كثيراً ما يخلط الناس عادة بين مسرحيتين للكاتب الهزلي الإغريقي أرِسْطُفان تدوران من حول موضوعين متقاربين، لكنهما ليستا الموضوع نفسه.
ومن ذلك ما حدث قبل سنوات حين اقتبس فيلم لبناني شوهد في مهرجان كان موضوعه، معارضة الحروب بشكل عام وخوض الرجال هذه الحروب من دون مبررات حقيقية بشكل أكثر خصوصية.
فيومها أشار البعض إلى أن الفيلم مقتبس من واحدة من المسرحيتين فيما نسب الآخرون موضوع الفيلم إلى المسرحية الثانية.
والحقيقة أن المسرحيتين المعنيتين هما" حكم النساء"، و" مجلس النساء".
ولئن كانت الأولى معروفة بما فيها من إضراب تقوم به نساء المدينة احتجاجاً على هرولة الرجال لخوض الحرب، ما يجعل الإضراب امتناعاً من النساء عن القيام بواجبهنّ الزوجي، فإن الثانية هي الأهم طبعاً وبما لا يقاس، من الناحية الفكرية على الأقل، لأنها تخوض معركة النساء ضد الرجال من منظور تسلّم بنات الجنس اللطيف الحكم محل أبناء الجنس الخشن الذين يحتكرونه عادة.
إذا كنا نعرف المسرحية الأولى بعنوانها" ليزيستراتا"، فإن الثانية تحمل عنواناً أكثر علمية وهو" براكسا"، أو" مشكلة الحكم"، وهذا هو على الأقل العنوان الذي استخدمه الكاتب المصري توفيق الحكيم حين اقتبس المسرحية للخشبة المصرية في سنوات الـ 30 ما وفّر لها شهرة واسعة لدى نخبة القراء ومتفرجي المسرح الجاد في العالم العربي.
ولئن كان قد جرى كثير من الحديث عن" ليزيستراتا" يوم عرض الفيلم المذكور، فإن مسرحية" براكسا" بقيت في الانتظار لاستعادة ذكراها اليوم لمناسبات عدة، من أبرزها الثناء العالمي العام على أنظمة حكم، أوروبية بخاصة، تقوم فيها النساء بمسؤوليات الحكم وأثبتن نجاحها في ذلك، فنلندا على سبيل المثال.
نوع من وصية تعتبر مسرحية" مجلس النساء" واحدة من آخر المسرحيات الكبرى التي أبدعها أرِسْطُفان (450 - 385) قبل الميلاد، وهو كتبها متأخرة عن" ليزيستراتا" التي تعتبر أختها بأكثر من عقدين من الزمن، بحيث إن كثراً من الباحثين يرون أن مشكلة الحكم ظلال تشغل بال الكاتب طوال تلك المدة، وبالتالي، كان قد عبّر عن المشكلة عام 411 قبل الميلاد.
في الأولى، فإنه يبدو وكأنه وجد الحل في الثانية، وكتبه على شكل وصية عام 389 قبل الميلاد، أي قبل موته بأقل من أربع سنوات ولهذا الأمر دلاله.
كما أن ثمة دلالة خاصة لكونها" مجلس النساء" من أقل مسرحياته كوميدية، بمعنى أن ما جرحه فيها كان أكثر جدية مما فعل في أية مسرحية أخرى.
ولم يكن من الغريب أن كاتبنا العربي توفيق الحكيم قلّل إلى الحدود الدنيا، بدوره، من الأبعاد الكوميدية في الحوارات والنص والمواقف، ليقدم عملاً يتسم بقدر كبير من الجدية، وفي مرحلة كانت السياسة تتعثر في أماكن عربية كثيرة خلال المرحلة التي كان فيها قد زال سلطان الإمبراطورية العثمانية، ولم تولد بعد المراحل الاستقلالية.
في ذلك الحين كانت مطروحة، بقوة، مشكلة الحكم حتى وإن كان طرحها من ذلك المنظور الأرِسْطُفاني غريباً إلى حد كبير، غير أن هذا الأمر لم يشغل بال الحكيم كثيراً، فهو كان همه أن يقدّم مسرحاً جديداً لجمهور جديد، وأمّن" الحماية" لنفسه من خلال إبقاء المناخ الإغريقي للمسرحية كما هو، من دون أن يزعم أنه يحل مشكلة محلية، ومع ذلك تلقفت نسويات كثيرات الموضوع بترحاب ورحن يصغن استراتيجيات على أساسه، غير أن هذا ليس موضوعنا هنا بالطبع.
بين السخرية وأزمة الحكم، وإذ نعود هنا إلى أرِسْطُفان، سنجد أنه لعل أول ما يمكننا قوله في هذا المضمار، على أية حال، هو أن" مجلس النساء" تعتبر من أهم الكوميديات السياسية في المسرح الإغريقي القديم، وبخاصة لأنها لم تكن، وبحسب كبار الباحثين، مجرد عمل ساخر يهدف إلى الإضحاك، بل كانت نقداً عميقاً لأزمة الحكم والديمقراطية في أثينا بعد سلسلة الحروب المتعددة والانهيارات السياسية التي تعرضت لها.
وحسبنا للإشارة إلى هذا البعد، أن نذكر أن المسرحية عرضت، للمرة الأولى عام 392 قبل الميلاد في الفترة ذاتها التي شهدت فيها أثينا اضطرابات هائلة على إثر هزيمتها الساحقة أمام إسبرطة، فكان من الطبيعي أن يصور أرِسْطُفان المجتمع الأثيني وكأنه فقد الثقة بالسياسيين الرجال الذين يديرون شؤون الدولة.
ولأن المسرحية تصنّف، بل يجب حتى أن تصنّف، كوميدية، نراها تقوم في الأساس على حيلة طريفة إذ تتنكر نساء المدينة في ثياب وهيئات رجال، ويدخلن إلى مجلس الشيوخ صاحب السلطة العليا في البلاد، ثم يجتمعن على أنهنّ رجال ليقررن تسليم سلطات الدولة للنساء باعتبار" أننا، نحن معشر الرجال، كما تقول الناطقة المقنعة باسمهنّ، قد فشلنا في إدارة شؤون البلاد".
وهكذا من خلال هذه الفكرة التي من شأنها في ظروف أخرى أن تثير القدر الأكبر من السخرية، تمكن أرِسْطُفان من أن يفضح فساد الحياة السياسية، ويسخر من الشعارات الديمقراطية التي لم تمنع الفوضى ولم تحل دون استشراء الانتهازية.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)وعلى هذا النحو صفق الجمهور الأثيني طويلاً لهذه المسرحية وتبعته في ذلك جماهير المسرح في كل مكان اقتبست فيه المسرحية، وقدمت بشتى اللغات، وحول العالم، وصولاً إلى مصر من طريق توفيق الحكيم كما أشرنا.
أسئلة بالغة الجدية، لقد اكتسبت مسرحية" مجلس النساء" بشكل خاص، أهميتها بوصفها نموذجاً مبكراً للمسرح السياسي الذي يستخدم الكوميديا أداة للنقد الاجتماعي والفكري، والسياسي حتى.
وقد امتد تأثير المسرحية عبر العصور باعتبارها طرحت أسئلة حقيقية لا تزال حاضرة: من الأجدر بالحكم؟ هل الديمقراطية تكفي وحدها لتحقيق العدالة؟ وهل يمكن حقاً أن تتحول السلطة إلى وسيلة لتحقيق المصالح الخاصة؟ ومهما يكن من أمر، يمكننا أن نختم هنا قائلين إن أهمية" مجلس النساء" لا تقتصر على قيمتها التاريخية، بل تمتد إلى قدرتها على إلهام كتاب كبار من طينة توفيق الحكيم، الذي استخدمها ليعبّر عن أزمة الحكم والديمقراطية في عصره وليحول الكوميديا الإغريقية القديمة إلى سؤال سياسي وفكري متجدد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك