«هيئة البث الإسرائيلية» في رئاسة تحرير عربية«لا أستطيع أن أُحصي عددًا دقيقًا لتكرار عبارة (نقلاً عن هيئة البث الإسرائيلية) في وسائل الإعلام العربية منذ عملية طوفان الأقصى حتى اليوم؛ لأن ذلك يتطلب مسحاً شاملاً لأرشيف إعلامي هائل.
لكنني أستطيع التأكيد، وبثقة تامة، أن هذه العبارة باتت القاسم المشترك الأعظم في التغطيات العربية المرتبطة بالحرب، لا سيما في السياقات العسكرية والسياسية والإخلاءات القسرية، واستهداف البنى التحتية، وغيرها من التطورات الميدانية المرتبطة بالحرب.
لم أكن بحاجة إلى هذه الإجابة من منصة الذكاء الاصطناعي؛ فالملاحظة أصبحت بديهية لكل متابع للمشهد الإعلامي العربي، حيث تحوّلت عبارة «نقلاً عن هيئة البث الإسرائيلية» إلى «لازمة» يومية تكاد تسبق الأخبار العسكرية والسياسية الكبرى، حتى بدا وكأن هيئة البث الإسرائيلية انتقلت من موقع المصدر إلى موقع المرجعية الأولى التي تُحدد إيقاع الخبر، واتجاهه في جزء واسع من التغطية العربية.
الأزمة ليست في نقل الخبر بحدّ ذاته، بل في غياب «الفلترة» التحريرية.
إذ يُعاد بث الخبر بقوالبه الجاهزة ومفرداته الأصلية دون أي انسجام مع السياق العربي أو مراعاة للمسؤولية التحريرية.
فعلى سبيل المثال، جرى تداول خبر: «لحظة رفع العلم الإسرائيلي على قلعة شقيف في لبنان» بوصفه وصفاً محايداً لحدث ميداني، في حين أن الواجب المهني والوطني والأخلاقي كان يقتضي وضعه ضمن إطاره الحقيقي، على نحو: »الاحتلال الإسرائيلي يتوغل براً ويهدّد قلعة شقيف الأثرية في انتهاك صارخ للقوانين الدولية والسيادة اللبنانية».
قد يتذرع القائمون على غرف الأخبار بعامل السرعة وضغط السبق الصحفي، لكن هذا العذر يخفي فضيحة أكبر تعكس الخلل البنيوي في إدارة المصادر، والعجز عن صياغة أجندة إعلامية مستقلة، والاستسلام المُريب لاحتكار السردية، وانعدام الرؤية في بلورة استراتيجية فكرية تخدم المصلحة الوطنية العربية المشتركة.
لقد استثمر الجانب الإسرائيلي هذا الخلل بذكاء شديد؛ فصمّم رسائل فورية ومركزية متعددة اللغات، تستهدف وعي المواطن العربي مباشرة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وجعل من المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي «أفيخاي أدرعي» شخصية محورية في المشهد الإعلامي.
في المقابل، وقع الإعلام العربي في فخّ رد الفعل، فاكتفى بإعادة بث الرواية الإسرائيلية أولاً، مانحاً إياها الشرعية والانتشار، ثم الرد عليها لاحقاً، بعد أن استقرت في الوجدان العام بوصفها أمراً واقعاً.
وتتضح هذه الأزمة في الإعلام اللبناني عند مقارنتها بالحالة الفلسطينية في غزة؛ إذ نجح الفلسطينيون، في الداخل والخارج، وبجهود ميدانية استثنائية، في فرض روايتهم الوطنية، وتعرية السردية الإسرائيلية.
وقد أجبر ذلك الإعلام العربي والدولي على تبني مصطلحات أكثر دقة في نقل الخبر، مثل: الاحتلال، التهجير، الحصار، العقاب الجماعي، والإبادة الجماعية.
أما في الحالة اللبنانية، فنحن أمام مشهد مختلف، ومُقلق.
فالساحة الإعلامية اللبنانية تعاني استقطاباً سياسياً حاداً.
وتنقسم معظم وسائل الإعلام بين مؤيدة لحزب الله، أو معارضة له، أو ذات توجهات قومية، أو مؤسسات تجارية عابرة للحدود.
وهذا يعني أن التصريحات الإسرائيلية لا تُنقل فقط، بل تمرّ أيضاً عبر صراعات محلية تزيد من حساسية الاتهامات بالتطبيع أو الخيانة.
وبالتالي، أصبح الرأي العام العربي عموماً واللبناني خصوصاً عُرضة وبكثافة للأخبار الصادرة عن مصادر إسرائيلية.
والنتيجة هي بيئة إعلامية مشوهة تمتلك فيها المؤسسات الإسرائيلية زمام المبادرة في صناعة الخبر الأول باللغة العربية عبر أدوات احترافية، بينما يستيقظ الإعلام العربي بعد وقوع الحدث ليتحدث بشروط غيره، وفي مساحات حدّدها له الخصم مسبقاً.
المشكلة الحقيقية لا تكمن في النقل عن العدو بوصفه «مصدراً»، بل في غياب منظومة إعلامية وطنية عربية تمتلك فِكراً استراتيجياً مستقلاً وقادراً على منافسة الروايات الخارجية.
وهذا ما نأمل أن يجد له مساحةً للنقاش في أجندة «الدوحة عاصمة الإعلام العربي لعام 2027»، للبحث في زيادة الاستثمارات العربية بالتغطيات الميدانية، ووضع خطة إعلامية عربية مشتركة على الساحة الرقمية، وتعزيز بناء شبكات تحقق عابرة للحدود.
دون ذلك، ستظل أغلب القنوات العربية مجرد «صدى» للخطاب الرسمي الإسرائيلي.
وهذا الاعتماد ليس تقصيراً مهنياً فاضحاً فحسب، بل يظهر كتواطؤ غير مقصود في تغييب الوعي الجمعي، وطمس الحقيقة، ويُصبح القتلُ «عملًا عسكريًا»، والمقاومةُ «إرهابًا»، والمُحتّل هو الضحية.
@snasser24.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك