طهران-«القدس العربي»: رغم مرور فترة طويلة على الحرب التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران وإعلان وقف إطلاق النار بين الطرفين، فإن الأوضاع الأمنية في إيران لم تعد بعد إلى طبيعتها بشكل كامل.
فحتى الآن لم تستأنف المدارس والجامعات الدراسة الحضورية، وما زالت تنظم دروسها عبر الإنترنت.
كما لم يُقم هذا العام معرض طهران الدولي للكتاب بصورته التقليدية، بل أُقيم بشكل افتراضي عبر الإنترنت.
ومنذ اندلاع الحرب، لم يعقد مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان الإيراني) أي جلسة في قاعته العامة، بل يعقد اجتماعاته في مواقع أخرى بحضور عدد محدود من النواب، مع مشاركة بقية الأعضاء عبر الإنترنت.
كذلك، لم تعد الفعاليات السياسية الكبرى، مثل المؤتمرات والملتقيات، تُنظم بصورة اعتيادية، وإن أُقيم بعضها فإن الوزراء، بمن فيهم رئيس الجمهورية، لا يشاركون فيها.
كما أن الرئيس مسعود بزشكيان لم يحضر أي فعالية عامة خلال هذه الفترة.
ومنذ الهجوم الإسرائيلي على مركز طهران صباح يوم 28 شباط/فبراير، ومقتل المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، لم يظهر نجله والمرشد الجديد مجتبى خامنئي علناً في أي مناسبة.
ومع مرور أكثر من 90 يوماً، لم تُنشر أي صور أو تسجيلات فيديو أو تسجيلات صوتية جديدة له.
وبعد مقتل علي خامنئي، المرشد الثاني للجمهورية الإسلامية بعد روح الله الخميني، اختار مجلس خبراء القيادة بعد أسبوع من الحادثة نجله الثاني مجتبى خامنئي مرشداً ثالثاً للبلاد.
ومنذ انتخابه في 9 مارس/آذار 2026، يكتفي مجتبى خامنئي بإصدار أحكامه ورسائله في شكل نصوص مكتوبة.
وقد أثار غيابه الطويل عن الأنظار تكهنات وشائعات عديدة بشأن وضعه الصحي وحالته العامة، إلا أن المسؤولين الإيرانيين يؤكدون أنه يتمتع بصحة جيدة وأن عدم ظهوره العلني يعود إلى اعتبارات أمنية فقط.
ويقول مسؤولون إيرانيون إن غيابه عن المناسبات العامة والفعاليات الرسمية يهدف إلى ضمان أمنه ومنع استهدافه بأي أعمال معادية أو هجمات محتملة.
وكان الهجوم الإسرائيلي الذي استهدف 28 شباط /فبراير 2026 مكتب ومنزل علي خامنئي، المعروف باسم «بيت القيادة» في وسط طهران، قد أدى إلى مقتله مع عدد من كبار القادة العسكريين الإيرانيين وأفراد من أسرته.
ووفق الروايات المتداولة، قُتل في ذلك الهجوم أيضاً عدد من أفراد عائلة علي خامنئي، من بينهم ابنته بشرى، وزوجها مصباح الهدى باقري، وزهرا حداد عادل زوجة مجتبى خامنئي، إضافة إلى حفيدته الصغيرة زهرا محمدي كلبايكاني.
وقد أنهى ذلك الهجوم 36 عاماً من قيادة علي خامنئي لإيران.
وبعد ذلك، عقد مجلس خبراء القيادة اجتماعاً اختار خلاله نجله مجتبى خامنئي، البالغ من العمر 56 عاماً ورجل الدين، مرشداً جديداً للبلاد.
وسعى عدد من المسؤولين في الجمهورية الإسلامية إلى نفي الشائعات المتعلقة بوضعه الصحي.
فقد نُشرت تقارير نقلت عن مسؤولين رسميين تأكيدهم أنه يتمتع بـ»صحة كاملة»، وأن عدم ظهوره يعود حصراً إلى اعتبارات أمنية.
كما أكد بعض المسؤولين أن حالته الجسدية مستقرة، وأن الأخبار المتداولة في وسائل إعلام أجنبية غير صحيحة.
وتشير بعض الروايات إلى أن مجتبى خامنئي كان موجوداً في المنطقة المستهدفة أثناء الهجوم الإسرائيلي على مكتب ومنزل المرشد في وسط طهران، لكنه نجا من الهجوم.
كما ذكرت بعض المصادر أنه أصيب خلال الهجوم ونُقل إلى أحد المستشفيات، وأن المستشفى نفسه تعرض لاحقاً لهجوم إسرائيلي، إلا أنه لم يتعرض لإصابات خطيرة.
وتحدثت تقارير أخرى عن إصابته بجروح خلال العمليات العسكرية، وأن ذلك قد يكون سبب ابتعاده عن الظهور العلني.
وذهبت بعض هذه التقارير إلى الحديث عن إصابات في الساق أو إصابات جسدية أخرى.
وفي الوقت نفسه، كرر مسؤولون إيرانيون نفي هذه الروايات، مؤكدين أن وضعه الصحي جيد ومستقر.
وكان أحد المسؤولين الإيرانيين قد أقر سابقاً بتعرضه لإصابة خلال الحرب.
كما نقلت صحيفة «الغارديان» عن عليرضا سالاريان، السفير الإيراني لدى قبرص، قوله في مقابلة أجريت داخل السفارة الإيرانية في نيقوسيا في مارس الماضي: «سمعت أن ساقيه ويديه وذراعه تعرضت لإصابات… وأعتقد أنه في المستشفى لأنه جريح».
وأضاف السفير أن مجتبى خامنئي أُصيب في الهجوم نفسه الذي أدى إلى مقتل والده وعدد من أفراد أسرته، بمن فيهم زوجته.
وقال أيضاً: «لا أعتقد أنه سيكون مرتاحاً لإلقاء الخطب في أي ظرف».
في المقابل، أكد عدد من الشخصيات والمسؤولين الإيرانيين أن مجتبى خامنئي لم يتعرض لإصابات خطيرة، ومن بينهم يوسف بزشكيان، نجل الرئيس الإيراني، الذي قال إنه سمع أن مجتبى خامنئي بخير وأنه «لا توجد مشكلة».
وحتى الآن لم يصدر أي بيان رسمي مفصل بشأن وضعه الصحي.
كما ورد في النص المكتوب لأول رسالة وجهها مجتبى خامنئي إلى الشعب الإيراني في 12 آذار/مارس الماضي أنه «علم بنتيجة تصويت مجلس الخبراء الموقر في الوقت نفسه الذي علم به المواطنون عبر هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية».
وقال النائب وعضو لجنة الأمن القومي في البرلمان، سردار سالار ولايتمدار، إن سبب عدم بث صور تلفزيونية للمرشد الجديد يعود إلى حمايته من أضرار محتملة قد يتعرض لها من قبل «الأعداء عبر وسائل خاصة وعلوم غيبية»، على حد تعبيره.
وأضاف أن هذا الإجراء جاء بناءً على توصيات علماء الدين في النجف وقم ومشهد.
ورداً على سؤال حول وضع المرشد الصحي، قال ولايتمدار إن تقريراً قدمه أحد عناصر الحرس الثوري الذين كانوا في موقع الحادث إلى لجنة الأمن القومي أفاد بأن مجتبى خامنئي كان يردد الأذكار عند إخراجه من تحت الأنقاض، وأن إصاباته كانت سطحية، فيما أكد الطبيب المعالج أن جسده سليم ولا توجد أي كسور.
وأوضح عضو لجنة الأمن القومي أن قرار عدم نشر صور أو تسجيلات جديدة للمرشد الجديد اتخذ بناءً على توصيات علماء الدين والمسؤولين الأمنيين، وذلك لمنع الأعداء من استغلال وسائل خاصة أو ما وصفه بـ«العلوم الغيبية» للإضرار به.
وأكد أن المرشد الجديد عقد اجتماعات قيادية مع القوات المسلحة ويتولى بنفسه إدارة العمليات العسكرية، داعياً المواطنين إلى عدم الالتفات إلى الشائعات، ومؤكداً أنه سيظهر أمام الشعب بعد تحقيق «النصر الكامل والقضاء على شر الأعداء».
و قال وزير التراث الثقافي السابق، عزت الله ضرغامي، إنه يملك معلومات مؤكدة عن تمتع المرشد الجديد بصحة كاملة، مضيفاً أن خبراء موثوقين أوصوا بعدم تسجيل أو نشر أي صور أو تسجيلات صوتية له في الوقت الراهن لأسباب أمنية، وأنه يؤيد هذه التوصية بشكل كامل.
ويُعد ضرغامي من الشخصيات المقربة من المرشد السابق علي خامنئي.
وفي 17 أيار/مايو 2026، أعلن الرئيس مسعود بزشكيان للمرة الأولى أنه التقى مجتبى خامنئي شخصياً لمدة تقارب الساعتين.
وقال بزشكيان إن أكثر ما لفت انتباهه خلال اللقاء كان أسلوب المرشد الجديد وطريقة تعامله المتواضعة والودية للغاية، مؤكداً أن ذلك خلق أجواء من الثقة والهدوء والتفاهم والحوار المباشر.
وأضاف أن اللقاء جرى في أجواء ودية واستمر قرابة ساعتين ونصف الساعة، مشيراً إلى أن نهج مجتبى خامنئي في الحوار والتواصل كان أبرز ما ميز الاجتماع.
وفي 25 أيار/مايو 2026، صرح المتحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية، حسين كرمانبور، بأن الإصابات التي تعرض لها مجتبى خامنئي يوم 28 شباط/فبراير كانت «سطحية واقتصرت على إصابات في الوجه والرأس والساقين»، مضيفاً بأنه غادر المستشفى ظهر أول يوم من شهر آذار/مارس الماضي، دون أن يذكر مكانه التالي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك