لم يكد يمرّ وقت قصير على التصريح التصعيديّ لرئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير أمنه يسرائيل كاتس، حتى تحولت شوارع الضاحية الجنوبية لبيروت ومداخلها إلى مسرح لملحمة قهر جديدة.
إذ كانت التصريحات كافية لإشعال موجة نزوح رابعة تشبه سابقاتها بالقسوة والإرباك للسكان منذ بدء العدوان على لبنان.
زحمة الخوف: العاصمة تختنقفور صدور التهديدات الإسرائيلية وتداول الأنباء حول اقتراب ضرب الضاحية الجنوبية، انطلقت آلاف العائلات دفعة واحدة نحو المجهول.
شوارع الضاحية التي تئن أصلًا تحت وطأة الركام والدمار، ضاقت بأهلها.
وتحولت مخارج المنطقة باتجاه العاصمة بيروت والشوف وعاليه، وحجم السير المتجه نحو الشمال إلى مرأب كبير للسيارات.
لم يكن الزحام عاديا، بل كان أشبه بالسباق مع الموت.
حيث تكدست العائلات داخل السيارات مع ما تيسر لها من أمتعة خفيفة والأهم أنها حملت الفرش الإسفنجية، وأخرى استقلت الدراجات النارية وبيدها أكياس من النايلون وضعت فيها بعض الأغراض الضرورية، بينما لم يجد البعض بدًا من السير على الأقدام حاملًا أطفاله وحقائب صغيرة تلخص عمرًا كاملًا من الشقاء.
امتزجت أصوات أبواق السيارات المزدحمة بصرخات الأطفال وأصوات الطائرات المسيّرة التي لم تغادر السماء، لتشكل لوحةً سرياليةً تعكس حجم الكارثة الإنسانية، فيما تجمهر عشرات الأشخاص على الجسر المؤدي إلى منطقة رأس النبع، وراقبوا بصمت الزحمة الخانقة التي تتفاقم بشكل سريع.
نزوح متكرر وأسئلة بلا أجوبةأمام هذا الواقع المرير، يتردد سؤال واحد على لسان كل نازح: " ماذا سنفعل؟ "، و" إلى أين سنذهب؟ ".
ليس هذا النزوح الأول، إنها المرة الرابعة التي تجد فيها هذه العائلات نفسها مجبرةً على حزم حقائبها بعدما عاد قسم كبير منها قبل أسبوع من عيد الأضحى ظنًا منه بأن الضاحية باتت بمنأى كامل عن الاستهداف.
التقينا بأسرةٍ عند مدخل الضاحية الجنوبية لجهة الطيونة، وهي مدخل إلى العاصمة بيروت، يقول حسين (51 عامًا) لـ" العربي الجديد" وهو أب لثلاثة أطفال: " في النزوح الأول ذهبنا إلى مدارس الإيواء، وفي الثاني استأجرنا شقةً بأسعار خيالية وتم استهداف المنطقة المجاورة لها.
وفي الثالث نمنا في السيارات على الكورنيش البحري لبيروت، واليوم لا نعلم حقًا إلى أين نتجه".
تقترب سيدة في منتصف العقد الخامس من عمرها وهي تحمل حقيبة صغيرة على يدها وتقول لـ" العربي الجديد": " عدنا إلى منزلنا في الضاحية الجنوبية منذ حوالى الأسبوع وبدأنا بتصليح الزجاج المتناثر ليتسنى لنا النوم براحة، لكن سرعان ما غادرنا المنزل، حملنا سريعًا الأغراض الضرورية ولا نعلم إلى أين سنتوجه اليوم لكن علينا المغادرة قبل أن تباغتنا الطائرات الإسرائيلية بالقصف الفجائي".
الخيارات باتت شبه منعدمة؛ فمراكز الإيواء في العاصمة بيروت ومحيطها بلغت قدرتها الاستيعابية القصوى منذ أسابيع.
أما أسعار الشقق السكنية للإيجار فوصلت إلى أرقام فلكية لا تقوى عليها عائلات فقدت مصادر رزقها وأعمالها جراء الحرب.
تساؤلات الناس تعكس حالة من الضياع التام: هل يتوجهون إلى الشارع مجددًا، أم يخاطرون بالبقاء تحت القصف؟حال النازحين اليوم لا يشبهه حال.
هو مزيج من الإنهاك الجسدي والنفسيّ، والشعور العميق بالخذلان، يقابله كبرياء وكرامة يرفضون التخلي عنها.
وجوه الأمهات غطاها الشحوب والتعب، وعيون الأطفال في السيارات تملؤها تساؤلات بريئة حول ذنبهم في كل ما يحدث.
النوم في العراء، نقص المستلزمات الأساسية من أغطية وأدوية وحليب أطفال، وحرارة الطقس التي بدأت تطرق الأبواب، كلها عوامل زادت من مأساوية المشهد.
إذ تحول حال العائلات من السعي وراء الأماني، إلى السعي وراء الحفاظ على الحد الأدنى من المقومات البشرية للاستمرار.
ومع ذلك، تجد بين أزقة النزوح وصيحات الألم والخيم المتناثرة في منطقة الطيونة وقصقص، تكافلًا اجتماعيًا يحاول لملمة الجراح، حيث يتقاسم النازحون اللقمة وشربة الماء بانتظار جلاء هذه الغيمة السوداء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك