ما يفعله العدو الصهيوني في الأراضي اللبنانية الآن ليس له مسمّى آخر غير الاحتلال، ومن علامات احتقار الذات وانعدام الكرامة أن يصفه أحد من العرب واللبنانيين بأنه توغّلٌ عابرٌ أو توسعٌ مؤقتٌ في مناطق إضافية يراها الصهيوني ضرورية لتأمين وجوده وحركته في الحرب على الجنوب.
والحال كذلك، التركيز على لوم المقاومة ممثلة في حزب الله، وترديد المقولات المنتجة في مصانع الدعاية الأميركية الصهيونية عن توريط لبنان في معركة إيرانية هو من قبيل التسليم بحق الكيان الصهيوني في استباحة الأراضي اللبنانية، وقتما وكيفما شاء، وبالقدر الذي يراه مناسباً لكي يشعر بالأمان.
أما الاستمرار في التفاوض، مباشراً أم غير مباشر، مع الاحتلال في اللحظة التي يقضم فيه قطعة تلو قطعة من الجغرافيا اللبنانية فهو بمثابة تبريرٍ وقبول ضمني بهذه الاعتداءات، ومحاولة ترويج منطق فاسد لا يختلف كثيراً عن منطق جماعة أنطوان لحد المتصهينة أيام احتلال العام 1982، مع فارق وحيد، أن نطاق اللحدية المتعاونة مع العدو كان مقتصراً على مناطق الجنوب.
الحاصل الآن أن التصريحات الإسرائيلية الرسمية تترى أن احتلال قلعة الشقيف ليس مشروعاً وقتيّاً، بل هو واقع جغرافي جديد، يُراد أن يكون مستقرّاً، وأن تغيير الحدود مع لبنان هدف استراتيجي وليس مرحليّاً في العقل الصهيوني، بل والعقل الأميركي الترامبي أيضاً.
وقد أعلن دونالد ترامب غير مرّة أنه يجب توسيع مساحة الاحتلال الصهيوني في المحيط الجغرافي العربي، إذ قال في أغسطس/ آب 2024، بالحرف الواحد، " إسرائيل دولة صغيرة جدا.
مكتبي يشبه الشرق الأوسط، وهل ترى هذا القلم في يدى إنه جميل جدا بالمناسبة، إسرائيل تشبه رأس هذا القلم فقط، وهذا ليس جيداً، أليس كذلك؟ لقد استخدمت هذا تشبيها وهو تشبيه دقيق جدا في الواقع، إنها دولة صغيرة جداً، ومن المذهل أنهم تمكّنوا من تحقيق ما حققوه، إنها بالفعل مساحة صغيرة جداً".
شهور بعد ذلك، وقبل أن يستقبل نتنياهو بعد فوزه برئاسة الولايات المتحدة، وخلال إجاباته على الصحفيين في المكتب البيضاوي، ردّ ترامب، الإثنين، بإجابة غامضة عندما سأله صحفي في البيت الأبيض عمّا إذا كان يؤيد ضم إسرائيل إلى الضفة الغربية المحتلة، وقال في البداية: " لن أتحدّث عن هذا، لكن مساحة إسرائيل صغيرة جداً".
ثم كان واضحاً تمامًاً في هذه المسألة، عندما قال، في تصريح نشرته القناة الـ12 الإسرائيلية، إن" مساحة إسرائيل تبدو صغيرة على الخريطة، ولطالما فكّرت كيف يمكن توسيعها".
ما يقوم به الاحتلال الصهيوني هو التنفيذ العملي لوعد ترامب، أو أفكاره وأحلامه من أجل إسرائيل، والذي تحوّل إلى برنامج عمل لمشروع صهيوني محدّد المعالم والخطوات في العقل الإسرائيلي الحقيقي، ممثلًا في الثلاثي" نتنياهو وسموتريتش وبن غفير" لتكون كل مدينة عربية غزّة محتملة، بل مؤكّدة وفق عقيدة وزير المالية الصهيوني، التي هي عقيدة نتنياهو نفسه، والتي قلت سابقاً إنها لم تعُد مخبّأة تحت أقنعة التطبيع والسلام الزائف، بل صارت جدول أعمال معلناً ويجري تنفيذه على الأرض، وقد تحدّث عنه سموتريتش في وثائقي القناة الفرنسية arte قبل شهر، وحدّد فيه ملامح إسرائيل الكبرى، تلك التي تأخذ عنوانًا آخر مخففًا عند بنيامين نتانياهو فيسميها" إعادة ترتيب الشرق الأوسط" كما تريده إسرائيل بالطبع، وحين سألت المحطة الفرنسية الوزير الصهيوني النافذ عن تصوره لشكل" الدولة"، أجاب بأنها دولة يهودية تدار وفق قيم الشعب اليهودي، ثم سئل عن حدودها، هل سيادة إسرائيل من البحر إلى نهر الأردن فقط، أم أنها ستحتل الضفة الأخرى من نهر الأردن؟ ، فيجيب سموتريتش بابتسامة الواثق" شيئًا فشيئاً بالنسبة لكبار حكمائنا الدينيين قدر القدس أن تمتدّ إلى دمشق".
هذا عن العاصمة، كما يحلم بها الصهيوني.
أما عن الدولة، وكما أظهر وثائقي القناة الفرنسية، فإنها تشمل الأراضي الفلسطينية، وأيضاً أراض في الأردن وسورية ولبنان والعراق ومصر، وحتى في السعودية.
مشكلة العقل العربي الرسمي أنه يتعاطى مع هذا الوضوح الصهيوني السافر بالتعامي أو الاختباء خلف أوهام مثل تقسيم المجتمع الإسرائيلي إلى متطرّفين ومعتدلين، طيبين وأشرار.
وبدلاً من صياغة مشروع عربي موحد للتصدي لطوفان الصهينة، راح العرب الرسميون يصطفّون موحّدين ضد" طوفان الأقصى"، في المركز حيث غزّة، وفي الأطراف حيث جنوب لبنان واليمن، الأمر الذي يجعلهم نظرياً وعمليّاً مصطفّين مع الرؤية الأميركية الصهيوني، وتجلياتها العسكرية التي تتخذ شكل حروب الإبادة والتغيير الديموغرافي، لنهبط إلى القاع أكثر فتكون لدينا" القضية اللبنانية" جنباً إلى جنب" القضية الفلسطينية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك