لضمان عدم تمكن الولايات المتحدة من المبادرة بشن ضربة على ترسانتها النووية، تكشف صور أقمار اصطناعية أن الصين تبني مجمعاً عسكرياً ضخماً في منطقة صحراوية نائية، علماً أن الصواريخ النووية الصينية قادرة بالفعل على الوصول إلى أي مدينة في الولايات المتحدة.
وتظهر الصور التي راجعتها" رويترز"، الجمعة الماضي، أن بكين تبني شبكة مترامية الأطراف من منصات الإطلاق والمخابئ ونقاط الاتصال بالقرب من الصوامع النووية المعزولة، والتي تحتوي على صواريخ الجيش الصيني الأطول مدى.
وتكشف الصور عن أكثر من 80 منصة يمكن أن يستخدمها أسطول قاذفات الصواريخ المتنقلة وبطاريات الدفاع الجوي المتنامي في الصين.
ونقلت" رويترز" عن ثلاثة محللين أمنيين قيّموا الصور أن هذه الصور تظهر أيضاً منشآت قد تستخدم في الحرب الإلكترونية والاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية وعمليات القيادة.
ويشير حجم الإنشاءات، الذي لم ترد عنه تقارير من قبل، إلى توسّع على نطاق كبير في البنية التحتية المحصنة المصممة لحماية وتشغيل القوات النووية البرية الصينية.
وبشكل عام، تشير هذه الشبكة إلى تقدم كبير في جهود بكين الرامية لضمان القدرة على توجيه ضربة ثانية.
تتمحور البنية التحتية الجديدة، وفق الصور المنشورة، حول منشأتين على شكل مثمن في شرق شينجيانغ، تم بناؤهما جنوب غربي حقل صوامع هامي النووية، إحداهما على بعد نحو 140 كيلومتراً، والأخرى على بعد نحو 230 كيلومتراً.
وتُظهر الصور أن الهياكل مثمّنة الشكل تضم مساكن للأفراد ومركبات عسكرية كبيرة، وتحيط بها ملاجئ مدرعة ومناطق محصنة لتخزين الأسلحة، بالإضافة إلى مطارات ومحطات سكك حديدية تربط هذه الهياكل بصوامع هامي.
ويقع كل هيكل مثمن في قلب شبكة من الطرق الترابية والقنوات الممتدة في الصحراء، والتي تتصل بمنصات إطلاق خرسانية تقع بين نتوءات صخرية ومجاري أودية جافة.
وتشكل القدرة على حماية صوامع الصواريخ في الصحراء، وفق" رويترز"، عاملاً أساسياً في تحقيق هدف الصين المعلن المتمثل في تشكيل رادع نووي محدود لكن موثوق به، وهي سياسة تستند إلى القدرة على الرد إذا تعرضت لضربة أولاً.
وفي حين أن جيش التحرير الشعبي الصيني قادر على إطلاق أسلحة نووية من الغواصات والطائرات، فإن حقول الصوامع في منطقة شينجيانغ الشمالية الغربية وإقليم قانسو المجاور تشكل حجر الزاوية لقوات الصين النووية.
ولم ترد وزارة الدفاع الصينية على الأسئلة المتعلقة ببرنامجها النووي والتطورات التي كشفت عنها صور الأقمار الصناعية.
وقالت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إنها لن تعلق على الأمور المرتبطة بالاستخبارات.
تؤكد هذه الإجراءات احتدام المنافسة النووية مع الولايات المتحدة مع تصاعد التوتر بين البلدين حول قضايا مثل تايوان.
وسبق أن حذّر الرئيس الصيني شي جين بينغ نظيره الأميركي دونالد ترامبالذي زار بكين الشهر الحالي، من أن سوء إدارة الخلافات بين بلديهما حول تايوان، التي تعتبرها الصين جزءاً من أراضيها تابعة لها، قد يقودهما إلى وضع خطير.
وهذه ليست المرة الأولى التي يُكشف فيها عبر صور الأقمار الاصطناعية عن بناء صوامع جديدة، ففي عام 2021، نشرت تقارير غربية صوراً تشير إلى بناء الصين ببناء صوامع صواريخ في مقاطعة قانسو غربي البلاد.
ومنذ ذلك الحين بات العالم يولي اهتماماً بالغاً لقوة الصواريخ التابعة للجيش الصيني.
واعتبر محللون على نطاق واسع استمرار اكتشاف حقول صوامع الصواريخ النووية بمثابة توسع سريع لقدرات الردع الصينية.
في عام 2024 قدّر" بنتاغون" أن الصين ستمتلك ما يصل إلى ألف سلاح نووي بحلول عام 2030وفي عام 2024، قدّرت وزارة الحرب الأميركية (بنتاغون) أن الصين ستمتلك ما يصل إلى ألف سلاح نووي بحلول عام 2030، في حين تعمل بكين على تطوير أنواع جديدة من الصواريخ لحمل هذه الرؤوس الحربية.
أما خلال العرض العسكري الذي أقيم في الثالث من سبتمبر/ أيلول 2025، بمناسبة الذكرى الـ80 لما يسمى بـ" يوم النصر" على اليابان خلال الحرب العالمية الثانية، فقد استعرضت الصين ترسانتها من الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، بما في ذلك صاروخ" دي أف- 31 بي جي" (DF-31BJ) الجديد المُطلق من الصوامع، وصاروخ" دي أف-61" (DF-61) الجديد.
ولعقود من الزمن، صرّحت الصين بأنها تحافظ على قوتها النووية عند الحد الأدنى المطلوب للأمن القومي وأنها لا تدخل أبداً في سباق تسلح مع أي جهة، مشددةً على تمسكها بسياستها الراسخة المتمثلة في عدم البدء بالاستخدام الأول للسلاح النووي، والالتزام في الدفاع عن النفس.
لكن التقديرات تشير إلى أنها سرّعت من وتيرة بناء ترسانتها النووية، إذ وسّعت ترسانتها من نحو 500 رأس حربي في أوائل عام 2024 إلى نحو 600 رأس بحلول يناير/كانون الثاني 2025، وفقاً لمعهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري).
ويتوقع مراقبون أن إجمالي عدد الرؤوس الحربية لدى بكين قد يصل إلى ألف رأس بحلول عام 2030.
يشار إلى أن روسيا تمتلك أكبر ترسانة نووية في العالم بـ5459 رأساً نووياً، والولايات المتحدة 5177 رأساً نووياً، وفق معهد سيبري، فيما تمتلك الدولتان معاً نحو 90% من الأسلحة النووية في العالم.
الصين تواصل تحديث قواتها الصاروخيةفي هذا الصدد أوضح الباحث في معهد الدراسات الاستراتيجية في تايبيه، خون وانغ، لـ" العربي الجديد"، أن الصوامع الجديدة هي" عبارة عن منصات لإطلاق الصواريخ النووية من فوق سطح الأرض، وهي محصّنة ضد الضربات الصاروخية المعادية بطبقات خرسانية".
وأشار إلى أنه" بحسب تقديرات غير رسمية، فإن جيش التحرير الشعبي الصيني يُشغل حالياً نحو 720 منصة إطلاق صواريخ برية قادرة على حمل رؤوس نووية"، لافتاً في الوقت نفسه إلى أنه" ليس بالضرورة أن تكون جميع هذه المنصات مُخصصة لحمل رؤوس نووية".
خون وانغ: هناك أكثر من 450 منصة مجهزة لحمل صواريخ قادرة على الوصول إلى الأراضي الأميركيةمن بين هذه المنصات، وفق خون وانغ، هناك" أكثر من 450 منصة مجهزة لحمل صواريخ قادرة على الوصول إلى الأراضي الأميركية، في حين تُستخدم المنصات الأخرى لإطلاق صواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى، وهي مُخصصة لمهام إقليمية، كاندلاع حرب في مضيق تايوان، أو مواجهة عسكرية مفتوحة مع الهند".
ولفت خون وانغ إلى أن" بكين تواصل تحديث قواتها الصاروخية القادرة على حمل رؤوس نووية على المدى الطويل"، مضيفاً أن" وتيرة هذا الجهد تسارعت، كما توسع نطاقه بشكل ملحوظ خلال السنوات العشر الماضية، مع تركيز عمليات البناء في مناطق غربي الصين، بسبب طبيعتها الصحراوية وبُعدها عن التجمعات السكانية في البلاد".
يشار إلى أنه منذ أول تجربة نووية لها عام 1964، حافظت الصين على سردية ثابتة حول الغرض من أسلحتها النووية.
وأعيد تأكيد هذه السردية في سياسة الدفاع الوطني الصينية المحدثة لعام 2023.
وبحسب أحدث تقرير" مراجعة الوضع النووي" الأميركي (في 2022، وهو وثيقة يصدرها بنتاغون)، فإن مسار الصين في توسيع ترسانتها النووية قد يوفر لها خيارات جديدة قبل وأثناء الأزمات أو النزاعات لاستخدام الأسلحة النووية لأغراض قسرية، بما في ذلك الاستفزازات العسكرية ضد حلفاء الولايات المتحدة وشركائها في المنطقة.
ومع ذلك، يبقى من غير الواضح ما إذا كانت الصين ستستخدم الأسلحة النووية للرد على التدخل ضمن استراتيجيتها التي تهدف إلى الحد من الوجود الأميركي في محيطها، خصوصاً في بحر الصين الشرقي، وبحر الصين الجنوبي، وكذلك تحقيق إعادة توحيد تايوان بالقوة العسكرية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك