في كل مرة يخرج علينا فيلم أو مسلسل كوميدي جديد ويحقق نجاحا محدودا أو فشلا مدويا، ينبري بعض النقاد والمنتجين ليقولوا لنا في ثقة العالم ببواطن الأمور: المشكلة في الجمهور.
ذوق الناس اتغير.
والحقيقة أن هذه العبارة أصبحت مثل الماس الكهربائي في تقارير الحوادث، تفسير جاهز لكل كارثة، لا يحتاج إلى دليل ولا إلى تفكير.
فهل تغير ذوق المصريين فعلا؟أشك في ذلك.
المصريون الذين كانوا يضحكون مع إسماعيل يس، ثم مع فؤاد المهندس، ثم مع عادل إمام، ثم مع جيل كامل من الموهوبين الذين كانوا يعرفون أن الكوميديا بناء وليست شتيمة، وأن الضحك صناعة لا تشنجات عصبية.
هؤلاء لم يستيقظوا ذات صباح ليقرروا فجأة أن يتخلوا عن حسهم الفكاهي ويتحولوا إلى شعب لا يفهم النكتة.
الذي تغير في الأغلب ليس الجمهور، بل البضاعة المعروضة عليه.
لقد ابتلينا في السنوات الأخيرة بجيل من الكتاب يتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي كما كان أجدادنا يتعاملون مع المناجم.
يدخل إلى مستنقع الميمز والكوميكس والأفيهات الجاهزة، ثم يخرج منه حاملا شوال نكت مستعملة، ويبدأ في لصقها داخل السيناريو كما تلصق إعلانات الدروس الخصوصية على أعمدة الكهرباء.
فتشاهد فيلما كاملا يبدو كأنه مجموعة منشورات فيسبوك هربت من هواتف أصحابها واستقرت على شاشة السينما.
لا شخصيات حقيقية، لا مواقف كوميدية، لا بناء درامي.
فقط شخص يقف في منتصف المشهد ليلقي الإفيه، ثم يتوقف الجميع احتراما للنكتة كما تتوقف حركة المرور احتراما لموكب رسمي.
والمصيبة أن بعض هؤلاء الكتاب أصبحوا يظنون أن مهمتهم ليست صناعة الضحك، بل مغازلة خوارزميات السوشيال ميديا.
فيكتب المشهد وهو يفكر: هل سيصبح هذا المقطع تريند؟ هل سيقص وينشر على تيك توك؟ هل سيصلح كـ ميم؟ أما السؤال القديم البائس: هل المشهد مضحك فعلا؟ فقد خرج إلى المعاش منذ سنوات.
ثم نأتي إلى بعض الكوميديانات الذين اختزلوا الكوميديا كلها في الألش.
والألش في أصله بهار لطيف، لكنه ليس وجبة كاملة.
أما عندنا فقد تحول إلى الوجبة والمقبلات والحلوى والعشاء والسحور أيضا.
ترى الممثل يدخل المشهد فلا يمثل شخصية، ولا يعيش موقفا، ولا يبني حالة كوميدية، بل يتصرف كأنه ضيف في برنامج مقالب يحاول النجاة من الدقيقة القادمة بإطلاق أكبر عدد ممكن من التعليقات السريعة.
وإذا لم يضحك الجمهور، ألقى اللوم على الجمهور.
أما إذا ضحك الجمهور مرة أو مرتين، اعتبر نفسه وريثا شرعيا لتاريخ الكوميديا المصرية كله.
والنتيجة أن كثيرا من الأعمال الكوميدية الحديثة أصبحت ثقيلة الظل على نحو يدعو للإعجاب العلمي.
فالضحك فيها يشبه استخراج البترول يحتاج إلى حفر عميق ومعدات متطورة وصبر طويل.
وقد ينتهي الأمر في النهاية بلا شيء.
المفارقة المضحكة حقا أن المصريين ما زالوا حتى اليوم يعيدون مشاهدة أعمال عمرها ثلاثون وأربعون وخمسون عاما، ويحفظون مشاهدها عن ظهر قلب، ويضحكون عليها في كل مرة كأنهم يشاهدونها لأول مرة.
ولو كان ذوق الجمهور قد مات فعلا كما يقال، لما ضحك على تلك الأعمال حتى الآن.
الجمهور لم يتغير كثيرا.
الجمهور ما زال يبحث عن الكوميديا الحقيقية عن الشخصية الطريفة، والموقف الذكي، والحوار المكتوب بإتقان، والمفارقة التي تخرج من قلب الدراما لا من جيب المؤلف.
أما الذي تغير فهو أن بعض صناع الكوميديا توقفوا عن صناعة الكوميديا أصلا، وقرروا الاكتفاء بإعادة تدوير ما يطفو كل صباح على سطح السوشيال ميديا.
ولهذا السبب لا يبدو المشاهد اليوم وكأنه فقد حاسة الضحك.
بل يبدو كمن دخل مطعما طلب فيه وجبة كاملة، فقدموا له كيسا من الإفيهات وقالوا له في ثقة: تفضل.
هذا هو العشاء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك