عندما اختار الاتحاد التركي لكرة القدم فينتشنزو مونتيلا لقيادة المنتخب الوطني في سبتمبر 2023، لم يكن كثيرون يتوقعون أن يتحول المهاجم الإيطالي السابق خلال فترة قصيرة إلى أحد أبرز المدربين الذين تركوا بصمة واضحة في تاريخ الكرة التركية الحديثة.
ويصل مونتيلا إلى كأس العالم 2026 بعدما نجح في قيادة تركيا إلى النهائيات للمرة الأولى منذ نسخة 2002، منهيا غيابا استمر 24 عاما عن أكبر بطولة كروية في العالم، وهو الإنجاز الذي أعاد الثقة لجماهير طال انتظارها للعودة إلى المسرح العالمي.
ويحمل مونتيلا، البالغ من العمر 51 عاما، مسيرة طويلة في كرة القدم بدأت لاعبا هدافا قبل أن يتحول إلى التدريب ويشق طريقه بين عدد من الأندية الإيطالية والأوروبية وصولا إلى المنتخب التركي.
وخلال مسيرته كلاعب، اشتهر مونتيلا بلقب" الطائرة الصغيرة"، في إشارة إلى احتفاله الشهير بالأهداف عندما كان يفرد ذراعيه كجناحين، وإلى قامته القصيرة نسبيا مقارنة بالمهاجمين التقليديين.
وبدأ مشواره الاحترافي مع إمبولي قبل أن يلفت الأنظار بقوة مع جنوه، حيث سجل 21 هدفا في موسم واحد، ليشق طريقه بعدها إلى دوري الدرجة الأولى الإيطالي عبر سامبدوريا.
لكن المحطة الأهم في حياته الكروية جاءت مع روما، النادي الذي ارتبط اسمه به لسنوات طويلة وأصبح أحد أبرز هدافيه التاريخيين.
وانضم مونتيلا إلى روما عام 1999، وساهم في تتويج الفريق بلقب الدوري الإيطالي موسم 2000 /2001، وهو اللقب الذي ما زال يمثل آخر تتويج للفريق بالعهد الحديث.
ورغم المنافسة الشرسة التي واجهها داخل الفريق، خاصة بعد التعاقد مع النجم الأرجنتيني جابرييل باتيستوتا، فإن مونتيلا حافظ على مكانته لدى جماهير روما بفضل أهدافه الحاسمة وأدائه اللافت في مباريات القمة.
ويظل اسمه محفورا في تاريخ ديربي العاصمة الإيطالية بعدما سجل أربعة أهداف في مباراة واحدة أمام لاتسيو عام 2002، وهو رقم قياسي لم ينجح أي لاعب آخر في تحقيقه في تاريخ المواجهة.
وعلى الصعيد الدولي، خاض مونتيلا 20 مباراة بقميص المنتخب الإيطالي وسجل ثلاثة أهداف، كما كان ضمن المنتخب الذي بلغ نهائي كأس أمم أوروبا عام 2000، وشارك كذلك في كأس العالم 2002.
وبعد اعتزاله عام 2009، انتقل سريعا إلى عالم التدريب، حيث بدأ العمل في الفئات العمرية لنادي روما قبل أن يتولى قيادة الفريق الأول بشكل مؤقت عام 2011.
ومن هناك بدأت رحلته التدريبية التي تنقل خلالها بين كاتانيا وفيورنتينا وسامبدوريا وميلان وإشبيلية الإسباني.
وشهدت تجربته مع فيورنتينا واحدة من أفضل فتراته التدريبية على مستوى الأندية، إذ قاد الفريق ثلاث مرات متتالية للمركز الرابع بالدوري الإيطالي، كما أوصله إلى نهائي كأس إيطاليا وإلى الدور قبل النهائي للدوري الأوروبي.
كما حقق أول ألقابه التدريبية مع ميلان عندما قاده للفوز بكأس السوبر الإيطالي عام 2016 على حساب يوفنتوس.
ورغم أن بعض تجاربه اللاحقة لم تحقق النجاح المنتظر، خصوصا مع إشبيلية الإسباني وفي فترته الثانية مع فيورنتينا، فإن مونتيلا تمكن من إعادة بناء سمعته التدريبية خلال تجربته مع أضنة دمير سبور التركي.
وفي النادي التركي نجح في تحقيق أفضل مركز بالدوري في تاريخ الفريق، وقاده لأول مشاركة أوروبية، وهو ما فتح أمامه الباب لتولي تدريب المنتخب التركي.
ومنذ وصوله إلى المنصب، بدأت النتائج الإيجابية بالظهور بسرعة، فقد قاد تركيا للتأهل إلى نهائيات كأس أمم أوروبا 2024، ثم حقق إنجازا جديدا ببلوغ دور الثمانية، وهو أفضل ظهور للمنتخب في بطولة كبرى منذ سنوات طويلة.
ولم يتوقف التطور عند هذا الحد، إذ نجح المنتخب التركي تحت قيادته في الصعود إلى المستوى الأول من دوري الأمم الأوروبية للمرة الأولى في تاريخه، قبل أن يحقق الإنجاز الأكبر بالتأهل إلى كأس العالم 2026.
ويعتمد مونتيلا على مزيج من الانضباط التكتيكي والمرونة الفنية، مستفيدا من جيل موهوب يضم عددا من أبرز اللاعبين الشباب في أوروبا، وهو ما جعل تركيا تتحول تدريجيا من منتخب يبحث عن الاستقرار إلى منافس قادر على إزعاج المنتخبات الكبرى.
ومع انطلاق كأس العالم، سيكون مونتيلا أمام أكبر اختبار في مسيرته التدريبية حتى الآن.
فالرجل الذي صنع اسمه لاعبا هدافا في الملاعب الإيطالية، ومر بتجارب متعددة على مقاعد التدريب، أصبح اليوم مسؤولا عن قيادة حلم أمة كاملة تتطلع لرؤية منتخبها ينافس مجددا بين كبار العالم.
وبالنسبة للكثيرين في تركيا، لم يعد مونتيلا مجرد مدرب أجنبي، بل أصبح الرجل الذي أعاد المنتخب إلى الخريطة العالمية بعد أكثر من عقدين من الغياب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك