تراهن الصين على فتح صفحة اقتصادية أوسع مع كندا، في خطوة تعكس رغبة بكين في ترميم الثقة مع أوتاوا واستثمار سعيها إلى تنويع أسواقها وتقليل اعتمادها الكبير على الولايات المتحدة، وسط توترات تجارية متزايدة بين كندا وواشنطن.
وقال وزير الخارجية الصيني وانغ يي، خلال لقائه وزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في أوتاوا أول من أمس الجمعة، إن" كندا قد تتجاوز هدفها المعلن بزيادة صادراتها إلى السوق الصينية بنسبة 50% بحلول عام 2030"، معتبراً أن هذه الصادرات يمكن أن ترتفع بنسبة تصل إلى 100% إذا استمر الزخم الحالي في العلاقات بين البلدين.
وجاءت تصريحات وانغ ضمن زيارة رسمية إلى كندا انتهت اليوم الأحد، هي الأولى لوزير خارجية صيني منذ عقد، ما منحها بعداً سياسياً تجاوز اللغة التجارية.
لكنها، في المقابل، لا تعني أن الطريق أصبح مفتوحاً بالكامل أمام تقارب" كندي - صيني" واسع، إذ تتحرك العلاقة تحت ضغط ثلاثي، يتوزع بين رغبة كندا في تنويع شركائها، وسعي الصين إلى توسيع حضورها التجاري، وحرص الولايات المتحدة على منع أي منفذ جديد يمنح بكين قدرة أكبر على الوصول إلى السوق الأميركية عبر الجارة الشمالية.
وقالت وزيرة الخارجية الكندية، أول من أمس الجمعة، إن" أوتاوا تركز على تنمية اقتصادها وتنويع علاقاتها التجارية"، معتبرة أن العلاقة الاقتصادية بين كندا والصين مهمة، ما يعكس توجهاً كندياً أوسع نحو فتح أسواق بديلة، بعدما جعلت الرسوم الأميركية والتهديدات التجارية العلاقة مع واشنطن أكثر كلفة وحساسية.
وبحسب" رويترز"، تعتبر الصين ثاني أكبر شريك تجاري لكندا، في وقت يسعى فيه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى تقليص الاعتماد الكبير على السوق الأميركية، بعدما أصبحت كندا هدفاً لرسوم فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وتعهد كارني بمضاعفة صادرات كندا إلى أسواق أخرى خلال العقد المقبل، كما وقع أكثر من 20 اتفاقاً اقتصادياً وأمنياً خلال العام الأخير.
ولم تبدأ محاولة إعادة بناء العلاقات من زيارة وانغ الحالية، بل سبقتها زيارة كارني إلى بكين في يناير/كانون الثاني الماضي، وهي أول زيارة لرئيس وزراء كندي إلى الصين منذ عام 2017.
وخلال تلك الزيارة، أعلنت أوتاوا وبكين شراكة جديدة تركز على الطاقة والزراعة والتجارة والتكنولوجيا النظيفة، في محاولة لإعادة العلاقات إلى مسار أكثر استقراراً بعد سنوات من التوتر.
وشملت التفاهمات التجارية الأولية خفض الصين الرسوم على بذور" الكانولا" الكندية إلى نحو 15% بحلول مارس/آذار، بعدما كانت عند 84%، بما يحسن وصول صادرات كندية سنوية تقدر بنحو 4 مليارات دولار إلى السوق الصينية.
كما شملت ترتيبات مؤقتة لمنتجات زراعية وبحرية أخرى بقيمة تقارب 2.
6 مليار دولار.
وفي المقابل، قبلت كندا السماح بدخول ما يصل إلى 49 ألف سيارة كهربائية صينية برسوم تفضيلية تبلغ 6.
1%، بعدما كانت حكومة جاستن ترودو السابقة قد فرضت رسوماً بنسبة 100% على السيارات الكهربائية الصينية عام 2024، تماشياً مع إجراءات أميركية مشابهة.
تهديد أميركي ورسائل متناقضةويعود التقارب" الكندي - الصيني" الحالي بعد أشهر من توتر أثارته زيارة كارني إلى بكين في يناير/كانون الثاني الماضي، حين لوّحت واشنطن برسوم قاسية على كندا إذا مضت في اتفاق تجاري واسع مع الصين.
ورغم أن أوتاوا أكدت لاحقاً أنها لا تسعى إلى اتفاق تجارة حرة مع بكين، فإن هذا التهديد السابق بقي حاضراً في أي محاولة كندية جديدة لتنويع الشركاء بعيداً عن الاعتماد الكبير على السوق الأميركية.
واشنطن تخشى منفذاً صينياًلم يتوقف الضغط الأميركي عند تهديد ترامب، إذ قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت آنذاك إن" الولايات المتحدة قد تفرض رسوماً كاملة على الواردات الكندية إذا أبرمت أوتاوا اتفاقاً تجارياً حراً مع الصين، أو سمحت بأن تصبح كندا ممراً لدخول السلع الصينية الرخيصة إلى السوق الأميركية".
وركز بيسنت خصوصاً على حساسية سلاسل التوريد المتكاملة بين الولايات المتحدة وكندا، حيث يمكن للسلع أن تعبر الحدود أكثر من مرة خلال عملية التصنيع.
وكشفت هذه النقطة جوهر القلق الأميركي، إذ لا تعترض واشنطن على تقارب كندا مع الصين فقط، بل تخشى أن تستخدم بكين السوق الكندية طريقاً جانبياً للالتفاف على القيود الأميركية.
ولذلك تحولت الرسوم على السيارات الكهربائية والمنتجات الزراعية إلى جزء من معركة أكبر حول سلاسل الإمداد والنفوذ الصناعي وحدود استقلال القرار التجاري الكندي.
ورغم التفاؤل الصيني، لا تزال العلاقة بين أوتاوا وبكين محكومة بالحذر.
فقد جاءت زيارة وانغ بعد أيام من عبور سفينة حربية كندية مضيق تايوان، وهو ما أثار اعتراضاً صينياً شديداً، إذ قالت بكين إنها تعارض أي محاولة لتقويض سيادتها وأمنها تحت ذريعة حرية الملاحة.
كما ناقش الجانبان، بحسب بيان كندي نقلته" رويترز"، قضايا التجارة وحقوق الإنسان والتدخل الأجنبي بطريقة وصفت بأنها صريحة وبناءة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك