تناولت الصحفية مارينا أدامي، في تقرير نشرته منصة معهد رويترز لدراسة الصحافة فعاليات النسخة السنوية الرابعة من" قمة الإعلام والذكاء الاصطناعي لدول الشمال الأوروبي" (NAMS)، والتي عقدت في الفترة 27 وحتى 28 من مايو/أيار الحالي بالعاصمة الدنماركية كوبنهاغن.
وحضر المؤتمر، الذي عقد في مطبعة مجموعة" جي بي/ بوليتيكن" (JP/Politikens) الإعلامية، حشد من مديري وسائل الإعلام والخبراء والأكاديميين لطرح تساؤلات حاسمة حول مستقبل المهنة.
وأشارت أدامي إلى أن شبكة صحافة الذكاء الاصطناعي لدول الشمال الأوروبي قادت تنظيم هذه النسخة، بإشراف مباشر من أوله زاخريسون، رئيس قسم ذكاء الأخبار الاصطناعي في هيئة الإذاعة البريطانية (BBC News)، وكاسبر ليندسكوف وسارة إنكيري فاردار من مجموعة" جي بي/ بوليتيكن" الإعلامية الدنماركية، وأغنيس ستينبوم سويدلينغ من مجموعة" شيبستد" (Schibsted) الإعلامية والزميلة الزائرة السابقة في معهد رويترز.
وذكرت كاتبة التقرير أن النقاشات تجاوزت استعراض الأدوات والبرمجيات لتناقش القضايا الهيكلية للإعلام.
ورغم أن جدران المطبعة القديمة كانت تذكر الحضور بقدرة الصحافة على النجاة من التحولات التقنية في السنوات، فإن خبيرة الذكاء الاصطناعي الكندية نيكيتا روي، مؤسسة منصة" روبوتات غرف الأخبار" (Newsroom Robots)، وجهت تحذيرا صارما للحاضرين قائلة: " الوعي لا يعني الحصانة"، مؤكدة أن البقاء ليس أمرا مضمونا.
وقد تضمن المؤتمر محاضرات رئيسية لخبراء بارزين، من بينهم إزرا إيمان من هيئة الإذاعة العامة الهولندية (NPO)، وراسموس كليس نيلسن، الباحث الأول المشارك في معهد رويترز والأستاذ بجامعة كوبنهاغن.
وفيما يلي خمس خلاصات أساسية رصدتها أدامي في تقريرها:1/ حان الوقت لإعادة تصور جذري للاقتصاد الإخباريوينقل التقرير عن شووي فانغ، الزميلة في مركز شورنشتاين بجامعة هارفارد، رؤيتها حول إعادة هيكلة شاملة لجانبي العرض والطلب في الاقتصاد الإخباري.
وتوقعت فانغ أربعة تحولات نموذجية تتمثل في الانتقال من الندرة إلى الوفرة، ومن الجمهور البشري إلى الجمهور الآلي، ومن جذب الانتباه إلى تلبية القصد، ومن المواد الصحفية الثابتة إلى المحتوى السائل.
وأوضحت فانغ أن الإنتاج قد يتغير من" نموذج المخزون"، حيث يُصنع المنتج الإخباري أولا ثم يستهلكه الجمهور، إلى" نموذج التدفق" الذي يُشكل فيه المحتوى فورا ليلائم احتياجات مستخدم بعينه.
كما أشارت فانغ إلى احتمال تحول الأخبار من منتج يقدم" من الشركات إلى المستهلكين" (B2C)، إلى صيغة" الشركات عبر الوكلاء إلى المستهلكين" (B2A2C)، حيث تتولى برمجيات الذكاء الاصطناعي دور الوسيط.
ورغم أن هذا النظام يساعد في تقديم إجابات دقيقة للاحتياجات الفردية، فإن فانغ حذرت من أن المسافة التي يضعها الذكاء الاصطناعي قد تعزل الناشرين عن معرفة متطلبات جمهورهم.
وتوقعت فانغ انقسام السوق بين قطاع فاخر يعتمد على الهوية الموثوقة وبناء المجتمعات، وقطاع سلعي يعتمد على البنية التحتية والدمج التقني، مشيرة إلى أن غرف الأخبار التي ستظل في المنتصف ستواجه خطرا حقيقيا، ونصحت المؤسسات الإعلامية بضرورة" الحذر من الحلول التي تتطلب أقل قدر من التغيير".
ورغم هذه المخاطر، أبدت فانغ تفاؤلها قائلة: " إن سوق المعرفة يمكن أن يصبح أكبر بكثير"، مشيرة إلى فرص خفض تكاليف الإنتاج والوصول إلى جماهير غير مستهدفة سابقا.
2/ تفسير السياق وصناعة المعنىأكد فلوران دودان، الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة" ميزال للذكاء الاصطناعي" (Mizal AI) الناشئة، أن" الناس لا يريدون الأخبار كحقائق مجردة، بل يبحثون عن تفسير السياق وصناعة المعنى"، معتبرا أن هذا التوجه هو سر نمو منصات النشرات البريدية مثل" سوبستاك" (Substack).
وأضاف أن المراهنة على نشر الحقائق المجردة يعد خيارا غير صائب في بيئة يسيطر عليها الذكاء الاصطناعي، لأن شركات التقنية قادرة على الحصول عليها مباشرة من خلال اتفاقيات مع وكالات الأنباء، وهو ما أيدته شووي فانغ بالإشارة إلى تدفق المعلومات المجانية والبيانات الصحفية عبر الإنترنت، والتي قد لا يفرق الجمهور بينها وبين العمل الصحفي المؤسسي.
من جانبها، رأت الباحثة نيكيتا روي أن صناعة الإعلام تمر بمرحلة مفصلية تشبه تراجع شركتي" نوكيا" و" كوداك"، وحذرت قائلة: " نحن نعيش لحظة نوكيا وكوداك الخاصة بنا، حيث ننظر إلى منتج جديد تماما ولكننا نفكر بمعايير ومقاييس المنتج القديم".
ودعت روي غرف الأخبار إلى التخلي عن الهواجس المتعلقة باستعادة حركة المرور المفقودة للمواقع، والتركيز بدلا من ذلك على الفرص التي تتيحها التقنية للوصول إلى شرائح جديدة.
وأضافت روي أن الذكاء الاصطناعي يغير طريقة انتقال المعلومات وكيفية تحقيق القيمة المادية، متسائلة: " إذا كنت لا تعرف شيئا عن المواقع الإلكترونية، ولكنك تعلم أن الناس ما زالوا بحاجة إلى معلومات موثوقة لتسيير حياتهم، فماذا كنت ستبني؟ ".
وقد أفرد تقرير معهد رويترز للصحافة مساحة واسعة للنقاشات التي دارت في المؤتمر حول" وكلاء الذكاء الاصطناعي" الذين يديرون المهام ذاتيا.
وبناء على رؤية طرحها الخبير ديفيد كاسويل سابقا حول تصفح المستخدمين للإنترنت عبر وكلائهم الشخصيين، أوضح فلوران دودان أن هؤلاء الوكلاء سيتولون تصفح المواقع واستخراج المعلومات وتعديل صياغتها لتناسب رغبات أصحابها، بل وقد يملكون تفويضا ماليا للدفع مقابل الأخبار عبر أنظمة السداد الصغيرة، وهو المقترح الذي ناقشه سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة" أوبن إيه آي" (OpenAI)، مؤخرا مع نيكولاس تومسون، الرئيس التنفيذي لمجلة" ذا أتلانتيك" (The Atlantic).
وبحسب التقرير فإن هذا التحول يفرض على غرف الأخبار تنظيم بياناتها وهيكلتها، وهي مشكلة أثارها المستشار مادهيف تشينابا، الزميل الزائر السابق في معهد رويترز، بقوله: " عدد قليل جدا من المؤسسات الإخبارية يملك بيانات مهيكلة بشكل صحيح، وهذه مشكلة كبيرة".
وفي السياق نفسه، ذكرت الباحثة نيكيتا روي أن الناشرين سينتجون مستقبلا لجمهورين: البشر والوكلاء الآليين، وحذرت غرف الأخبار قائلة: " عندما يصبح الوكلاء موثوقين تماما، سيكون الوقت قد فات.
لا يمكننا الانتظار والمراقبة، بل يتعين علينا التجريب الآن وبأقصى شكل ممكن".
واستعرضت كاجا ديستاد، رئيسة التطوير التحريري في شبكة الإعلام المحلي النرويجية" بولاريس ميديا فيست" (Polaris Media Vest)، كيف تتيح الشبكة لمراسلين لا يجيدون البرمجة بناء أدوات صحفية باستخدام أنظمة الوكلاء.
كما كشف التقرير عن تجارب أخرى، مثل الأدوات التي تحول المحتوى المكتوب إلى مقاطع مرئية لوسائل التواصل الاجتماعي، أو تلك التي تتيح للصحفيين بناء أنظمتهم الخاصة لمراقبة الأخبار وتلخيصها.
4/ غرف الأخبار التقليدية.
مرونة في التعامل مع التحولاتوبحسب ما جاء في القمة فقد أظهرت غرف الأخبار التقليدية مرونة في التعامل مع التحولات عبر إطلاق مشاريع تجريبية سريعة ومستقلة لحماية علاماتها التجارية الأساسية.
واستخدمت أمالي كيسلر، رئيسة تحرير صحيفة" بوليتيكن" (Politiken) الدنماركية، تشبيها عسكريا للمقارنة بين إدارة غرف الأخبار كالدبابات الثقيلة والبطيئة، أو كالطائرات المسيرة الخفيفة والسريعة، مؤكدة أن صحيفتها اختارت أسلوب الطائرات المسيرة في تجارب الذكاء الاصطناعي.
ومن جانبه، دعا غارد ستيرو، رئيس التحرير والرئيس التنفيذي لصحيفة" فيردنز غانغ" (VG) النرويجية، إلى التوسع في هذه التجارب والتمسك باللمسة الإنسانية التي تعجز الآلة عن تقديمها، قائلاً بحسم: " هناك أشخاص يحتاجون إلى من يلتقي بهم ويستمع لقصصهم، وكونوا على ثقة بأن سام ألتمان لا يأبه بهم مطلقاً".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك