رغم مرور أكثر من عامين على إطلاق الحكومة العراقية مشروع شراء أسلحة المواطنين وتسجيلها ضمن خطة" حصر السلاح بيد الدولة"، لا تزال النتائج الفعلية للحملة محل تساؤلات واسعة، في ظل غياب أرقام تفصيلية محدثة عن حجم الأسلحة التي جرى سحبها، واستمرار مظاهر التسلح خارج الأطر الرسمية، الأمر الذي يثير نقاشاً متجدداً حول قدرة الدولة على إنهاء عسكرة المجتمع العراقي بعد عقود من الصراعات والاضطرابات الأمنية.
ولا توجد أي أرقام دقيقة حيال عدد أو كمية السلاح المتوفرة لدى المواطنين العراقيين، لكن تقديرات أمنية تتحدث عن نحو 13 مليون قطعة سلاح متوسط وخفيف، غالبيتها من أسلحة الجيش العراقي السابق عقب الغزو الأميركي للبلاد، فيما لا تظهر أي أرقام حول سلاح الفصائل البالغ عددها نحو 70 فصيلا مسلحا.
كانت وزارة الداخلية أطلقت في يناير/كانون الثاني 2024 مشروعاً لـ" حصر السلاح في يد الدولة"، يتضمن شراء الأسلحة من العراقيين، في إطار تنفيذ برنامج رئيس الحكومة السابقة محمد شياع السوداني بهدف سحب السلاح من المواطنين، وخُصصت بوابة" أور" الإلكترونية الحكومية بالإضافة إلى 697 مركزاً لشراء الأسلحة.
وهي المرة الأولى التي تلجأ فيها السلطات إلى شراء الأسلحة من العراقيين في إطار مشروع" حصر السلاح في يد الدولة" الذي عملت كل الحكومات في العراق منذ عام 2005 على تنفيذه من دون أن تحرز تقدماً في هذا الشأن، وبينما لم تنجح الوزارة في إنهاء الملف قررت لاحقاً تمديد فترة تسجيل الأسلحة حتى نهاية عام 2026، بعدما أشارت في نهاية عام 2025 إلى تسجيل أكثر من 250 ألف استمارة.
لكن مسؤولين ومراقبين يرون أن الأرقام المعلنة لا تعكس بالضرورة نجاحاً فعلياً في تقليص حجم السلاح المنتشر، خصوصاً أن العراق يعد من أكثر دول المنطقة انتشاراً للأسلحة الخفيفة والمتوسطة بين السكان، نتيجة الحروب المتعاقبة والانفلات الأمني الذي رافق مرحلة ما بعد عام 2003.
ويقول ضابط في الشرطة العراقية، فضل عدم الكشف عن هويته، إن نسب الاستجابة للحملة" لا تزال أقل بكثير من الطموحات الحكومية"، مؤكدا لـ" العربي الجديد"، أن" كثراً من المواطنين لا يرغبون في تسجيل أسلحتهم أو بيعها للدولة".
ويضيف أن" كثيراً من العائلات ما زالت تنظر إلى السلاح باعتباره وسيلة للحماية الشخصية، أكثر من كونه مخالفة قانونية"، موضحاً أن" المخاوف الأمنية المتراكمة خلال السنوات الماضية جعلت الاحتفاظ بالسلاح جزءاً من الثقافة الأمنية لدى شرائح واسعة من المجتمع".
مضيفا أن" وجود أسلحة خارج سيطرة الدولة لدى بعض الفصائل المسلحة والعشائر يمثل أحد أهم أسباب ضعف الإقبال على الحملة، إذ يتساءل كثير من المواطنين عن جدوى التخلي عن أسلحتهم الشخصية في وقت ما زالت جهات أخرى تحتفظ بترسانة السلاح خارج إطار الدولة".
وتتجنب وزارة الداخلية العراقية في كثير من الأحيان نشر أرقام تفصيلية دقيقة عن نتائج الحملة، لأن ما تحقق حتى الآن لا يرقى إلى المستوى الذي كانت الحكومة تأمل الوصول إليه عند إطلاق المشروع.
ويرى ناشط حقوقي عراقي أن المشكلة لا ترتبط بإجراءات التسجيل أو الشراء بحد ذاتها، بل بغياب معالجة شاملة لملف السلاح خارج الدولة.
وقال الناشط زياد البياتي، لـ" العربي الجديد"، إن" الحكومة لا تستطيع إقناع المجتمع بالتخلي عن السلاح إذا كان المواطن يشاهد في الوقت نفسه أسلحة منتشرة لدى فصائل مسلحة أو ضمن النزاعات العشائرية التي تتكرر في بعض المحافظات".
ويضيف أن أي" مشروع لنزع السلاح يجب أن يستند إلى مبدأ المساواة في تطبيق القانون، لأن التعامل مع سلاح المواطنين بوصفه المشكلة الوحيدة يضعف الثقة بالحملة ويجعلها تبدو انتقائية في نظر كثيرين"، مؤكدا أن" التخلص من عسكرة المجتمع العراقي لا يتحقق عبر شراء البنادق الفردية فقط، بل من خلال بناء شعور عام بالأمان وسيادة القانون، بحيث يقتنع المواطن بأن الدولة قادرة على حمايته من دون الحاجة إلى الاحتفاظ بسلاح داخل منزله".
ورفعت الحكومات العراقية المتعاقبة منذ سنوات شعار حصر السلاح بيد الدولة، إلا أن هذا الهدف ظل من أكثر الملفات تعقيداً بسبب تشابك الأبعاد الأمنية والسياسية والعشائرية، كما أن سنوات الحرب ضد تنظيم" داعش" الإرهابي وما سبقها من أعمال عنف طائفية عززت لدى كثير من العراقيين قناعة بأن السلاح يمثل ضمانة أخيرة في أوقات الأزمات.
ومع اقتراب الموعد النهائي الذي حددته الحكومة لتسجيل الأسلحة، تبقى الحملة الحكومية محدودة النتائج في ظل ضعف الاستجابة الشعبية وعدم وجود ضمانات حكومية واضحة تطمئن المواطن بأن سلطة الدولة كفيلة بحمايته من أي انتهاك أو خلل أمني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك