يأتي هذا المقال بعد سؤال ورد من إحدى إدارات الشركات العائلية طلبت فيه استشارة حول كيفية تنظيم اتفاق العائلة عبر الأجيال باعتباري متخصصا في مجال الإدارة، وكيف يمكن إدارة الملكية بطريقة تضمن استدامة الأرباح من جهة؟ ، وفي الوقت نفسه تحافظ على تماسك العائلة وتقلل من الخلافات التي قد تنشأ مع مرور الزمن نتيجة اختلاف التوقعات وتوسع دائرة المستفيدين وتغير طبيعة الاحتياجات بين جيل وآخر، وهو سؤال يعكس في حقيقته تحديا جوهريا تعيشه معظم الشركات العائلية حين تنتقل من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الاستمرارية عبر الأجيال.
اضافة اعلانبحسب تقارير رسمية ودراسات اقتصادية حديثة تشكل الشركات العائلية في الأردن حوالي 90 % من إجمالي الأعمال في الاقتصاد، هذا يعني أنها العمود الأكبر في الاقتصاد الأردني من حيث العدد، لكنها تحتاج إلى تطوير في الحوكمة والاستمرارية، إلا أنها تواجه تحدي مهم، فنحو 30% منها تنجح في الانتقال للجيل الثاني، و 10% فقط تستمر للجيل الثالث، هذا يعني انها قد لا تستمر بشكل طبيعي في السوق حتى الجيل الرابع.
الشركات العائلية بطبيعتها ليست كيانات اقتصادية بحتة، بل هي مزيج دقيق بين المال والإرث، وهي تبدأ غالبا بفكرة بسيطة يقودها مؤسس يمتلك رؤية واضحة وطموحا كبيرا ثم تتحول مع الوقت إلى كيان متكامل يمتد عبر الأجيال، ومع هذا الامتداد تبدأ التعقيدات بالظهور، لأن العلاقة بين العائلة والشركة تصبح أكثر تشابكا وتبدأ الأسئلة بالتحول من كيف ننجح في التأسيس إلى كيف نحافظ على النجاح وكيف نوزع ثماره وكيف ندير الخلاف حوله؟ ، وهنا تظهر أهمية وجود إطار واضح ينظم العلاقة بين جميع الأطراف.
تبرز فكرة ميثاق الشركات العائلية Family Business Charter كأداة تنظيمية تهدف إلى ضبط العلاقة بين الملكية والإدارة، بحيث لا تبقى هذه القضايا خاضعة للاجتهادات الفردية أو التقديرات اللحظية بل ضمن نظام متفق عليه يحدد الحقوق والواجبات ويضع حدودا واضحة تمنع تضارب المصالح أو تحول الاختلافات الطبيعية إلى خلافات حادة، فالهدف ليس فقط تنظيم العمل بل حماية استمرارية الشركة ومنع تآكلها الداخلي بمرور الزمن.
واحد من أهم محاور هذا الميثاق هو استدامة الأرباح، لأن الأرباح في الشركات العائلية ليست مجرد رقم مالي يتم توزيعه بل هي جزء من معادلة معقدة تربط بين احتياجات العائلة وبين متطلبات نمو الشركة، فمع مرور الأجيال تتوسع العائلة ويزداد عدد المستفيدين وتتفاوت مستويات المعيشة والتوقعات، وهنا يصبح السؤال ليس فقط كم هي الأرباح بل كيف يتم توزيعها وما هو الحد الذي يحافظ على توازن الشركة دون أن يضغط عليها؟ ، وفي المقابل كيف يتم ضمان شعور العائلة بالعدالة والإنصاف دون أن يتحول التوزيع إلى استنزاف للكيان الاقتصادي.
في هذا السياق تظهر الحاجة إلى قواعد واضحة تحدد نسبة الأرباح التي يتم إعادة استثمارها بحيث تبقى الشركة قادرة على النمو والتوسع ومواجهة التحديات السوقية، وفي الوقت نفسه يتم تلبية جزء من احتياجات العائلة بشكل منظم ومستدام، لان غياب هذا التوازن يؤدي غالبا إما إلى تضخم التوزيعات على حساب مستقبل الشركة أو إلى تجميدها بشكل يخلق فجوة بين العائلة والشركة مع مرور الوقت، ومع موضوع الأرباح يبرز محور لا يقل أهمية وهو إدارة الخلافات داخل العائلة لأن الخلاف في الشركات العائلية لا يكون خلافا إداريا فقط، بل غالبا ما يكون محملا بطبقات من العاطفة والتاريخ والعلاقات الشخصية، وقد يتداخل فيه الشعور بالعدالة مع الشعور بالاستحقاق مع اختلاف وجهات النظر حول معنى النجاح نفسه، لذلك يصبح وجود آليات واضحة لحل الخلافات ضرورة وليست خيارا، سواء من خلال مجلس عائلي أو لجان داخلية أو حتى تحكيم مستقل عند الحاجة، المهم هو وجود مسار واضح يمنع تراكم الخلافات وتحولها إلى أزمة تهدد استقرار الشركة.
من العناصر المهمة أيضا في هذا الميثاق موضوع الحوكمة، لأن استدامة الأرباح لا تتحقق فقط من خلال توزيعها بل من خلال وجود إدارة رشيدة قادرة على تحقيق نمو مستمر، ولذلك يتم التأكيد على الفصل بين الملكية والإدارة بحيث تكون الإدارة مبنية على الكفاءة والخبرة وليس على الاعتبارات العائلية فقط، مع إمكانية مشاركة أفراد العائلة في الإدارة ولكن ضمن شروط واضحة ومعايير مهنية تضمن جودة القرار واستمرارية الأداء.
إن موضوع توظيف أفراد العائلة داخل الشركة يمثل نقطة حساسة تتطلب تنظيما دقيقا لأن دخول أفراد العائلة دون معايير واضحة قد يخلق اختلالا في بيئة العمل ويؤثر على العدالة الداخلية، لذلك يتم اعتماد سياسات تقوم على الكفاءة والتأهيل والخبرة مع تطبيق نفس معايير التقييم على الجميع دون استثناء، بل إن بعض الشركات تشجع أفراد العائلة على اكتساب خبرات خارجية قبل الانضمام إلى الشركة بهدف تعزيز نضجهم المهني وقدرتهم على الإضافة.
لا يمكن إغفال موضوع انتقال الأجيال، فهو يمثل لحظة فارقة في حياة الشركات العائلية لان الانتقال لا يعني فقط انتقال الملكية بل انتقال المسؤولية والرؤية والقدرة على القيادة، لذلك من الضروري أن يتم هذا الانتقال بشكل تدريجي ومخطط له حيث يتم إعداد الجيل الجديد من خلال التدريب والمشاركة التدريجية في اتخاذ القرار، لأن الانتقال المفاجئ غالبا ما يؤدي إلى فراغ إداري أو صراعات داخلية تؤثر على استقرار الشركة وعلى قدرتها على الاستمرار.
يمكن القول إن ميثاق الشركات العائلية هو في جوهره محاولة لتحقيق توازن دقيق بين الاستدامة المالية من جهة واستدامة العلاقات من جهة أخرى، بين منطق الأرباح ومنطق العائلة، بين متطلبات النمو الاقتصادي ومتطلبات الحفاظ على التماسك الداخلي وهو ليس وثيقة جامدة بل إطار مرن يتطور مع الزمن ليواكب تغير الأجيال وتوسع الأعمال، بحيث تبقى الشركة قادرة على توليد الأرباح بشكل مستدام وفي الوقت نفسه تبقى العائلة قادرة على إدارة خلافاتها ضمن إطار منظم يمنع تفككها ويعزز وحدتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك