ينبع التصعيد في الشمال من تعميق مناورات الجيش الإسرائيلي ورد حزب الله الواسع عليها.
فقد سيطر الجيش الإسرائيلي على مرتفعات البوفور وزوتريم (وهو لقب يُطلق على قريتين شمال نهر الليطاني وغرب البوفور).
تُعدّ هذه المنطقة الشاسعة التي يُطلق عليها حزب الله اسم “مفتاح الأمن”، لأهميتها الاستراتيجية في الدفاع ضد المناورات الإسرائيلية شمالاً، فضلاً عن كونها موقعاً استراتيجياً للسيطرة على “إصبع الجليل”.
بعد 26 عاماً: إسرائيل تستولي على البوفور في لبنانإضافةً إلى ذلك، وبناءً على طلب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي باللغة العربية، وبدعم من القيادة الشمالية، يستعد الجيش الإسرائيلي لتوسيع نطاق العملية باتجاه مدينة صور ووادي مرجعيون الشمالي.
من الناحية التكتيكية، تُشكّل مرتفعات البوفور منطقةً ذات أهميةٍ بالغةٍ ومهيمنة، كما أن الأهمية التي يوليها حزب الله لها تُضفي عليها قيمةً رمزيةً واستراتيجيةً.
لكن يثور التساؤل: ما الهدف الاستراتيجي من توسيع نطاق العملية؟يبدو أن للعملية أربعة أهداف:1.
احتلال منطقةٍ انطلقت منها طائراتٌ مُسيّرةٌ مُفخّخة، وتوجيه النيران نحو قواتنا: هذا صحيح، ولكن تجدر الإشارة إلى أن إطلاق النار يتم من مناطق أخرى عديدة، وهذا الاحتلال لن يُزيل التهديد.
2.
الضغط على الدولة اللبنانية لتعميق الخلاف بين الدولة والتنظيم بما يدعم المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، الجارية في واشنطن: هذا صحيحٌ أيضاً، ولكن ثمة بُعدٌ يُعرقل المحادثات، إذ بينما تجري، تتعرض الحكومة اللبنانية للإذلال أمام مواطنيها تحت وطأة الضغط العسكري الإسرائيلي.
3.
الضغط على إيران لإبداء مرونة في المفاوضات مع الولايات المتحدة: ترغب إيران في إدراج وقف إطلاق النار في لبنان ضمن اتفاقية التفاهم مع الولايات المتحدة (التي دخلت مرحلتها الأولى بالفعل).
وقد يُؤدي تراجع نفوذ حزب الله في لبنان، وتآكل موقعه هناك، إلى خلق حالة من الاستعجال لدى إيران.
تكمن المشكلة في أن إسرائيل، بفعلها هذا، تربط بين ساحتي النزاع، وهو ما يتعارض مع موقفها المبدئي القائل بأن القضية اللبنانية منفصلة عن القضية الإيرانية.
4.
يُعدّ هذا رداً من الحكومة الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي على الانتقادات الداخلية الموجهة لعدم الرد على تحركات حزب الله واستمرار إطلاق النار على الشمال، وما يُثيره ذلك من غضب وإحباط لدى المسؤولين وسكان الشمال، ويضعهم في مأزق حقيقي.
هذا مأزق يستدعي تحركًا فوريًا.
ونظرًا لمحدودية قدرة إسرائيل على الرد على النيران، فإن الرد عبر المناورة هو الخيار الوحيد المتاح.
يبدو أن الحقيقة تكمن في الربط بين كل هذه الأهداف، لكنها لا تُقدّم حلًا طويل الأمد لمشكلة حزب الله.
حتى احتلال هضبة الأنباط بأكملها، ومدينة صور، والمنطقة الممتدة حتى نهر الليطاني، لن يهزم التنظيم.
فمراكز ثقله تقع في بعلبك وبيروت.
وقدراته الصاروخية بعيدة المدى منتشرة في عمق لبنان.
أما بالنسبة للطائرات المسيّرة المتفجرة، فكلما وُجدت كثافة سكانية، وُجدت إمكانية إنتاج وإطلاق هذه الطائرات الفتاكة.
وثمة مشكلة أخرى تكمن في الحفاظ على الأراضي المحتلة؛ حزب الله ضعيف بالفعل وغير قادر على الصمود أمام مناورات الجيش الإسرائيلي.
حتى لو قاوم، وحتى لو تمكن من إلحاق الضرر بقواتنا، فلن يستطيع إيقاف المناورة.
تبدأ المشكلة بعد سيطرتنا على الأراضي.
فالحفاظ عليها يتطلب وجودًا عسكريًا كبيرًا، والانسحاب منها غير واقعي قبل الانتخابات في إسرائيل.
يصعب تصور انسحاب الحكومة الإسرائيلية من لبنان مقابل مذكرة تفاهم مع الحكومة اللبنانية الضعيفة.
بعبارة أخرى، تُعد الأراضي المحتلة مكسبًا تكتيكيًا على المدى القصير، لكنها عبء عملياتي على المدى الطويل.
ما لم يتم التوصل إلى اتفاق ينسحب بموجبه الجيش الإسرائيلي مقابل تفكيك حزب الله من خلال قوة أمريكية تُساعد الجيش اللبناني وتحت إشراف دولي.
يصعب تصديق التوصل إلى مثل هذا الاتفاق قريبًا.
الرئيس الأمريكي منشغل تمامًا بالحرب في إيران، وانتخابات التجديد النصفي، وأفكاره وخططه لتغيير النظام في كوبا.
لبنان متأخر جدًا في أولوياته.
وختامًا، يجب أن تُدار المعركة في لبنان ضمن إطار استراتيجي يُحدد كيفية نزع سلاح حزب الله.
هذه عملية طويلة، وتتضمن استعدادًا للانسحاب من لبنان مقابل عملية سياسية ذات مصداقية.
ولا ينبغي توسيع نطاق المناورة إلا كنتيجة طبيعية لهذا الاعتبار، مع مراعاة العبء المتوقع على جنود الجيش الإسرائيلي وقوات الاحتياط.
يجب تحسين الاستجابة لتهديد الطائرات المسيّرة، واستثمار الأموال في إعادة إعمار الشمال، وتجنب جرّها إلى عمق الأراضي اللبنانية لأغراض غير عملية.
كما يجب أن تُقال الحقيقة للرأي العام: لن يتحقق نزع سلاح حزب الله إلا من خلال مزيج من العمل السياسي والجهد العسكري.
سيستغرق الأمر وقتًا طويلًا، وحتى مع ذلك لن يُزيل تهديد حزب الله تمامًا.
ما دام النظام الإيراني قائمًا، ويرى في وجود الحزب مصلحة إيرانية حيوية، ستُشكّل إيران تهديدًا لإسرائيل في الساحة الشمالية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك