خلال المناقشات الأولى التي أجراها توماس توخيل لتولي منصب مدرب منتخب إنجلترا، كانت لديه تصورات ملهمة لأسلوب لعب ممتع قائم على الحدة والإيقاع المرتفع في الدوري الإنجليزي الممتاز، قبل أن يعيد تقييم ذلك كله بعد رحلة واحدة إلى أميركا في الصيف الماضي.
فالحرارة الخانقة التي أحاطت بكأس العالم للأندية 2025 جعلت المدرب الألماني وجهازه الفني يدركون أن وجود" نموذج لعب مقاوم للحرارة" سيكون أمراً ضرورياً، وربما أثر ذلك حتى في اختياراته للقائمة.
وتزداد أهمية هذا الأمر مع حقيقة أن معظم لاعبيه يختتمون أكثر موسمين إرهاقاً في تاريخ كرة القدم الأوروبية للأندية.
وكما يقول مساعد توخيل، أنتوني باري" لن تشاهدوا أفضل فريق يقدم أفضل كرة قدم".
وهو ما يطرح بطبيعة الحال سؤالاً أساسياً: ما أفضل طريقة للفوز بكأس العالم 2026؟مدرستان تاريخيتان لصناعة الأبطالطوال معظم سنوات القرن الـ21، ونتيجة للتطورات العديدة التي شهدتها كرة القدم الحديثة، برزت مدرستان رئيستان للفوز بالبطولات.
الأولى تقوم على أيديولوجية كروية أشمل، تجسدت بأوضح صورها مع إسبانيا ثم تبنتها ألمانيا.
وقد استندت عموماً إلى" اللعب التمركزي" الذي اشتهر به بيب غوارديولا، باعتبار أن هذه المبادئ شكلت الأساس الذي قامت عليه منظومات إنتاج المواهب في أوروبا الغربية الصناعية.
ويعزز هذا الأسلوب من قيمة اللاعبين الموهوبين إذا كانوا متوافرين، لكنه يتطلب انسجاماً يكاد يكون مثالياً.
أما إذا ظهرت ثغرات، فإنها تتحول إلى فجوات هائلة.
أما المدرسة الثانية فهي ما يعرف بـ" كرة البطولات"، كما جسدتها فرنسا بقيادة ديدييه ديشامب، والبرتغال المتوجة بلقب" يورو 2016".
ويقوم هذا الأسلوب بشكل عام على التراجع إلى كتلة دفاعية متوسطة أو منخفضة والتكيف مع ظروف كل مباراة بحسب الحاجة.
وهو أسهل كأساس لبناء الفريق، لكنه لا يبلغ السقف نفسه من الجودة.
وتصبح المباريات فيه محكومة بالتفاصيل الدقيقة.
وجاء نجاح الأرجنتين بقيادة ليونيل سكالوني في نسخة 2022 ليشير إلى أول تصدع في هذا التقسيم، بعدما مزج بين عناصر من المدرستين وربط فريقه بأسلوب أكثر تميزاً مستنداً إلى ما اعتبره خصائص كرة القدم الأرجنتينية.
وقد يتعمق هذا التصدع أكثر في كأس العالم 2026.
الإرهاق والمناخ متغيران قد يحددان مسار اللقبوليس ذلك فقط لأن المنتخبات الأخرى غالباً ما تحاول الاقتداء بحامل اللقب.
بل أيضاً بسبب طبيعة البطولة نفسها.
فعلى رغم الإشادة اللاحقة دائماً بالمنتخبات المتوجة بكأس العالم، فإن قدراً كبيراً من الحظ يظل ضرورياً لتحقيق اللقب.
ويمكن القول إن مقداراً أكبر من الحظ يتعلق بالحالة التي يبدأ بها المنتخب البطولة.
فالفريق الجيد يحتاج إلى بلوغ ذروة مستواه لمدة شهر واحد ضمن دورة تمتد أربع سنوات، مع التعامل مع عدد هائل من المتغيرات.
وقد يجد نفسه فجأة يعاني من سلسلة إصابات طفيفة في توقيت سيئ للغاية.
وكأس العالم 2026 ستشهد متغيرات أكثر من معظم النسخ السابقة.
وفي مقدمتها تأثير الإرهاق.
فمجرد مشاهدة لقطات من كأس العالم 1994 في أميركا كانت كفيلة بتحذير الأجهزة الفنية للمنتخبات من الظروف المنتظرة.
إذ اشتهر جون ألدريج بفقدانه أعصابه خلال مواجهة المكسيك تحت حرارة أورلاندو المرتفعة، بينما اضطر ستيف ستونتون، الذي أنهكه الحر، إلى ارتداء قبعة تحت أشعة الشمس.
وفي المقابل، تحدث أريغو ساكي عن معاناة إيطاليا في" مناخ مستحيل" كان" يتعارض مع كرة قدمي القائمة على السرعة والإيقاع المرتفع".
وإذا عدنا أبعد من ذلك، فهناك رأي يكاد يكون من المحرمات مفاده أن تألق البرازيل في مونديال 1970 يعود جزئياً إلى أن حرارة المكسيك أرهقت المنافسين ومنحت بيليه ورفاقه المساحات اللازمة للتعبير عن إمكاناتهم.
وبعد أربعة أعوام، ساعد المطر المنعش في ألمانيا الغربية منتخب هولندا على نشر أسلوب الضغط المرتبط بـ" الكرة الشاملة".
فلطالما ارتبطت الظروف المناخية بمسار البطولات.
ويبدو أن هذه النسخة ستكون أكثر تطرفاً من معظم النسخ السابقة.
إذ تتوقع دراسة صادرة عن" وورلد ويذر أتريبيوشن" أن يتم لعب نحو ربع المباريات في ظروف تبلغ فيها" درجة حرارة البصيلة الرطبة" 26 درجة أو أكثر، وهو مؤشر حراري يستخدمه علماء وظائف الأعضاء بوصفه المقياس الأهم لمدى قدرة الجسم على تبريد نفسه.
وفوق ما سيتحمله اللاعبون خلال هذه المباريات، جاءت الزيادة في عدد المباريات الأوروبية بعد التوسعات الأخيرة، إلى جانب إضافة دور الـ32 في هذه البطولة نفسها؛ أي أن التتويج باللقب سيتطلب خوض ثماني مباريات بدلاً من سبع.
وسيتجاوز نجوم بارزون مثل ديكلان رايس حاجز 4000 دقيقة خلال الموسم، على أن تأتي أكثر الدقائق إنهاكاً في أكثر الظروف قسوة.
أفضلية محتملة لإسبانيا وفرنسا والبرازيلوقد تكون هذه الأرقام حاسمة.
فالراحة النسبية التي تمتع بها مهاجمو باريس سان جيرمان قد تمنح فرنسا أفضلية كبيرة.
أما إسبانيا، بطلة أوروبا، فتمتلك حظوظاً مماثلة، لكن معظم لاعبي تشكيلتها المتوجة في 2024 انتقلوا الآن إلى أندية أكبر ذات جداول أكثر كثافة.
فمارتن زوبيميندي، على سبيل المثال، لم يكتف بقضاء موسم عادي مع ريال سوسيداد.
وفي النهاية لا يمكن لأي منظومة حديثة أن تتجاوز حدود قدرات اللاعبين أنفسهم.
وإذا كانت معطيات كرة القدم الحديثة تجعل من غير الممكن تقريباً أن يبتكر المدرب نظاماً فعالاً ثم يخفيه لعام كامل كما فعل ألف رامسي قبل مونديال 1966، وكما فعل كارلوس بيلاردو مع الأرجنتين قبل مونديال 1986، فهناك من يرى أن كأس العالم، بتدرجه الطويل، سيتطلب الاحتفاظ بشيء مختلف على الأقل للمراحل المتقدمة.
الاستحواذ واللحظات الفردية سلاح الحسموهنا قد يصبح أسلوب اللعب نفسه عاملاً أكثر أهمية في إنقاذ المنتخبات.
فالاعتماد على كتلة دفاعية منخفضة أو متوسطة يساعد على توفير الطاقة.
أما الاستحواذ على الكرة فهو الاستخدام الأكثر كفاءة لها.
وقد تمتلك إسبانيا، بطلة أوروبا بالفعل، أفضلية كبيرة في هذا الجانب.
فانغماسها الكامل في هذا النهج يجعلها من بين قلة من المنتخبات القادرة على اللعب بإيقاع متدفق ومتواصل.
ولا أحد يجيد ذلك مثلها.
وبخلاف ذلك، وكما قال باري أيضاً" ستكون بطولة تحسمها لحظات".
ومن المرجح أن ترتفع قيمة المباريات المتقطعة الإيقاع بفعل ومضات مفاجئة تغير مجراها.
وقد يعيد ذلك إلى الأذهان أجواء مونديال أميركا 1994، خصوصاً إذا جاءت تلك الومضات على شكل أهداف رائعة يسجلها نجوم العصر الحالي الذين يشبهون جورجي هاجي أو روبرتو باجيو.
كذلك فإن الظروف المنتظرة تعني على الأرجح أن الجودة الفردية سيكون لها تأثير أكبر من المعتاد، لأن اللاعبين القادرين فعلاً على صنع الفارق سيصبحون أكثر أهمية.
وقد يبدو القول إنك تحتاج إلى مواهب عالمية للفوز بكأس العالم أمراً بديهياً، لكن الأمر لم يكن دائماً كذلك في بطولة أوروبا على رغم التركيز الأعلى للنجوم فيها سابقاً.
فقد نجحت اليونان والدنمارك في الفوز باللقب.
أما كأس العالم فعادة لا يسمح بمثل هذه المفاجآت لأن سقف المنافسة أعلى أيضاً، ويبدو أن نسخة 2026 سترفع هذا السقف أكثر.
وعلى رغم التركيز المتوقع على لامين يامال وجمال موسيالا وكتيبة المهاجمين في المنتخب الفرنسي، فقد تكون هذه إحدى النقاط التي تمنح البرازيل أفضلية مع كارلو أنشيلوتي.
فهو يجيد توظيف المواهب أكثر من معظم المدربين، والبرازيل لا تزال تملك الكثير منها.
أما ما إذا كانت تمتلك رأس الحربة القناص القادر على تسجيل الأهداف باستمرار فذلك يبقى موضع شك.
وقلة من المنتخبات تملك هذا النوع من اللاعبين، ومن بينها إنجلترا.
وقد يبدو ذلك أمراً بديهياً نسبياً، لأن الهدافين الذين يواصلون التقدم في البطولة يخوضون مباريات أكثر، لكن الفائز بالحذاء الذهبي وصل على الأقل إلى الدور نصف النهائي في ست من النسخ السبع التي أقيمت منذ توسيع البطولة في 1998.
الكرات الثابتة ومتغيرات التحكيم في المونديالوهناك بالطبع وسيلة أخرى لصناعة" اللحظات"، لأنها في جوهرها كذلك تماماً، وهي الكرات الثابتة.
فقد كانت إحدى أبرز سمات الموسم المنصرم، لكن ذلك كان واضحاً بصورة خاصة في إنجلترا.
وكان توخيل قد تحدث في وقت سابق من الموسم عن فكرة تعظيم الاستفادة من الكرات الثابتة، وهي سلاح محتمل وواضح.
غير أن هذا السلاح قد يفقد جزءاً من فعاليته بسبب اختلاف معايير التحكيم.
فليس هناك أي احتمال لأن يسمح الاتحاد الدولي لكرة القدم" فيفا" بمستوى الالتحامات والإمساك بالمنافسين الذي شهدته مباريات الدوري الإنجليزي الممتاز.
وذلك مجرد متغير إضافي في كأس عالم لا يبدو أن هناك حالياً طريقاً واضحاً ومثالياً للفوز به.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك