عندما اندلعت إحدى أسوأ أزمات الطاقة في العالم على الإطلاق في مضيق هرمز في فبراير (شباط) الماضي، قلة من الناس توقعت أن يكون اتصالها بالإنترنت، وليس فاتورة الغاز، أكثر جوانب حياتها اليومية تأثراً بالأزمة.
ولكن على عمق آلاف الأمتار تحت ناقلات النفط التي تتعرض لهجمات البحرية الإيرانية، تمتد مجموعة من الكابلات البحرية التي تلعب دوراً حيوياً في الاقتصاد العالمي، بحيث تساعد في تشغيل شبكة الإنترنت لدينا والحفاظ على التواصل بين دول العالم.
في وقت سابق من الشهر الجاري، طرحت طهران خططاً لفرض رسوم جمركية على الكابلات البحرية في مضيق هرمز، محذرة من أنها تشكل نقطة اختناق ضعيفة بالنسبة للاقتصاد الرقمي في المنطقة.
ليس الشرق الأوسط وحده معنياً بهذه الهواجس.
ففي أبريل (نيسان) الماضي، نفذت ثلاث غواصات روسية عملية سرية فوق الكابلات البحرية الموجودة شمال المملكة المتحدة، على رغم عدم تعرض أي منها لأضرار.
ويوم الجمعة الماضي، أعلنت المملكة المتحدة أنها ستُطبق قوانين جديدة صارمة لمعاقبة أي مخربين يتعمدون إتلاف كابلات الإنترنت البحرية، مع احتمال فرض عقوبة السجن عليهم.
كما اتهمت تايوان الصين بشن عدة هجمات على الكابلات البحرية في المنطقة.
وبالنسبة للجزيرة، التي تعتمد على 24 كابلاً فقط، يمكن أن يشكل هذا العمل خطراً كبيراً على أمنها القومي.
تنقل الكابلات البحرية أكثر من 99 في المئة من إجمالي حركة البيانات الرقمية الدولية، بحيث تشكل العمود الفقري غير المرئي للإنترنت وتسهل تبادل الرسائل الإلكترونية والمعاملات المصرفية والرسائل النصية وغيرها.
لكن ما يُسمى بالشبكة العالمية للكابلات البحرية هو في الواقع مجموعة متنوعة من" الممرات الضيقة" التي يتدفق من خلالها الإنترنت - وبعضها في مضيق هرمز والبحر الأحمر.
تُملك وتُشغّل الكابلات البحرية، التي يُقدّر عددها بنحو 600 كابل، بالدرجة الأولى من قبل كبرى شركات الاتصالات الخاصة في العالم، مثل" غوغل" و" ميتا" و" مايكروسوفت" و" أمازون"، إضافة إلى تحالفات أخرى.
وتعتمد الكابلات الحديثة على تقنية الألياف البصرية، إذ تنقل البيانات عبر خيوط لا يتجاوز عرضها سُمك شعرة الإنسان، وتُغلّف بعدة طبقات من العزل والحماية.
وترى شركة" تيلي جيوغرافي" المتخصصة في تحليل البيانات أن إجمالي طول الكابلات البحرية على مستوى العالم يتجاوز 1.
5 مليون كيلومتر، ويصل طول الكابل الواحد إلى نحو 20 ألف كيلومتر.
ويجري مد الكابلات بواسطة سفن ضخمة ومتخصصة تقوم بمدها تدريجاً، حيث تُدفن تحت قاع البحر في المياه الضحلة، وتُترك على القاع في الأعماق السحيقة، وذلك بعد إجراء مسح دقيق لطبيعة تضاريس قاع المحيط على طول المسار المحدد.
ويوضح توني أوسوليفان، الرئيس التنفيذي لشركة" ريتن" (RETN) المزودة لخدمات الإنترنت على مستوى العالم والتي تعمل بين أوروبا وآسيا أن" الجميع يعلم مواقع هذه الكابلات".
ويضيف" البحر الأحمر وخليج عُمان وأجزاء من بحر الصين الشرقي ومضيق دوفر هي أمثلة واضحة على ذلك.
ونظراً لحجم حركة البيانات التي تنتقل عبر هذه المسارات، فإن تعرضها لأي أضرار لن يؤثر على أطراف شبكة الإنترنت الأساسية فحسب، بل سيؤثر على قنوات اتصال رئيسة".
يمكن أن يتسبب أي تلف جسيم للكابلات في مشكلات كبيرة للمستهلكين، ولا سيما أصحاب الأعمال.
ومع أن الاعتقاد السائد بأن انقطاع الكابلات يعني انقطاع الإنترنت على الفور ليس دقيقاً تماماً -إذ عادةً ما تجد حركة المرور مساراً بديلاً - إلا أن سرعة الخدمات قد تتدهور بشكل ملحوظ.
إن زيادة الأحمال على مسارات الكابلات البديلة تؤدي إلى عدم استقرارها، مما يتسبب في عدم إتمام عمليات الدفع، وعدم تحديث المحتوى، وتأخر وصول الرسائل.
كذلك قد يطاول تأثير زيادة الأحمال خدمات حيوية مثل الرعاية الصحية والخدمات المصرفية، ما قد يؤدي إلى إحداث فوضى في الخدمات العامة.
يقول السيد أوسوليفان إن الأزمة الإيرانية قد سلطت الضوء على مشكلة أكبر تتعلق بكيفية إدارة الإنترنت، إذ إن مسارات الكابلات معرضة بشكل كبير للخطر الذي تشكله جهات معادية تسعى إلى إحداث فوضى رقمية، " إذا حاولت جهة خبيثة تعطيل ما بين خمس إلى ربع هذه المسارات، بخاصة في منطقة معينة، ثم وقع حادث أثر على ربع آخر منها، فسوف يتحول الأمر بالطبع إلى مشكلة حقيقية".
ليس التهديد الأكبر في الشرق الأوسط هو الكابلات التي تمر عبر مضيق هرمز، بل احتمال شن الحوثيين الموالين لإيران هجمات على الكابلات البحرية في البحر الأحمر.
ويوضح السيد أوسوليفان" إذا نظرنا إلى البحر الأحمر، (فهذا هو) المكان الذي تمر عبره جميع كابلات البيانات الرئيسة التي تربط أوروبا بآسيا تحت سطح البحر.
إن الإيرانيين على علاقة ودية مع المتمردين الحوثيين في اليمن، وهذا هو المكان الذي يمكنهم أن يتسببوا بأضرار أكبر بكثير فيه".
في عام 2024، تعرضت أربع كابلات بيانات حيوية في البحر الأحمر للقطع، مؤثرة على 25 في المئة من حركة البيانات المتدفقة بين آسيا وأوروبا، عندما ألقت سفينة تجارية ترفع علم بيليز مرساتها إثر هجوم بصاروخ باليستي شنه مسلحون حوثيون.
وكانت السفينة" روبيمار"، المحمّلة بنحو 41 ألف طن من الأسمدة، قد أُخليت من طاقمها عقب الهجوم، قبل أن تنجرف لما يقارب أسبوعين ومرساتها لا تزال ملقاة، عابرة منطقة مكتظة بالكابلات الحيوية.
وعلى رغم أن هذه الحادثة لم تشكل هجوماً مباشراً من قبل الحوثيين على الكابلات، غير أنها برهنت بوضوح مدى قابلية الكابلات للتعرض للخطر - ليس فقط من الهجمات المباشرة من قبل الجهات المعادية، بل وأيضاً من الأضرار العرضية.
وتابع قائلاً" هذا ما يجب تذكره: تحدث الكثير من حالات انقطاع الكابلات كل عام.
وتقع هذه الحوادث باستمرار، وترتبط الغالبية العظمى منها إما بشباك الصيد أو بسحب المرساة.
من السهل جداً إتلاف كابل بحري عن غير قصد، وفي حالة إيران يكمن مصدر القلق الرئيس في تهديداتها الصريحة المتعلقة بالكابلات، لا في مجرد احتمال تعرّضها للضرر".
من غير المرجح أن تؤدي الجهود المبذولة لمنع تلف الكابلات البحرية إلى تحقيق مناعة كاملة للكابلات.
بدلاً من ذلك، يشير الخبراء إلى ضرورة الاعتماد على مزيج من المسارات البحرية والبرية والفضائية.
في عام 2024، وبعد أشهر من حادثة البحر الأحمر، مول حلف" الناتو" مشروعاً جديداً لجعل الإنترنت أقل عرضة للتعطل بسبب الكابلات البحرية، وذلك عن طريق إعادة توجيه المعلومات إلى الفضاء عبر الأقمار الاصطناعية.
حينها، قال الدكتور أيوب ترمس، المشرف على البرنامج آنذاك، إن المشروع يهدف إلى" تلبية الحاجة الملحة إلى بنية تحتية للإنترنت تكون أكثر قدرة على التحمل في جميع أنحاء العالم".
وقال السيد أوسوليفان" إن الوضع في الخليج يُظهر بوضوح أن إضافة المزيد من الكابلات على طول الممرات نفسها لا يساعد في بناء القدرة على التحمل"، مضيفاً" يحتاج هذا القطاع إلى مزيج حقيقي من المسارات البحرية والبرية، الموزعة عبر مختلف المناطق الجيوسياسية.
نحن بحاجة إلى اختيار مسارات مختلفة، وليس كابلاً مختلفاً في الممر نفسه".
لكن الخبراء يُجمعون على أن أنظمة الأقمار الاصطناعية لا تشكل بديلاً عملياً على المدى البعيد، لأنها لا تستطيع معالجة نفس حجم حركة المرور وهي أعلى تكلفة.
وقال آلان مولدين، مدير الأبحاث في شركة أبحاث الاتصالات السلكية واللاسلكية تيليجيوغرافي" لا يمكنك ببساطة التحول إلى الأقمار الاصطناعية.
هذا ليس بديلاً"، لافتاً إلى أن الأقمار الاصطناعية تعتمد على الاتصال بشبكات برية وتناسب الأجسام المتحركة، مثل الطائرات والسفن، بدرجة أكبر.
وفي السياق نفسه، أضافت ماشا كوتكين، محللة الشؤون الجيوسياسية والطاقة أن شبكات المدار الأرضي المنخفض مثل" ستارلينك" هي" حل محدود، لا يمكن توسيع نطاقه ليشمل ملايين المستخدمين في الوقت الحالي".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك