الاستثمار الجديد لا يتعلق بتطوير جيل أسرع من الحواسيب التقليدية فحسب، بل يستهدف بناء منظومة تقنية مختلفة بالكامل، قادرة على تنفيذ عمليات حسابية معقدة تستغرق من أقوى الحواسيب الحالية سنوات طويلة لإنجازها، بينما قد تتمكن الحواسيب الكمية من تنفيذها خلال دقائق أو ساعات فقط.
وتعد" آي بي إم" من أبرز الشركات العالمية التي تقود هذا المجال، إذ تؤكد أنها نشرت أكثر من 90 نظامًا كميًا حول العالم، وتسعى للوصول إلى هدف أكثر طموحًا يتمثل في إطلاق أول حاسوب كمي تجاري واسع النطاق بحلول عام 2029، وهي خطوة قد تمثل نقطة تحول في تاريخ التكنولوجيا الحديثة.
ما الذي يجعل الحوسبة الكمية مختلفة؟تعتمد الحواسيب التقليدية التي يستخدمها العالم اليوم على" البتات" الرقمية، وهي وحدات بيانات تكون في إحدى حالتين فقط: صفر أو واحد.
أما الحوسبة الكمية فتستخدم ما يعرف بـ" الكيوبتات"، التي تمتلك القدرة على التواجد في أكثر من حالة في الوقت نفسه.
هذه الخاصية تمنح الحواسيب الكمية قدرة هائلة على معالجة عدد ضخم من الاحتمالات بالتوازي، وهو ما يفتح الباب أمام تطبيقات كانت تبدو حتى وقت قريب أقرب إلى الخيال العلمي، سواء في مجال تطوير الأدوية أو تصميم مواد جديدة أو حل المشكلات الرياضية واللوجستية المعقدة.
ورغم الوعود الكبيرة التي تحملها هذه التقنية، فإن الطريق لا يزال مليئًا بالعقبات.
فالحواسيب الكمية الحالية تعاني من معدلات مرتفعة من الأخطاء أثناء إجراء العمليات الحسابية، وهو ما يحد من قدرتها على العمل بشكل موثوق خارج المختبرات ومراكز الأبحاث.
ولهذا تركز" آي بي إم" جهودها على تطوير أنظمة متقدمة لتصحيح الأخطاء الكمية، باعتبارها المفتاح الحقيقي للانتقال من مرحلة التجارب العلمية إلى مرحلة الاستخدام التجاري الواسع.
وترى الشركة أن نجاحها في هذا المجال سيمكن العلماء والباحثين من تحقيق قفزات كبيرة في اكتشاف المواد الجديدة، وتحسين الخوارزميات المعقدة، وتصميم جزيئات دوائية مبتكرة قد تسرّع من تطوير علاجات لأمراض مستعصية.
ويأتي الإعلان عن الاستثمارات الجديدة بعد أيام من توقيع خطاب نوايا بين" آي بي إم" ووزارة التجارة الأمريكية لإنشاء مصنع متخصص في إنتاج رقائق الحوسبة الكمية داخل الولايات المتحدة تحت اسم مشروع" أنديرون".
وبحسب الاتفاق، ستشارك الحكومة الأمريكية في تمويل المشروع عبر حوافز قانون الرقائق الإلكترونية المعروف باسم CHIPS Act، بينما تضخ الشركة استثمارات مماثلة من مواردها الخاصة، في خطوة تؤكد الأهمية الاستراتيجية التي باتت تمثلها الحوسبة الكمية بالنسبة للاقتصاد والأمن التكنولوجي الأمريكي.
لا تتحرك" آي بي إم" وحدها في هذا المضمار، إذ تحولت الحوسبة الكمية إلى ساحة تنافس دولية بين القوى الكبرى.
فإلى جانب الولايات المتحدة، تضخ دول مثل France وGermany وChina وUnited Kingdom وCanada مليارات الدولارات في هذا القطاع، إدراكًا منها أن الدولة أو الشركة التي تنجح في تحقيق اختراق حقيقي في هذا المجال قد تمتلك أفضلية تكنولوجية واقتصادية لعقود مقبلة.
ومع استمرار تدفق الاستثمارات وتزايد وتيرة الأبحاث، يبدو أن الحوسبة الكمية تقترب تدريجيًا من الانتقال من مرحلة الوعود النظرية إلى واقع عملي قد يعيد رسم خريطة التكنولوجيا العالمية، ويغير الطريقة التي يتعامل بها العالم مع أعقد التحديات العلمية والصناعية في المستقبل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك