يقول الروائي الأمريكي «جون شتاينبك» في روايته «عناقيد الغضب»: «لقد ظللت أفكر، وإن لم يكن، في الواقع، تفكيراً بالمعنى المفهوم، بل كان شيئا أعمق من ذلك، فنحن في البداية كنا كيانا إنسانيا واحدا، تماما كشيء مقدس.
لكن هذا الكيان فقد قدسيته من بعد أن بدأ أحد التعساء يقضم قضمة لنفسه، ويجري بها، ويرفس ويقاتل، ويحارب بقية الكيان، ليأكلها وحده».
وقرأت له رأيا يقول: «إن النوع الإنساني هو النوع الوحيد المبدع، وهو لا يملك غير أداة واحدة للإبداع، هي عقل الفرد وروحه.
وليس هناك شيء تمكن لعقلين أن يبدعاه معا، فلا يوجد هناك فكرة أو بذرة إبداع، سواء في الموسيقى أو في الشعر أو في الرياضيات أو في الفلسفة، تتفتق في عقلين في آن! ولكن حالما تحدث معجزة الإبداع، يصبح من السهل على جماعة من الأشخاص أن تنفذها، وتزيد من خصبها، ولكنها لا تستطيع أبدا أن تخترع بذرتها، لأن أجمل ما في الحياة وأثمنه يوجد في عقل فرد واحد من الناس».
منذ زمن حاول صديق أن يقنعني أنه يمكن لشخصين متشابهين أن يبدعا معا، مدللا بإبداع الأخوين رحباني، اللذين لحنا الكثير من أغاني السيدة فيروز، ولكن كون أنهما لحنا معا فذلك يعني أنهما تعاونا معا على إخراج اللحن بشكله النهائي، وبالتأكيد جمل ألحانهما هي جمل منفردة، جمعاها من موهبتين، لتؤسس عملا موحدا.
قد نقول إنهما تعاونا على تلحينه، وبالتالي لا يجوز أنه لإنسان واحد.
قد يكونا متشابهين، ولكنهما ليس كذلك على الإطلاق، لأن التفكير ببساطة لا يعني الإبداع، وأنا أعلم أن القارئ الكريم يعرف ذلك جيدا.
فدعني أفسر ذلك.
«روبرت أوبدغراف»، وهو من الكتّاب الذين نُشرت لهم مقالات مترجمة من مجلة «ريدرز دايجست»، له مقال «استعمل عقلك الباطن استعمالًا واعيًا»، وفكرته تدور حول تأثير الأفكار والعادات الذهنية في السلوك والنجاح الشخصي «استعمل عقلك الباطن استعمالًا واعيًا».
يرى الكاتب أن العقل الباطن يؤثر في كثير من تصرفات الإنسان وقراراته اليومية دون أن يشعر بذلك؛ فما يتأثر به من أفكار، إيجابية كانت أم سلبية، تترسخ في عقله الباطن، وتنعكس على سلوكه ونظرته إلى الحياة.
لذلك ينصح بتحديد الأهداف، وبوضوح، ونبذ السالب، والتركيز على التخيل الإيجابي، وتجنب الاستسلام للخوف والتشاؤم.
إن الإنسان لا يستطيع التحكم في كل ظروف حياته، لكنه يستطيع إلى حد كبير أن يؤثر في استجابته لهذه الظروف عبر ما يغرسه في عقله الباطن من أفكار واتجاهات.
ويرى أن علم النفس الحديث يؤكد بالفعل عمليات ذهنية لا واعية تؤثر في قراراتنا وسلوكنا، لكن كثيرًا من الادعاءات الشائعة حول «قوة العقل الباطن» تُعد مبالغات لا تدعمها الأدلة العلمية دائمًا.
ولتعزيز التفكير الإيجابي الفعال، يتعين أن ننتبه إلى ضرورة توظيف العقل الباطن توظيفا واعيا.
ومن المفيد أن نعلم أن اغتنام فرصة استرخاء العقل الباطن يساعد المرء في حسن التفكير، وحل أعقد المشاكل بقدر كبير من الحكمة يفوق مقدرة العقل عندما يكون واعيا!هذا ليس كلامي، ولكنه كلام متخصصين في هذا الشأن! ويدلل على ذلك بالحديث عن عالم فرنسي، اسمه «فهر»، تناول أخلاق معاصريه في أثناء العمل، فأثبت أن 75% ذكروا أن أهم مكتشفاتهم توصلوا إليها وعرفوها في غير إكبابهم على بحوثهم العلمية! ويقرر أن معظمنا ينهك ساعات وعي عقله بالعمل، فيجهد وينتج عن ذلك أن تفكيرنا يصير أقل قوة وسدادا مما ينبغي! والمحصلة أن الاسترخاء هو مفتاح العقل الباطن! والخلاصة أن العامل المتميز الناجح هو من لا يزحم يومه بالعمل!والخلاصة أنني تذكرت عددا من رفاقي وأصدقائي أشهد الله أنهم أفضل مني حكمة وتدبر أمور الحياة، ولما تأملتهم بعد معرفتي هذا الأمر انتبهت أنهم من جماعة «وسع بالك».
أولئك الذين يؤكدون على الدوام أن «الدنيا لن تطير»، وأن العامل الناجح هو «العامل المقتدر ممن لا يزحم يومه بالعمل».
والأهم من ذلك ضرورة «أن تسلم مشكلاتك إلى عقلك الباطن من بعد أن تجمع جميع عناصرها، من حقائق وأرقام وآراء، وتفوض إليه أمرها تفويضا شاملا»، فعمل «الطبخ العقلي» يبدأ بحصر الذهن في مواد المشكلة، مع العناية الشديدة.
إن فعلت ذلك تكون قد أوقدت له خير نار منضجة يوفرها لك «العقل الناضج»!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك