السوداني الضحية بين مُنقذٍ ومُوغِلثم إنني تأملت مليًا في مقطع فيديو جرى تداوله بكثافة قبل يوم عيد الأضحى، وفيه يظهر الأستاذ خالد الإعيسر، الموظف لدى سلطة قائد الجيش بمسمى وزير الثقافة والإعلام، قبل أن يعيد تسميته الدكتور كامل إدريس ضمن موظفيه الوزاريين، ويطلق عليهم اسم “حكومة الأمل”.
وقصة تسمية تلك الوزارة نفسها مما يثير الحسرة والأسف كشعور إنساني محض، بغض النظر عن أي موقف سياسي.
فقد كان ممن استُوزروا فيها من اختار الوظيفة التي يريد، وهي مجمع الأموال العامة، بالتلويح الصريح بفوهات البنادق.
فإن لم تُوجَّه مباشرة إلى من يمضي التعيينات، فإنها ستعود إلى نقطة الحياد التي تحركت منها من قبل، مدفوعة بالرغبة والطمع في القسمة السلطوية في إطار “حرب الكرامة”! ! ويا لبؤس الضحية حين يتوهم كرامته في الوظيفة كيفما اتفق! !نظرت في حال الزميل الإعلامي المستوزر، فما غادر عندي خانة الضحية المُوغِل.
فقبل أيام قليلة من نشره للفيديو، وهو يتجول “الله وزمتو” بين كومات خرفان الأضاحي في سوق قندهار غربي أم درمان، كان هو نفسه على موعد مع حوار لأحمد طه على شاشة فضائية الجزيرة القطرية.
فسأله المذيع عمن قابل رئيسه كامل إدريس في لندن من مسؤولين موازين لمنصبه، حسبما يقتضي البروتوكول، فأجاب الأستاذ الإعيسر بمرح طفولي اشتهر به: “قابلنا نوابًا في البرلمان البريطاني، وأزيدك من الشعر بيتًا، فقد تناولنا وجبة الغداء في مطعم تحت سقف مبنى البرلمان الإنجليزي”.
فبهت الذي سأل، ولم أبهت أنا، فقد انتابتني حالة رثاء لهذا الضحية المُوغِل.
فهو، بالجد، ضحية غروره المزيّف الذي يجعله يطلق ما لا يقل عن ثلاثين “أنا” خلال خمس دقائق حوارية.
فالرجل من بارا بشمال كردفان، ولو اتجه جنوبًا لوجد نفسه عند الدبيبات في جنوب إقليمه.
هناك سيجد شخصًا ضحيةً منقذةً للسودانيين اسمه عبد الله حمدوك، رأس الوزارة الانتقالية لمدة أربعة وعشرين شهرًا بين عامي 2019 و2021م.
زار خلالها عددًا من البلدان، فاستُقبل بما يوازي قيمته ورمزيته كقائد منقذ لبلده وشعبه من حقب التيه.
استقبله الرؤساء ونظراؤه رؤساء الوزارات، وزاره الرئيس الألماني في الخرطوم، وكان حصاد جولاته عشرات العلامات على تعافي البلد وسيرها على الطريق القويم لإنقاذ الضحايا.
فهل راجع سعادتو الوزير، الذي يسير بلا خفير لشراء خروف العيد الكبير، ما عمله سلفه القدير فيصل محمد صالح؟ الذي لم يكن في سفر إنجازه الهتاف في شوارع أسمرا: “عاش عاش الرئيس أسياس”.
والإعيسر ينشئ مجسمًا لحميدتي يرميه بالحجارة في بورتسودان، ومن بعده مجسمًا للبرهان في أم درمان يحفه بالزهور، وهو بعدُ يدير شؤون الثقافة السودانية في طبعتها المتعددة وطبيعتها السخية.
فمن أجدر بمقام الضحية غيره؟ !وفي حقل الإعلام، كان منجزه الأكبر سحب التراخيص من زملائه وزميلاته الذين يعملون لصالح فضائيات ووكالات إخبارية دولية.
وجاءت خبطته الإعلامية الأبرز ضد الزميلة لينة يعقوب، مراسلة فضائية العربية الحدث السعودية، إثر نشرها تقريرًا إخباريًا عن يوميات الرئيس المخلوع البشير وبعض أعوانه وهم رهن الحبس الفندقي بناحية مروي شمال السودان.
وعلى عكس ما رأى وزير الإعلام الضحية المُوغِل، رأيت في نشر ذلك التقرير دعاية إيجابية لصالح سلطات الجيش، إذ إنها توفر من سبل الحبس الكريم لقائدها ورئيسها، مما يدل على كرم أخلاق في احترام الكبير! !إن من أفدح الرزايا أن يكون الضحية مُوغِلًا في الأوهام، فذاك داء عضال نسأل الله لمن يعاني منه الشفاء، ولزميلنا الإعلامي الوزير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك