا لصعوبة رصدها، إذ لا يمكن سماعها إلا قبل لحظات من وصولها إلى الهدف.
وتُظهر العمليات تحديات تقنية أيضًا، حيث واجهت بعض الروبوتات عوائق ميدانية قبل أن تتمكن من تجاوزها، في وقت تُرصد فيه الانفجارات عبر صور حرارية من الجو، تمهد لتسلل وحدات أخرى خلف خطوط الخصم.
وتعتمد وحدات أوكرانية، مثل وحدة «NC13»، على حسابات دقيقة لتقييم فعالية هذه التكنولوجيا، إذ تشير البيانات إلى أن أكثر من 160 هجومًا نفذته الأنظمة غير المأهولة كان يتطلب نحو 2300 جندي لتحقيق النتائج نفسها.
ومع تقديرات بخسارة نصف القوة البشرية في مثل هذه العمليات، ساهم استخدام الروبوتات في إنقاذ مئات الجنود من القتل أو الإصابة.
وقال أحد قادة الوحدات: «لو كانت هذه التكنولوجيا متوفرة سابقًا، لنجا عدد أكبر من رفاقي».
وينبع الاعتماد الأوكراني المتزايد على التكنولوجيا من أزمة حادة في القوى العاملة، إثر النقص الديموغرافي الذي يواجهه عدد السكان الأقل عدداً بعد سنوات من ويلات الحرب.
وفوق الأرض، باتت الروبوتات تحلّ محلّ العنصر البشري حتى في أبسط مهام المشاة، حيث يعمل فريق سيبر بسرعة تحت شباك التمويه لتركيب مدفع رشاش ثقيل من طراز «براوننج» على جنازير دبابة.
وتتميز هذه المركبة بمنظومة كاميرات متطورة توفر عدسة واسعة لرصد الأهداف، ومزودة بخاصية تنظيف الطين الجاف ونفخ الغبار ذاتياً، مما يتيح للآلة الاختباء بين أوراق الشجر لأيام متواصلة في انتظار فريستها دون الحاجة لماء أو طعام، ودون المعاناة من الإجهاد البدني.
ويرى قادة ميدانيون أن طبيعة الحرب تغيرت جذريًا، إذ أصبحت التكنولوجيا العامل الحاسم بدلًا من القدرات البدنية التقليدية.
ويعود هذا التحول جزئيًا إلى أزمة نقص الأفراد في أوكرانيا، ما دفعها إلى الاعتماد بشكل متزايد على الأنظمة غير المأهولة.
كما أسهم التوسع في استخدام الطائرات المسيّرة الدقيقة في إلحاق خسائر مستمرة بالقوات الروسية، في إطار استراتيجية تهدف إلى استنزافها.
ولم يقتصر دور الروبوتات على الهجوم فقط، بل امتد ليشمل مهام الدعم، مثل نقل الإمدادات وإخلاء الجرحى.
وتتميز هذه الأنظمة بقدرتها على البقاء لفترات طويلة في الميدان، مزودة بكاميرات متطورة وأنظمة تنظيف ذاتي، ما يسمح لها بالعمل في ظروف قاسية دون الحاجة إلى تدخل بشري مباشر.
ومع استمرار تطوير هذه الوسائل، تسعى أوكرانيا إلى تعزيز قدراتها في الحرب غير المأهولة، التي باتت تشكل جزءًا أساسيًا من ملامح الصراع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك