ستكون اللحظة التي تنطلق فيها صافرة بداية مباراة المكسيك وجنوب أفريقيا التي يستضيفها ملعب" أزتيكا" في الـ11 من يونيو (حزيران) الجاري، هي ذاتها افتتاحية نهائيات كأس العالم 2026 بما تحمله من منافسات منتظرة منذ حمل قائد المنتخب الأرجنتيني ليونيل ميسي كأس النسخة الماضية في قطر في الـ18 من ديسمبر (كانون الأول) 2022، وستعيد الأجواء في الملعب التاريخي الذي تم افتتاحه في مايو (أيار) 1966، وأعيد بناؤه بين 2024 و2026 ذكريات مباريات مونديالية عظيمة في نسختي 1970 و1986.
وكانت قرعة دور المجموعات التي أقيمت في مركز جون كينيدي للفنون في العاصمة الأميركية واشنطن، في الخامس من ديسمبر 2025 أسفرت عن وقوع المكسيك صاحبة الضيافة (بالتشارك مع كندا وأميركا) في المجموعة الأولى مع كوريا الجنوبية وجنوب أفريقيا والتشيك.
منافسة متوازنة بين 4 مشاريع كرويةوقد تبدو المجموعة الأولى من المجموعات التي تمتلك مرشحاً واضحاً لصدارتها قبل انطلاق المنافسات، لكن التمعن في أوضاع المنتخبات الأربعة يكشف واقعاً أكثر توازناً وتعقيداً.
فالمكسيك تدخل البطولة مدعومة بعاملي الأرض والجمهور، لكنها تحمل أيضاً إرثاً ثقيلاً من الإخفاقات المونديالية والشكوك الفنية، فيما تصل كوريا الجنوبية بخبرة كبيرة اكتسبتها من 11 مشاركة متتالية، لكنها تواجه أسئلة ملحة حول مستقبلها الهجومي مع اقتراب نهاية حقبة قائدها سون هيونغ مين.
أما التشيك فتراهن على الواقعية والانضباط البدني لتعويض الفوارق الفنية، في حين تدخل جنوب أفريقيا البطولة بثقة متزايدة بعد أعوام طويلة من الغياب والتراجع، أملاً في استعادة مكانتها على الساحة الدولية.
ولا تبدو المنافسة في هذه المجموعة مقتصرة على بطاقتي التأهل إلى الأدوار الإقصائية فحسب، بل تمتد إلى صراع بين أربعة مشاريع مختلفة.
فهناك منتخب مكسيكي يحاول التخلص من عقدة تاريخية لازمته لعقود، ومنتخب كوري جنوبي يسعى إلى الحفاظ على مكانته بين القوى الآسيوية الكبرى، ومنتخب تشيكي يعتمد على الواقعية التكتيكية أكثر من الاعتماد على الأسماء اللامعة، وفريق جنوب أفريقي يطمح إلى إثبات أن عودته إلى كأس العالم ليست مجرد ظهور عابر.
ولهذا تبدو المجموعة مرشحة لتقديم صراع مفتوح حتى الجولة الأخيرة، خصوصاً أن الفوارق بين أصحاب المركزين الثاني والثالث قد تكون محدودة للغاية.
المكسيك بين ضغوط الجماهير وآمال الاستضافةوسيكون المنتخب المكسيكي محور الاهتمام الأكبر داخل المجموعة بحكم الاستضافة والتاريخ والضغوط الجماهيرية.
فالدولة التي ستصبح أول بلد يستضيف ثلاث نسخ من كأس العالم تعيش حالة متناقضة بين الفخر التاريخي والقلق الرياضي.
فمنذ بلوغ دور الثمانية على أرضها في نسخة 1986، فشلت المكسيك في تجاوز حاجز دور الـ16، حتى تحولت ما يعرف بـ" لعنة المباراة الخامسة" إلى جزء من الخطاب الكروي في البلاد.
وزادت خيبة الأمل بعد الخروج من دور المجموعات في كأس العالم 2022، وهو ما أدى إلى وعود بإصلاحات واسعة داخل كرة القدم المكسيكية، غير أن كثيراً من النقاد والمشجعين يرون أن التغييرات المعلنة لم تتحول إلى واقع ملموس.
وعلى رغم أن المدرب الوطني خافيير أغيري نجح في إعادة قدر من الاستقرار منذ عودته إلى قيادة المنتخب للمرة الثالثة، فإن الشكوك لا تزال تحيط بقدرة الفريق على الذهاب بعيداً في البطولة.
وتبدو المكسيك في مرحلة انتقالية بين جيلين، إذ لا تزال تعتمد بصورة كبيرة على عناصر الخبرة مثل إدسون ألفاريز وراؤول خيمينيز، بينما تحاول في الوقت نفسه منح مساحة أكبر للمواهب الصاعدة مثل غيلبرتو مورا وأرماندو غونزاليس وأوبيد فارغاس.
ويجسد حارس المرمى المخضرم غييرمو أوتشوا هذه المرحلة أكثر من أي لاعب آخر، إذ تحول من رمز لأفضل لحظات المنتخب في كأس العالم إلى عنوان للنقاش الدائر حول مستقبل الفريق ومدى قدرته على تجديد دمائه.
أوتشوا البالغ من العمر 40 سنة يمتلك 153 مباراة دولية، وقد شارك في النسخ الثلاث الماضية من كأس العالم في 2014 و2018 و2022 لذا يبدو وجهاً مألوفاً للجماهير العالمية.
وربما يمنح جدول مباريات المجموعة أفضلية إضافية للمكسيك، إذ تبدأ مشوارها أمام جنوب أفريقيا على ملعب أزتيكا في العاصمة مكسيكو سيتي، قبل مواجهة كوريا الجنوبية ثم التشيك.
ويراهن المكسيكيون على التاريخ الخاص لملعب أزتيكا، الذي لم يشهد أي خسارة لمنتخبهم خلال نسختي 1970 و1986.
ومع ذلك، فإن الجماهير المكسيكية تدرك أن أفضلية الأرض وحدها لا تكفي، خصوصاً أن الفريق لم ينجح خلال الأعوام الأخيرة في إقناع متابعيه بأنه يمتلك الجودة الكافية للمنافسة مع المنتخبات الكبرى.
وعلى رغم ذلك فإن المنتخب المكسيكي واصل خلال العام الحالي تحقيق نتائج إيجابية في كل المباريات الودية التي خاضها، إذ كانت هزيمته الأخيرة في الـ19 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 على يد باراغواي، قبل خوضه سبع مباريات بلا هزيمة، إذ فاز في خمس مباريات وتعادل في اثنتين، ونجح خلال الشهر الماضي في الفوز على غانا (2 - 0)، ثم على أستراليا بهدف.
كوريا الجنوبية وخلافة سون هيونغ مينوفي المقابل، تبدو كوريا الجنوبية صاحبة الحضور الأكثر استقراراً بين منتخبات المجموعة.
فالمنتخب الآسيوي يشارك للمرة الـ11 توالياً في كأس العالم، وهو رقم يعكس حجم الخبرة والتراكم الذي بناه على مدار العقود الماضية.
لكن هذه المشاركة تأتي في وقت يواجه فيه الفريق تحدياً يتعلق بمستقبله الهجومي، إذ لا يزال يعتمد بصورة كبيرة على قائد المنتخب سون هيونغ مين، الذي بلغ الـ33 من عمره ويقترب من نهاية مسيرته الدولية.
ولا يزال سون يمثل النجم الأول بلا منازع في الكرة الكورية الجنوبية، غير أن النقاش داخل البلاد لم يعد يدور حول مستواه الحالي فقط، بل حول هوية اللاعب القادر على حمل المسؤولية بعد رحيله.
ويضم المنتخب أسماء بارزة مثل لي كانغ إن والمدافع كيم مين جاي، ويمتلك خيارات هجومية أخرى مثل هوانغ هي تشان وأوه هيون غيو، لكن أياً منهم لم ينجح حتى الآن في فرض نفسه باعتباره الوريث الطبيعي لسون على مستوى التأثير والقيادة.
وتدرك كوريا الجنوبية أن مباراتها الافتتاحية أمام التشيك قد تكون مفتاح مشوارها في البطولة.
فالفوز سيمنحها دفعة كبيرة نحو التأهل، بينما قد يجعل التعثر مواجهتها التالية أمام المكسيك أكثر تعقيداً، خصوصاً أنها ستقام أمام منتخب مستضيف يحظى بدعم جماهيري هائل.
ولهذا ينظر كثير من المحللين إلى المنتخب الكوري بوصفه أحد أكثر الفرق توازناً في المجموعة، لكنه أيضاً الفريق الذي يعتمد بصورة كبيرة على قدرة نجومه على الحسم في اللحظات الصعبة.
الواقعية التكتيكية سلاح التشيك الرئيسأما التشيك فتدخل البطولة بصورة مختلفة تماماً.
فلا أحد يتوقع منها تقديم كرة قدم استعراضية أو هجومية جذابة، بل إن قوتها الأساسية تكمن في الواقعية والانضباط والتنظيم.
ومنذ تولي المدرب ميروسلاف كوبيك المسؤولية، أصبح الفريق أكثر التزاماً بفلسفة تقوم على الدفاع المتأخر والاعتماد على الهجمات المرتدة والكرات الثابتة، وهي عناصر قد لا تجذب المشجعين، لكنها كثيراً ما أثبتت فعاليتها في البطولات الكبرى.
بل ستكون ربما النهج الأكثر انتشاراً في مونديال 2026 بسبب التحديات التي تفرضها عوامل مثل ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة.
ويحاول المنتخب التشيكي العودة إلى الواجهة العالمية للمرة الأولى منذ مشاركته الأخيرة في كأس العالم في 2006، لكن هذه العودة تختلف كثيراً عن حقبة الأسماء اللامعة التي ضمت لاعبين مثل بافل نيدفيد وتوماس روزيسكي.
فالفريق الحالي يعتمد على مجموعة من اللاعبين القادرين على تنفيذ التعليمات والانضباط التكتيكي أكثر من اعتماده على المهارات الفردية الاستثنائية.
ومع ذلك لا يخلو المنتخب من عناصر قادرة على صناعة الفارق، وفي مقدمها مهاجم باير ليفركوزن باتريك شيك، إلى جانب آدم هلوزيك وبافل شولتس وتوماش سوتشيك الذي عاد ليلعب دوراً مهماً في خط الوسط.
ويمنح الحضور البدني القوي للفريق أفضلية في المواجهات المباشرة والكرات الثابتة، وهو ما قد يكون حاسماً في مجموعة تبدو مرشحة للتقارب الشديد في النقاط.
جنوب أفريقيا وطموح الحصان الأسودأما جنوب أفريقيا، فتدخل البطولة باعتبارها المنتخب الأقل ترشيحاً على الورق، لكنها ربما تكون الطرف الأكثر قدرة على مفاجأة منافسيه.
فمنذ استضافتها كأس العالم 2010، عاشت الكرة الجنوب أفريقية أعواماً طويلة من التراجع والإخفاقات الإدارية والفنية، وفشلت في التأهل إلى ثلاث نسخ متتالية من البطولة، وغابت عن عدد من بطولات كأس الأمم الأفريقية.
ولكن الصورة تبدو مختلفة هذه المرة.
فالتأهل إلى كأس العالم جاء بعد منافسة قوية، وعلى رغم خصم نقاط من الفريق بسبب خطأ إداري، فإنه نجح في التفوق على نيجيريا وانتزاع بطاقة التأهل المباشر.
ويستند المنتخب إلى قاعدة محلية قوية يقودها لاعبو ماميلودي صن داونز، بطل دوري أبطال أفريقيا، في وقت يرى المدرب هوغو بروس أن قلة معرفة المنافسين بفريقه قد تتحول إلى نقطة قوة.
وتكمن أفضلية جنوب أفريقيا في أنها تدخل البطولة من دون ضغوط كبيرة مقارنة بمنافسيها.
فالمكسيك مطالبة بالنجاح أمام جماهيرها، وكوريا الجنوبية مطالبة بالحفاظ على إرثها القاري، والتشيك مطالبة بإثبات قدرتها على العودة إلى الساحة العالمية، بينما تستطيع جنوب أفريقيا اللعب بحرية أكبر ومحاولة استغلال أي تعثر للمنتخبات الأخرى.
نظام التأهل الجديد يوسع فرص العبوروفي المحصلة، تبدو المجموعة الأولى أكثر توازناً مما توحي به الأسماء للوهلة الأولى.
فالمكسيك تملك أفضلية واضحة على الورق بفضل الاستضافة والخبرة، لكنها ليست بمنأى عن المفاجآت.
وكوريا الجنوبية تمتلك من الجودة ما يكفي للتأهل، لكنها لا تزال تبحث عن حلول لمستقبلها الهجومي.
أما التشيك فستحاول فرض أسلوبها الواقعي على منافسيها، في حين قد تجد جنوب أفريقيا في دور الحصان الأسود فرصة مثالية لخلط الحسابات.
وبين هذه العوامل مجتمعة، تبدو المجموعة الأولى مرشحة لأن تكون واحدة من أكثر مجموعات الدور الأول إثارة وتشابكاً في كأس العالم 2026.
ومع توسعة كأس العالم 2026 إلى 48 منتخباً للمرة الأولى في تاريخ البطولة، لم يعد التأهل إلى الأدوار الإقصائية حكراً على أصحاب المركزين الأول والثاني في كل مجموعة، بل أصبح الطريق إلى دور الـ32 أكثر اتساعاً من أي وقت مضى.
ويبدو أن الاتحاد الدولي لكرة القدم" فيفا" سعى من خلال النظام الجديد إلى إبقاء أكبر عدد ممكن من المنتخبات في دائرة المنافسة حتى الجولات الأخيرة من دور المجموعات.
وتضم البطولة 12 مجموعة، يتنافس في كل منها أربعة منتخبات، على أن يتأهل أصحاب المركزين الأول والثاني مباشرة إلى دور الـ32، وهو ما يمنح 24 منتخباً بطاقات عبور مضمونة.
لكن الإضافة الأبرز تتمثل في منح فرصة جديدة لأصحاب المركز الثالث، إذ ستتم مقارنة نتائج المنتخبات التي تحتل هذا المركز في المجموعات الـ12، ليحصل أفضل ثمانية منها على مقاعد إضافية في الدور التالي.
وبذلك لن يكون احتلال المركز الثالث نهاية المشوار كما كانت الحال في معظم نسخ كأس العالم السابقة، بل قد يتحول إلى بوابة عبور حقيقية نحو الأدوار الإقصائية.
فبدلاً من تأهل نصف المنتخبات المشاركة كما كان يحدث في نظام الـ32 فريقاً، سيواصل 32 منتخباً من أصل 48 مشوارهم في البطولة، أي ما يعادل نحو ثلثي المشاركين.
ويمنح هذا النظام المنتخبات المتوسطة والصاعدة فرصة أكبر للحفاظ على آمالها حتى النهاية، إذ قد يكون الفوز في مباراة واحدة أو جمع عدد محدود من النقاط كافياً للبقاء في سباق التأهل ضمن حسابات أفضل أصحاب المركز الثالث.
كما يقلل من تأثير التعثر المبكر الذي كان كثيراً ما يطيح بمنتخبات كبيرة منذ الدور الأول.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك