نواكشوط –«القدس العربي»: رأى الكاتب والمفكر الإسلامي الموريتاني البارز محمد المختار الشنقيطي أن التحولات الجيوستراتيجية التي يشهدها العالم اليوم تضع موريتانيا أمام فرص اقتصادية وتحديات أمنية غير مسبوقة، داعياً إلى استثمار اللحظة الدولية الراهنة لتعزيز موقع موريتانيا في سوق الطاقة العالمية، بالتوازي مع الاضطلاع بدور إقليمي فاعل في البحث عن تسوية للأزمة المالية المتفاقمة.
وجاءت هذه المواقف خلال ندوة مشتركة نظمها المركز المغاربي للدراسات الاستراتيجية والمركز الموريتاني للدراسات والبحوث الاستراتيجية تحت عنوان «نظرات في التحولات الجيوستراتيجية الراهنة»، حيث قدم الشنقيطي قراءته لارتدادات الأزمات الدولية على منطقة الساحل وغرب أفريقيا، وذلك من موقعه كناشط سياسي ومؤلف وباحث وأكاديمي موريتاني، وكأستاذ مشارك بجامعة حمد بن خليفة مختص في الأخلاقيات السياسية وتاريخ الأديان.
وقال الشنقيطي إن أزمة الطاقة التي تفاقمت خلال الأشهر الأخيرة، وما رافقها من مخاوف مرتبطة بأمن الممرات البحرية العالمية وإمكانية تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، أعادت إلى الواجهة أهمية الدول المطلة على البحار المفتوحة والغنية بمصادر الطاقة.
وأضاف أن موريتانيا تمتلك فرصة مهمة لتسويق مخزونها الغازي والاستفادة من التحولات الجارية في أسواق الطاقة، خصوصاً إذا نجحت في تسريع استثماراتها في هذا القطاع، مستفيدة من موقعها الجغرافي المطل على المحيط الأطلسي.
وأشار الشنقيطي إلى أن دولاً مثل الجزائر ونيجيريا تبدو أكثر جاهزية حالياً لاقتناص هذه الفرصة، لكنه شدد على أن موريتانيا ما زالت تملك هامشاً مهماً للتحرك إذا أحسنت استثمار مواردها الغازية في الوقت المناسب.
وتنسجم هذه الرؤية مع تزايد الاهتمام الدولي بمصادر الطاقة البديلة للممرات التقليدية التي تمر عبر مناطق التوتر، إذ دفعت الأزمات المتلاحقة المستوردين الكبار إلى البحث عن إمدادات أكثر أمناً واستقراراً.
ويرى مراقبون أن مشروع الغاز البحري المشترك بين موريتانيا والسنغال يمنح نواكشوط فرصة للدخول تدريجياً إلى نادي الدول المصدرة للغاز الطبيعي، في وقت تتنافس فيه قوى دولية وإقليمية على إعادة رسم خرائط الطاقة العالمية.
وأوضح الشنقيطي أن الأزمة الحالية ستقود إلى مسارين متوازيين، الأول يتمثل في تكثيف الاستثمار في الطاقات البديلة والبحث العلمي المرتبط بها، والثاني سعي الدول المستهلكة إلى تنويع مصادر الإمداد والابتعاد عن المناطق المعرضة للاختناقات الجيوسياسية.
واعتبر المحاضر أن هذا التحول قد يشكل فرصة استراتيجية لدول المغرب العربي وغرب أفريقيا التي تجمع بين امتلاك مصادر الطاقة والانفتاح على سواحل بحرية ومحيطية واسعة، وهو ما يمنحها أفضلية نسبية في معادلة الطاقة الجديدة.
وفي الجانب الأمني، خصص الشنقيطي جانباً مهماً من مداخلته للأزمة المالية، محذراً من التداعيات المحتملة لأي تفكك للدولة في مالي على موريتانيا ودول الجوار.
ودعا إلى أن تكون موريتانيا جزءاً من مبادرة إقليمية للوساطة والصلح في مالي، بالشراكة مع الجزائر ودول أخرى معنية باستقرار المنطقة، مؤكداً أن استمرار الحرب الحالية لا يحمل في طياته أي مكاسب حقيقية لأي طرف.
وقال إن موريتانيا قد تدفع ثمناً باهظاً من أي انهيار أو تفكك في مالي، سواء على المستوى الأمني أو الديمغرافي أو الاقتصادي، نظراً لطول الحدود المشتركة وتشابك العلاقات الاجتماعية والقبلية بين السكان على جانبي الحدود.
وتعكس هذه المخاوف قلقاً متزايداً داخل الأوساط السياسية والأمنية الموريتانية من تأثيرات الأزمة المالية، خصوصاً مع تصاعد نشاط الجماعات المسلحة وتراجع فرص التسوية السياسية الشاملة في منطقة الساحل.
وفي قراءته لمستقبل إقليم أزواد، استبعد الشنقيطي إمكانية قيام دولة مستقلة في شمال مالي، معتبراً أن المعطيات الديمغرافية لا تسمح بذلك، كما أن الخصائص الجغرافية تجعل من الصعب إخضاع المنطقة بالكامل لسيطرة مركزية صارمة من العاصمة باماكو.
وانطلاقاً من هذا التشخيص، طرح المفكر الموريتاني ما وصفه بخيار «الحكم الذاتي الموسع» باعتباره صيغة وسطية بين مطلب الانفصال الكامل ومشروع المركزية الصارمة، معتبراً أنه قد يوفر أساساً أكثر واقعية لمعالجة واحدة من أعقد أزمات الساحل الأفريقي.
وتختزل مداخلة الشنقيطي رؤيتين متلازمتين لمستقبل موريتانيا في بيئة إقليمية ودولية متحولة: الأولى اقتصادية تراهن على تحويل الثروة الغازية والموقع الأطلسي إلى رافعة للتنمية والنفوذ، والثانية أمنية ترى أن استقرار البلاد يظل مرتبطاً بشكل وثيق بإيجاد تسوية مستدامة للأزمة المالية التي تشكل، بحكم الجغرافيا والتاريخ، أحد أبرز التحديات التي تواجه الدولة الموريتانية في محيطها الإقليمي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك