ولتجنب الإصابة بتجمد الدماغ، توصي ستارلينغ بالتدرج والاعتدال عند تناول الأطعمة والمشروبات المثلجة، إذ يبدو أن التبريد السريع هو العامل المسبب لتجمّد الدماغ، ولذلك فإن إتاحة بعض الوقت لسقف الفم كي يستعيد دفئه بين الرشفة والأخرى، أو اللعقة والأخرى، من شأنه أن يقي من حدوث هذه الحالة.
ولكن إذا اندفعت بحماس زائد (ومن منا لم يفعل ذلك؟ ! ) وأُصبت بالفعل بصداع الآيس كريم، فهناك بعض الأساليب المتعارف عليها التي يمكن أن تقلل مدته وتخفف من شدته، بحسب ستارلينغ، التي توصي باستخدام السطح السفلي للسان لإعادة تدفئة سقف الفم، أما إذا كان جانبا اللسان باردين أيضاً، فتقترح استخدام الإبهام أو تناول مشروب دافئ بدلاً من ذلك.
يبرز سؤال ما السبب الذي يجعل بعض الأشخاص يعانون من تجمّد الدماغ، في حين يستطيع آخرون شرب مخفوق الحليب المثلج بسرعة ومن دون أن يتعرضوا لأي أثر يُذكر؟سعت إيريني تولدو، أستاذة طب الأعصاب والطب النفسي للأطفال في جامعة بادوفا بإيطاليا، وزملاؤها إلى الإجابة عن هذا السؤال من خلال مراجعة أربعة عقود من الدراسات العلمية المتعلقة بصداع تناول الآيس كريم.
واستطاعت تولدو تحديد عدد من الأنماط المشتركة، من خلال تجميع وتحليل أبحاث أُجريت في شتى أرجاء العالم، بما في ذلك دراسات شملت الآلاف من تلاميذ المدارس في تايوان وألمانيا وكندا، وعشرات البالغين المصابين بالصداع النصفي في البرازيل وتركيا والمملكة المتحدة.
وتشير أبحاث إلى أن تجمّد الدماغ ينتشر بين أفراد العائلة على ما يبدو، فإذا كان والداك يعانيان من صداع تناول الآيس كريم، فمن المحتمل أن تعاني منه أنت أيضاً، بيد أن هذه النتائج لا تزال قائمة على الملاحظة، ولم ينجح العلماء بعد في تحديد جينات بعينها قد تكون مسؤولة عن هذا الارتباط.
أما فيما يتعلق باختلاف شدة الألم الناتج عن تجمّد الدماغ بين الأفراد، فيبدو أن العامل الأكثر أهمية هو وجود تاريخ من أنواع أخرى من الصداع أو من نوبات الصداع النصفي، وهي نوبات صداع شديدة قد تستمر لساعات بل وقد تمتد لأيام.
وتقول تولدو: " يعاني المصابون بالصداع النصفي عادة من درجة ألم أشد عند التعرض لهذه الأنواع من الصداع".
وفي دراسة صغيرة أُجريت خلال سبعينيات القرن الماضي، تبين أن 93 في المئة من الأشخاص الذين كانوا يعانون من نوبات الصداع النصفي تعرضوا أيضاً لصداع تناول الآيس كريم، وكان معظمهم يعانون من ألم يتراوح بين المتوسط والشديد، بينما لم يُصب بصداع تناول الآيس كريم سوى نحو ثُلث الأشخاص غير المصابين بالصداع النصفي.
وتعاني ستارلينغ شخصياً من نوبات الصداع النصفي ومن صداع تناول الآيس كريم شديد الألم، وتقول: " العصب ثلاثي التوائم لديّ شديد الحساسية بسبب نوبات الصداع النصفي، ولذلك عندما يتعرض للبرودة، يمكن أن يصبح أكثر نشاطاً واستجابةً بدرجة ملحوظة".
وعموماً إذا كنت تعاني من نوبات تجمّد دماغ مؤلمة على نحو خاص، أو عندك طفل يعاني من ذلك، فقد يكون من المفيد مراجعة تاريخ الصداع لديكما وإعادة تقييم أنواع الصداع الأخرى غير المرتبطة بتجمّد الدماغ، فما اعتدت اعتباره طبيعياً قد يكون في الحقيقة حالةً مرضيةً مهمة لكنها قابلة للتشخيص والعلاج وتستحق المتابعة الطبية.
وتقول ستارلينغ: " واحدة من كل ست نساء تعاني من الصداع النصفي، وطفل واحد من كل أحد عشر طفلاً يعاني منه، ورجل واحد من كل عشرة رجال يعاني منه، وأكثر من 50 في المئة من المصابين بالصداع النصفي لم يناقشوا الأعراض مع طبيب مطلقاً.
هناك تشخيص متاح، ويوجد علاج متوفر".
نظراً لهذه العلاقة المثيرة للدهشة، عمد العلماء، منذ ستينيات القرن الماضي على الأقل، إلى الطلب من متطوعين تناول آيس كريم من أجل تحفيز تجمّد الدماغ لديهم بصورة متعمّدة للمساعدة في دراسة اضطراب الصداع النصفي، الذي يُعد أحد الأسباب الرئيسية للإعاقة على مستوى العالم.
وعلى الرغم من الانتشار الواسع لهذه الحالة، فإن رصد نوبة صداع نصفي أثناء وقوعها باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي أو التصوير المقطعي يُعد مهمة صعبة بالنسبة للباحثين، إذ يصعب التنبؤ بموعد حدوث النوبات، فضلاً عن أن شدتها قد تجعل من الصعب على المتطوعين الوصول إلى المختبر أثناء معاناتهم منها.
وهنا، بحسب ستارلينغ، يبرز دور تجمّد الدماغ بوصفه حلاً مفيداً.
فمن الممكن تحفيز صداع تجمّد الدماغ عند الحاجة من خلال تناول الآيس كريم (أو، بطريقة أقل متعة، باستخدام قطع الثلج أو الماء المثلج بشدة)، وبما أن هذا الصداع يؤثر في نفس المنظومة العصبية التي تؤثر فيها نوبات الصداع النصفي، وهي العصب ثلاثي التوائم، فإنه يمكن أن يُستخدم بوصفه بديلاً علمياً لدراسة نوبة الصداع النصفي أثناء حدوثها.
وتشرح ستارلينغ: " في البدايات الأولى لطب الصداع، عندما كان الباحثون يسعون إلى فهم الآليات الأساسية المسببة لألم الرأس، شكّل تجمّد الدماغ نموذجاً تجريبياً ملائماً"، وتضيف أنه أسهم في مساعدة العلماء على تحديد دور تدفق الدم ومختلف الشبكات العصبية في حدوث هذا الألم.
بيد أن الباحثين، خلال السنوات الأخيرة، اتجهوا إلى استخدام وسائل أخرى لتحفيز نوبات الصداع النصفي لدى البشر، من بينها إعطاء النيتروجلسرين عن طريق الحقن (نعم، النيتروجلسرين ذاته المستخدم في تصنيع المتفجرات)، وذلك بهدف تطوير جيل جديد من الأدوية الخاصة لعلاج الصداع النصفي.
وبالنسبة للأشخاص الذين يعانون من اضطراب الصداع النصفي، فلا توجد حاجة إلى الامتناع عن تناول الأطعمة الباردة خشية الإصابة بتجمّد الدماغ، وتقول تولدو: " ليس عليك التوقف عن تناول الآيس كريم.
بل يمكنك تعلّم كيفية التعامل مع الأمر".
ولحسن الحظ، تبقى النصيحة ذاتها للجميع، امنح نفسك مزيداً من الوقت عند تناول الآيس كريم، لتتمكن كذلك من تذوق طعمه والاستمتاع به على نحو أفضل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك