يقول الصديق: الديمقراطية ستظل نبتة غريبة وذابلة في أرض العرب والمسلمين، لأسباب عديدة، أهمها الثقافة المعادية للحرية والميل إلى التقديس، وعدم الفصل بين مؤسسات الدولة والمؤسسات الدينية، والنظر إلى الناس باعتبارهم مؤمنين بدلا من النظر إليهم باعتبارهم مواطنين، وقصر النظر إلى الأمة، بدلا من النظر إلى الفرد كعقل حر.
قلت للصديق: هذا الكلام صحيح كتوصيف، لكنه يخفي العديد من التعقيدات، وهو قريب مما كان يردده المستشرق برنار لويس.
وهو كلام يضع الموضوع في سياق عدمي.
أما ما أراه قريبا من الحقيقة على مستوى التشخيص أن بناء الديمقراطية ونجاحها واستمرارها لا يمكن أن يتحقق من خلال القوى والنخب الاجتماعية التي لا تؤمن بالحرية ومدنية الدولة والمواطنة المتساوية، لأنها بطبيعة تركيبتها ومصالحها ومرجعياتها لا تتقبل مقتضيات الحرية فما بالك بالديمقراطية، والمساواة بين الرجال والنساء، فهذه قيم تتعارض مع مصالحها القائمة على الهيمنة على جمهور المؤمنين.
قال الصديق مقاطعا: أرى أن الطبقة الوسطى نفسها لم تعد موجودة بالكيفية التي تتحدث عنها نظريا، وإن وجدت فهي مشوهة لا يمكن التعويل عليها، لأنها غير قادرة على عمل شيء لصالح الحرية والديمقراطية ومدنية الدولة، ألم نشاهد خلال الأزمات التي مرت بها بعض البلاد العربية الآلاف من أبناء هذه الطبقة (من أطباء ومهندسين ومحامين وإعلاميين وأساتذة جامعات وغيرهم.
) ممن أعدتهم الدولة وبسطت أمامهم سبل العيش الكريم، قد انقلبوا عليها وعلى الحرية ومدنية الدولة وانحازوا إلى البنى الطائفية وإلى الزعامات المقدسة لديهم.
قلت للصديق: من الصعب اختزال الموضوع بهذا التبسيط، فمعظم هؤلاء المغيبين الذين يتوهمون إمكانية إيجاد شبكات أمان بديلة عن الدولة، من خلال الشعارات الشعبوية والدينية والطائفية، يعبرون عن حالة الإخفاق واليأس، بعد فشل المشاريع العلمانية وعجزها عن تقديم بدائل قابلة للاستمرار.
وقد أدى ذلك إلى تقدم مشاريع الإسلام السياسي التي استقطبت الآلاف من هؤلاء وحولتهم إلى جندها في العمل السياسي والدعاية، مستغلين مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات الخيرية للتقرب من الناس وتوظيف خطابات مضللة لجذب الجمهور وإيهامه بأن وصولهم إلى الحكم سوف يجلب له التقدم والازدهار ويحل كل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية دفعة واحدة.
وللحديث صلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك