ما يلفت النظر في كتابات من يتابعون أحوال حرب السودان التي وقفت بعضُ أطرافٍ محلية وإقليمية ودولية عاجزة عن إيجاد مخرجٍ آمنٍ لها وللسودانيين من مطبَّات القتل المجاني، والخراب المُمنهج لمقدّرات السُّودان البشرية والمادية، أن محورها هو سؤال الشرعية.
يدور القتل البشع خلال تلك الحرب، إما بأسلحة تقليدية ممّا نعرف، أو بأسلحة من آخر ما ابتدع العقل الإنساني الشرير، من صواريخ ومسيّرات ما أنزل مثلها إنسان القرن الحادي والعشرين بسلطانٍ، أقوى من ذي قبل.
ما أكثر ما نسمع عن ضياع الشرعية لأيّ نظامٍ يُجاهد أن يزعم سيطرته على أمور السُّودان، من بورتسودان أو الخرطوم أو أي مدينة أخرى.
بدا المشهد وكأنَّنا نتابع مباراة تجري في ملعبٍ، يلهث فيه اللاعبون حثيثاً لاكتساب صفاتٍ ومكوَّناتٍ، تعزّز سيطرة شرعية لأيٍّ من أولئك اللاعبين.
تبدو صورة الأوضاع في السودان مربكة أقصى حالات الإرباك، والحرب تمضي من دون هوادة في عامها الرابع، والمجتمع الدَّولي والإقليمي يتابع بلا فعل جاد.
ترك التنافس اللامجدي في السودان حول جائزة الشَّرعية الطرفين الغارقين في سجالات القتال والتخريب في حالٍ من التسيّب وإضعاف الهيبة عند كليهمافيما يقود قائد الجيش السوداني الرّسمي حربه ضد حليفه السابق، قائد قوات الدعم السريع التي انسلخت عن الجيش السوداني، وهو الذي أنشأها أوَّل مرَّة، هو يسمّي قتاله ضدّها منذ أربعة أعوام حرباً لاستعادة الكرامة.
لم يقف القتال الدائر عند محطة، فلا انتصار واضح لطرفٍ على آخر، فيما تنشقّ قيادات من قوات الدَّعم السريع، وقد كانت أصلاً من ضمن القوات المسلحة السودانية النظامية.
يرحّب قائد الجيش بانسلاخ المنشقين عن" قوات السريع"، أيّما ترحيب.
في وقت يزداد نشاط المتطوعين ممّن يقاتلون إلى جانب الجيش الرَّسمي، وفيهم من لا يخفي ولاءه للنظام السّابق الذي أسقطته انتفاضة ديسمبر (2018)، ويتطلع إلى استعادة حكم الإسلاميين، غير أن قائد الجيش ينفي بإصرار وجود أي" كيزان" من أتباع النظام السابق في صفوف مناصريه.
وهكذا ترتبك المشاهد في السودان وتتعقد.
قائد الجيش الجنرال عبد الفتاح البرهان، والذي يترأس المجلس السيادي للدولة من ميناء بورتسودان، ثم من الخرطوم حالياً، يواجه معضلة إعلان قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي) الذي تمرّد عليه، لحكومة سمَّاها" تأسيس" في نيالا، من كُبرى مُدن دارفور، ثم يواصل اتهام الجنرال البرهان بموالاة نظام الإسلاميين السابق.
غير أن الأخير لا يفتأ يكرّر نفيه وجود عناصر الإسلاميين ضمن مناصريه في الجيش الرَّسمي، أو ضمن المُكلَّفين الذين يديرون أمر الحكم معه، كأمرٍ واقع من العاصمة.
وفي الجانب الآخر، والتراشق بالمجانق (جمع منجنيق) الإلكترونية وبالخوارزميَّات المبتكرة، يتواصل على حاله بين طرفي الحرب، يدّعي قائد" الدعم السريع" ومناصروه أنَّ لهم شرعية وأعلنوا حكومة مستقلة أسموها" حكومة تأسيس" في نيالا وبعض أجزاء من إقليم دارفور الذي يسيطرون عليه.
يبدو المشهد في السودان، وكأنه مشرفٌ على تفكيكٍ، أو انقسامٍ إلى حكومتين أو أكثر، كلُّ واحدة تزعم إنها تملك الشَّرعية.
هكذا تتهاوَى دولة كانت من أوائل الدول في القارّة الأفريقية التي نالت استقلالها بسيادة كاملة عام 1956.
يتقاتل أبناء البلد الواحد، فيما تراوح جهود المجتمع الدولي في مكانها وأطرافه الفاعلة، تتفرّج مثل قيصر روماني يستمتع من منصّة في" الكولوسيوم"، على مشاهد مصارعة سيقتل أحدُ المصارعين فيها غريمه.
لك أن تنظر إلى جولات قائد الجيش رئيس المجلس السيادي وجولات قائد قوات الدعم السريع المتمرّد عليه، سترى مبلغ ما انحدرت إليه ما بقيت لدولة السُّودان من هـيبة ومن احترام.
ترك التنافس اللامجدي في السودان حول جائزة الشَّرعية الطرفين الغارقين في سجالات القتال والتخريب في حالٍ من التسيّب وإضعاف الهيبة عند كليهما.
لك أن تنظر إلى جولات قائد الجيش رئيس المجلس السيادي وجولات قائد قوات الدعم السريع المتمرّد عليه، سترى مبلغ ما انحدرت إليه ما بقيت لدولة السُّودان من هـيبة ومن احترام.
من المؤسف ألا تلاقي جولات كليهما ذلك الاستقبال اللائق في زياراتهما الخارجية.
لا نرى رصفاء دستوريين في استقبال مناسب في المطارات، بل لا نرى الشكليات التقليدية من أبسطة حمراء، أو سلام رسمي يُعزف، أو حتى أعلام رسمية نُرفع بصورة تحترم الهيبة والتقدير لشرعية يدعيانها.
من له مكانة رأس الدولة ينبغي أن يلتقيه رصيفه منذ لحظة هبوط طائرته الرسمية في مطار الدولة حتى ساعة مغادرته، لا أن تترك المهمّة لممثل مراسمي.
يقع كل ذلك الإهمال ولا يتاح للزائر" السامي" من السودان، أن يلتقي بأجهزة الإعلام في البلد المضيف إلا في حدود، وربما لا يسمح له بإطلاق تصريحات من أيّ نوع.
وتلك المعاملات المراسمية، على شكليّتها، تظلَّ من أصول الاعتراف للضيف الرّسمي بشيءٍ من شرعية وضعه السياسي السيادي ووظيفته التي يدّعيها في بلاده.
من مُسلَّمات السُّـلطة السياسية عند ماكس فيبر أنَّ شرعيتها تُكتسب في حالاتٍ ثلاث: إمَّا أنها تقليدية تاريخية راسخة كما في الأنظمة الملوكية أو القبلية، أو أن تقوم على توافقٍ مؤسَّسي ذي ثوابت قانونية عامّة، أو أن تتحقّق بعد قبول لكاريزما طاغية من طرف إجماع الشعب.
لننظر في كلمة" كاريزما" نفسها، التي باتت من مصطلحات العلوم السياسية الشائعة.
بعد أنْ خلَّصها عالم الاجتماع، ماكس فيبر، من ظلالها الدينية، صارت" الكاريزما" وصفاً لحالةٍ من السيطرة، تتصل بالموهبة والحضور والإلهام وقوة التأثير، بما يعزّز السيطرة على الجماعة.
نرى في التاريخ القريب حالاتٍ من القيادات الكاريزمية، ممن لا تخطئهم عَـينٌ، منهم الخيار كما منهم الأشرار، مثل أدولف هتلر أوفلاديمير لينين أوماو تسي تونغ أو تشاوسيسكو وأشباههم كثر في سنوات القرن العشرين.
وليسَ للأنظمة الكاريزمية من استدامة ورسوخ، إلا إنْ تعلقتْ أقدارها بأقدار القائد الكاريزمي، فثباتها من ثباته ورسوخها من رسوخه.
تزول سلطة" الزعيم" الكاريزمية بزواله، إنْ هوى هَوتْ معه.
وفي حالة السودان المُعلَّق بين قوى متعدَّدة تتقاتل فيما بينها، فإنَّ الشرعية كُرة تتقاذفها تلك الأطراف، في تنافسٍ غير مشروع لاكتساب استدامةٍ مستحيلة.
تبدو صورة الأوضاع في السودان مربكة أقصى حالات الإرباك، والحرب تمضى من دون هوادة في عامها الرابع، والمجتمع الدَّولي والإقليمي يتابع بلا فعل جاد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك