لا تزال سوق النفط تتحرك بالكامل تقريباً على إيقاع العناوين الجيوسياسية، كان آخرها حين تراجعت الأسعار بشكل حاد في أعقاب التقدم في الجهود المبذولة للتوصل إلى تمديد لوقف إطلاق النار كإطار تمهيدي لإنهاء الحرب التي دخلت شهرها الرابع.
ورغم أنه من المنطقي أن يتوقع البعض أن تبدأ الأسواق في فقدان حساسيتها بعد أسابيع طويلة من الأخبار المتضاربة والتقلبات اليومية، لكن ما يحدث فعلياً هو العكس تماماً.
فالنفط لا يزال شديد الحساسية لأي تطور يتعلق بإيران، ما يعكس حجم القلق المرتبط باستمرار اضطرابات الإمدادات في الخليج العربي.
ورغم التفاؤل بإمكانية التوصل إلى اتفاق وشيك، لا تزال الأسواق متخوفة من احتمالات انهيار جهود السلام خصوصاً أن التوصل إلى تسوية في الملفات الشائكة، مثل مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، يبدو أكثر تعقيداً بكثير على أرض الواقع.
شهد النفط الخام تقلبات عنيفة، لكن النمط العام بقي واضحاً نسبياً: كلما تراجع سعر زيت برنت خلال دورة الحرب الإيرانية، عاد المشترون سريعاً إلى السوق.
ويبدو أن التراجع الأخير لا يرتبط بانهيار فعلي في أساسيات السوق بقدر ارتباطه بعودة التفاؤل بشأن إمكانية التوصل إلى حل دبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران يقلص مخاطر اضطراب الإمدادات لفترة طويلة.
الجغرافيا السياسية لا تزال المحرك الرئيسي لأسعار النفطلا تزال سوق النفط تتحرك وفق السؤال نفسه: هل ستتحول المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط إلى صدمة إمدادات طويلة الأجل، أم أن الدبلوماسية ستنجح في احتواء الأزمة قبل أن تتفاقم؟تراجع خام برنت بأكثر من 10 في المئة على أساس أسبوعي بعدما طغى التفاؤل بشأن اتفاق أميركي إيراني محتمل على المخاوف المرتبطة بالإمدادات من الشرق الأوسط.
وذكرت عدة وكالات إخبارية أن واشنطن وطهران توصلتا إلى اتفاق مبدئي لتمديد وقف إطلاق النار ورفع القيود المفروضة على الملاحة عبر مضيق هرمز، وأن الاتفاق ينتظر موافقة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
لكن الخلفية الجيوسياسية لم تهدأ فعلياً.
فقد أفادت تقارير بأن القوات الأميركية استهدفت ناقلتي نفط فارغتين ترفعان العلم الإيراني في خليج عمان، مع إعلان القيادة المركزية الأميركية أن السفينتين حاولتا اختراق الحصار المفروض حول الموانئ الإيرانية.
هذا يعني أن السوق لا تتفاعل مع التصريحات السياسية فقط، بل مع اضطرابات فعلية تمس الشحن واللوجستيات وحركة السفن النفطية.
وحتى إذا لم تُفقد شحنات مباشرة في الضربات الأخيرة، فإن الرسالة الأوسع هي أن الضغوط المفروضة على حركة السفن الإيرانية لا تزال مرتفعة.
في هذه الأثناء، لا تزال المسارات الدبلوماسية قائمة، ما خلق سوقاً شديدة الاضطراب.
فالسيناريو الهبوطي يرتبط بفرص التوصل إلى اتفاق، بينما يقوم السيناريو الصعودي على خطر تعثر المحادثات واستمرار اضطرابات الشحن، بما يدفع المتداولين في نهاية المطاف إلى إعادة تسعير علاوة مخاطر الإمدادات.
التراجع الأخير لم يكسر الاتجاه الصعودييبدو هبوط برنت الأخير حاداً إذا نُظر إليه بمعزل عن السياق، لكنه ينسجم مع نمط التداول الذي تشكل منذ دخول علاوة الحرب الإيرانية إلى السوق.
فقد ارتفع برنت نحو منتصف نطاق 120 دولارا للبرميل مع تصاعد الحرب، ثم تراجع إلى ما دون 90 دولارا عندما بدا أن الحل السياسي أصبح أقرب، قبل أن يرتد مجدداً نحو 105 دولارات مع عودة الغموض.
أما الهبوط الحالي فيحمل نفس المنطق: سوق تسعر سيناريو دبلوماسي أفضل قبل أن يتحقق فعلياً.
خلق هذا الوضع معادلة" مخاطرة مقابل العائد" مثيرة للاهتمام.
فقد يستمر التراجع إذا تم التوصل إلى اتفاق سريع وموثوق، وهنا ستفقد فكرة شراء الانخفاضات مغزاها رغم المكاسب القوية التي حققتها مؤخراً.
لكن إذا استمرت المحادثات في التعثر أو الفشل أو أدت فقط إلى تهدئة مؤقتة، فقد تضطر السوق إلى إعادة بناء علاوة المخاطر.
ويزداد هذا الاحتمال إذا ظل مضيق هرمز نقطة توتر رئيسية، أو استمرت اضطرابات حركة الناقلات، أو تواصل النشاط العسكري الأميركي الإيراني.
هذا السيناريو يجعل التراجع نحو 90 دولارا منطقة محورية.
فقد تمثل نقطة إعادة ضبط تكتيكية ضمن النمط نفسه الذي حكم تداول النفط مؤخراً، أي شراء التراجعات طالما بقيت المخاطر الجيوسياسية من دون حل حاسم.
واردات الصين من الطاقة تكشف أثر الحرب الإيرانيةأظهرت أحدث بيانات التجارة الصينية لشهر نيسان التأثير المباشر للحرب الإيرانية على واردات الطاقة في البلاد.
تراجعت واردات الصين من النفط الخام بنسبة 20 في المئة على أساس سنوي إلى 9.
4 مليون برميل يومياً، وهو أدنى مستوى منذ تموز 2022 عندما كانت البلاد تخضع لإغلاقات كوفيد واسعة النطاق.
كما انخفضت واردات الغاز الطبيعي بنسبة 13 في المئة على أساس سنوي، بما يشمل الغاز عبر الأنابيب والغاز الطبيعي المسال.
ويبدو واضحاً أن الجزء الأكثر تعرضاً للضغط كان واردات الغاز الطبيعي المسال.
تكشف هذه البيانات كيف بدأت أزمة هرمز تتسرب فعلياً إلى أكبر اقتصاد صناعي في آسيا، وليس فقط إلى أسواق المال أو عقود النفط الآجلة.
في سياق منفصل، تُظهر أحدث بيانات المراكز الاستثمارية أن المضاربين خفضوا صافي مراكز الشراء في عقود" ICE Brent" وجاءت هذه الحركة بشكل رئيسي نتيجة دخول مراكز بيع جديدة إلى السوق.
ومع استمرار تراجع الأسعار منذ ذلك التاريخ، فمن المرجح أن تكون هذه المراكز الصافية قد انخفضت أكثر.
لكن رغم تقليص المراكز الصعودية، لا تزال السوق بعيدة عن تسعير نهاية الأزمة.
في سوق الغاز الطبيعي المسال، شحنت قطر أول شحنة عبر مضيق هرمز منذ بداية الحرب، مع توجه الناقلة حالياً نحو باكستان، إذ تلعب باكستان دوراً محورياً في جهود الوساطة في هذا الصدد، بينما تستمر المحادثات بشأن السماح بمرور المزيد من شحنات الغاز عبر المضيق.
عودة بعض الشحنات لا تعني انتهاء الأزمة، لكنها تعطي إشارة إلى أن بعض المسارات التجارية بدأت تختبر إمكانية استئناف التدفقات تدريجياً.
خروج الإمارات من أوبك يوجه ضربة قوية للتحالفشكل إعلان خروج الإمارات من أوبك بدءاً من 1 آيار أحد أهم التطورات في سوق النفط.
تمثل هذه الخطوة ضربة كبيرة للتحالف، كون الإمارات كانت ثالث أكبر منتج داخل أوبك قبل الحرب الإيرانية، بإنتاج بلغ 3.
4 مليون برميل يومياً في شباط 2026، أي نحو 12 في المئة من إجمالي إنتاج المنظمة.
وسيؤدي خروج الإمارات إلى تقليص قدرة أوبك على إدارة السوق والتأثير فيها عبر سياسات العرض.
تمتلك الإمارات حالياً طاقة إنتاجية تقارب 4.
85 مليون برميل يومياً، مع خطط للوصول إلى 5 ملايين بحلول 2027.
لكن الاستفادة الكاملة من هذه الطاقة تتطلب أولاً عودة التدفقات الطبيعية عبر مضيق هرمز.
ولهذا، يبقى تأثير القرار محدوداً على المدى القصير بسبب استمرار اضطرابات الإمدادات، لكنه يحمل دلالات مهمة على المدى المتوسط والطويل، إذ يعني توفر معروض أكبر في السوق بعد انتهاء الحرب الإيرانية.
كما أن توقيت الإعلان لم يكن عشوائياً.
فإعلان الانسحاب خلال فترة اضطرابات حادة في الإمدادات قلل من الأثر الفوري على الأسعار.
ولو حدث الإعلان في ظروف طبيعية، لكان من المرجح أن تتعرض أسعار النفط لضغوط هبوطية أقوى.
ويرحب ترمب على الأرجح بهذه الخطوة، لأنها تضعف نفوذ أوبك داخل سوق النفط، بينما قد يستفيد منها المستوردون والمستهلكون عالمياً.
لكن العامل الذي تراقبه السوق الآن هو ما إذا كان خروج الإمارات سيؤدي إلى مزيد من التصدعات داخل أوبك.
أرامكو تحذر: السوق قد تخسر 100 مليون برميل أسبوعيًايبقى التطور الأخطر في السوق هو تحذير أرامكو السعودية من تداعيات استمرار إغلاق مضيق هرمز.
فقد قال الرئيس التنفيذي للشركة أمين الناصر إن السوق العالمية قد تخسر نحو 100 مليون برميل من الإمدادات عن كل أسبوع يبقى فيه المضيق مغلقاً إذا استمرت الاضطرابات بالمعدل الحالي.
وأوضح الناصر أن السوق فقدت بالفعل نحو مليار برميل منذ بداية الأزمة، رغم تعويض جزء من الخسائر عبر مسارات تصدير بديلة والسحب من الاحتياطيات الاستراتيجية.
ووصف ما حدث بأنه" أكبر صدمة إمدادات طاقة شهدها العالم على الإطلاق".
وتأتي هذه التصريحات بينما يستمر الصراع الإيراني في تعطيل التدفقات عبر المضيق الذي كان يمر عبره نحو خُمس النفط والغاز العالمي قبل الحرب.
وحذرت أرامكو من أن تأخر إعادة فتح الممر البحري لعدة أسابيع إضافية قد يمنع عودة سوق النفط إلى طبيعتها قبل 2027.
في الختام، يمكن القول أن السوق عالقة حالياً بين 3 احتمالات رئيسية:

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك