إطلاق مبادرة “قادة طاقة المستقبل” (Future Energy Leaders)، من قبل سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة ممثل جلالة الملك للأعمال الإنسانية وشؤون الشباب رئيس مجلس إدارة شركة بابكو إنرجيز (Bapco Energies)، يمثل ترجمة عملية لتوجه البحرين الاستراتيجي نحو بناء قطاع طاقة قادر على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين.
وتمثل هذه المبادرة أكثر من مجرد برنامج تدريبي؛ إنها تؤسس لعقيدة فكرية لقطاع الطاقة البحريني تقوم على ثلاثي: الأمن، الاستدامة، الجدوى الاقتصادية (Security, Sustainability, Affordability).
وفي ظل واقع البحرين الفريد - كونها أصغر منتج للنفط في الخليج وأكثرها تضررا من نضوب الاحتياطيات - فإن المبادرة تتبنى نموذجا واقعيا متوازنا: لا قطيعة مع النفط والغاز؛ لأنهما يمولان الدولة ويؤمنان احتياجاتها، ولا جمود يرفض التحول الأخضر؛ لأن المستقبل يتطلب ذلك.
بدلا من ذلك، تبني البحرين جيلا من القادة الشباب القادرين على إدارة هذا التحول المعقد ببراغماتية وعقلية استثمارية.
أولا: الأبعاد الاستراتيجية للمبادرة1 - البعد الوطني: تأمين مستقبل الطاقة للبحرينتتصدى المبادرة لمعادلة صعبة تواجه المملكة؛ من ناحية، تنضب الموارد الهيدروكربونية المحلية وتصبح مكلفة الاستخراج، ومن ناحية أخرى، يرتفع الطلب على الطاقة بشكل مطرد، وقد صرح سمو الشيخ ناصر بن حمد نفسه في كلمته بـ “CERAWeek 2023”:“نواجه واقعا جديدا حيث أصبحت موارد الغاز المحلية أكثر تكلفة وصعوبة في الاستخراج.
نحن نعمل جاهدين لتقليل مخاطر بعض هذه الفرص، بما في ذلك الموارد البحرية، من خلال برنامج زلزالي ثلاثي الأبعاد شامل مخطط له العام المقبل”.
2 - البعد الإنساني: تمكين الشباب والكوادر الوطنيةتركز المبادرة على بناء جيل جديد من القيادات الشابة في قطاع الطاقة، إذ يشارك هؤلاء القادة في المشاريع والتحديات العالمية، ويعملون جنبا إلى جنب مع الخبراء المخضرمين وكبار صناع القرار.
هذا يتماشى مع دور سموه كممثل لجلالة الملك للأعمال الإنسانية وشؤون الشباب، حيث يدمج بين تنمية الشباب وأمن الطاقة الوطني.
3 - البعد العالمي: التفاعل مع المجتمع الدولي للطاقةتضع المبادرة البحرين على خريطة الحوار العالمي بشأن تحول الطاقة؛ فمن خلال برنامج Future Energy Leaders التابع للمجلس العالمي للطاقة (World Energy Council)، ينخرط القادة البحرينيون الشباب في المحادثات الإقليمية والدولية، ويعملون على مشاريع مبتكرة تسهم في تحقيق الحياد المناخي مع التركيز على مبادئ “أنسنة الطاقة”، أي جعلها في المتناول وعادلة للجميع.
ثانيا: الأسس والمعايير المؤسسة للمبادرةالأساس الأول: الجدوى الاقتصادية قبل الطموح البيئيخلافا لبعض الدول التي تتبنى أهدافا طموحة لكنها غير واقعية، ترتكز استراتيجية البحرين على مبدأ الواقعية الاقتصادية؛ فالدولة تدرك محدودية أراضيها وارتفاع كثافتها السكانية؛ ما يحد من إمكانات الطاقة المتجددة مقارنة بجيرانها.
الأساس الثاني: الشراكة مع القطاع الخاص والاستثمار الأجنبيفي لقاء سموه مع رؤساء شركات الطاقة العالمية شدد على أن “قطاع الطاقة يمر بتحول كبير، يركز على تحقيق أمن الطاقة وتعزيز التنمية المستدامة من خلال مبادرات تهدف إلى جذب الاستثمار الأجنبي”.
وهذا يتجسد في الشراكات الموقعة بالفعل، وعلى رأسها الاتفاق مع شركة أكوا باور السعودية لإنشاء محطة شمسية عملاقة بقدرة 2.
8 جيجاواط في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، ستنقل طاقتها النظيفة إلى البحرين، وذلك يؤكد تعزيز دور القطاع الخاص في التنمية المستدامة.
الأساس الثالث: الحوكمة والتخطيط المؤسسي المتكاملالمبادرة لم تأتِ صدفة، بل جاءت ضمن إطار مؤسسي محكم يقوده:- مجلس إدارة “بابكو إنرجيز” برئاسة سمو الشيخ ناصر بن حمد.
- اللجنة الوطنية المنبثقة عن الخطة الوطنية لكفاءة الطاقة (NEEAP)، والخطة الوطنية للطاقة المتجددة (NREAP).
- وحدة الطاقة المستدامة بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
الأساس الرابع: التوافق مع الرؤى الوطنية والإقليمية والدولية1 - التوافق مع رؤية البحرين الاقتصادية 2030تتشابك المبادرة بشكل وثيق مع ركائز رؤية البحرين الاقتصادية 2030، ومنها الالتزام بخفض الانبعاثات وتحقيق الحياد الكربوني بحلول 2060، مع هدف 20 % طاقة متجددة بحلول 2035، وتحويل البحرين إلى مركز لوجستي ومكرر نفطي إقليمي، والاستفادة من موقعها القريب من المنطقة الشرقية السعودية، وضمان أمن الطاقة بتكلفة معقولة للمواطنين، مع إصلاح تدريجي لدعم الكهرباء والمياه.
2 - التوافق مع التكامل الاقتصادي الخليجيالمبادرة تعزز التعاون مع دول الجوار، خاصة السعودية؛ فمشروع الطاقة الشمسية عبر الحدود مع “أكوا باور” ليس مجرد صفقة تجارية، بل “ممر طاقة نظيفة” يربط المملكتين ويسهم في تحقيق رؤى التنويع الاقتصادي لكليهما، وينسجم مع الربط الكهربائي الخليجي والمبادرة الخليجية الخضراء ورؤية السعودية 2030.
3 - التوافق مع التوجه العالمي للطاقةتعكس المبادرة إدراك البحرين أن تحول الطاقة ليس خيارا بل ضرورة؛ بسبب:- آليات تعديل الكربون الحدودية الأوروبية (CBAM) التي تهدد تنافسية الصادرات الصناعية.
- الضغوط الدولية والالتزامات المناخية (COP26) واتفاقية باريس.
- رغبة المستثمرين العالميين في ضخ أموالهم بمشاريع مستدامة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك