يعتمد جمال مدينة ألمرية الإسبانية على التناقضات، ومنها الفقر القديم الذي لا تزال آثاره حاضرة، والعمارة الشعبية، والمهاجرون السود الذي عمروها، والأحياء التي لم تُصقل بالكامل، والقصبة الشاهقة التي تراقبك أينما كنت.
لا يزال المشهد الذي وصفه الشاعر الأندلسي ابن درّاج القسطلي، عن قصر مدينة ألمرية بينما يسافر إليها عبر سفينة قادماً من مدينة سبتة، حاضراً بعد قرون، إذ قال مخاطباً قائد المدينة الشهير خيران العامري: " إليك شحنّا الفلك تهوي كأنها/ وقد ذُعرت عن مغرب الشمس غربانُ/ متى تلمحوا قصر المرية تظفروا/ ببحرٍ حصى يُمناه درٌّ ومرجانُ".
لم أصل إلى المدينة من جهة البحر، وإنما من الطريق البرية، حيث قصبة المدينة (حصون تاريخية عدّة) ترتفع كأنها ذلك القصر نفسه الذي وصفه القسطلي، إذ تراقب القلعة الضخمة الميناء والبيوت والواجهة البحرية، ويفرض البحر حضوره على المدينة.
هناك مدن تصلها ثم تبدأ باستكشافها تدريجياً، لكن ألمرية تكشف نفسها دفعة واحدة، فالجبل من خلفها، والبحر أمامها، والضوء يغمر كل شيء.
ربما عندها يمكن فهم تلك العلاقة القديمة بين المدينة والبحر في الشعر الأندلسي.
لا يحتاج المرء في ألمرية إلى وقت طويل كي يدرك أن البحر ليس مجرد خلفية زرقاء للمدينة، بل هو جزء من شخصيتها.
قرب الميناء، وعند المرساة المعدنية القديمة التي يعرفها أهل المدينة جيداً، تختلط رائحة وقود السفن المتجهة إلى وهران وجبل طارق وطنجة، برائحة المحار والثوم وزيت الزيتون.
المكان بسيط، ولا يشبه الواجهات المتوسطية اللامعة التي تحوّلت إلى فضاءات سياحية.
في ألمرية، لا يزال الميناء ميناءً، ولا تزال المدينة تحتفظ بشيء من خشونتها القديمة.
ألمرية مدينة ذات ضوء قاسٍ، هذا أول ما يشعر به الزائر.
صحيح أنَّ الضوء ينعكس على البحر فيجعل من أمواجه مرايا، ومن هنا اشتق اسمها، لكنه يرتطم أيضاً بالجدران البيضاء، بالسلالم الحجرية، وبالهضاب الجرداء المحيطة بالمدينة.
تحدث غالبية الشعراء الذين زاروا المدينة عن علاقتها بالبحر والضوء، وهما عنصران يحدّدان علاقتك بالمكان منذ لحظة وصولك الأولى.
لا تزال قصبة ألمرية قلب المدينة الحقيقي، فالقلعة التي أمر ببنائها الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر في منتصف القرن العاشر الميلادي لم تكن مجرد سور للدفاع عن الميناء، بل مركزاً سياسياً وعسكرياً وإدارياً صُمم لحماية واحدة من أغنى مدن الأندلس، وأكثرها ارتباطاً بالتجارة البحرية.
من هنا بدأ قائدها خيران العامري لاحقاً توسيع عمران المدينة، وتحويلها إلى قاعدة بحرية وتجارية كبرى على البحر المتوسط.
من الداخل تكشف القصبة عن صورة مدينة أندلسية كاملة أكثر مما تكشف عن حصن عسكري، فهي تمتد فوق التلة على مساحة واسعة، وتحيط بها أسوار متدرجة، وأبراج مراقبة جعلتها من أكبر القلاع الإسلامية في إسبانيا، وعند التجول داخلها يمكن ملاحظة أنها مكونة من ثلاثة أقسام رئيسية، لكل واحد منها وظيفة مختلفة.
كان القسم الأول مخصصاً للحياة اليومية للسكان والجنود خلال الحصار والحروب، وفيه آبار وخزانات ضخمة لتجميع المياه، ومخازن للحبوب والمؤن، إضافة إلى بقايا مساكن وحمامات وأماكن كانت تستخدم للإدارة والتسوق.
كانت عملياً مكتفية بذاتها، وقادرة على الصمود لفترات طويلة إذا تعرضت لهجوم من البحر أو البر.
أما القسم الثاني فكان مقرّ الحكم، وكان يضم قصوراً وحدائق، ورغم أن الكثير من هذه المباني اندثر بفعل الزلازل والحروب، فإن آثار التخطيط الأندلسي لا تزال واضحة؛ ومنها الساحات المفتوحة، وأنظمة توزيع المياه، والأماكن التي كانت تظلّلها الأشجار لتخفيف حرارة الصيف.
يمكن تخيّل الحياة داخل القلعة في زمن ازدهار المدينة، حين كانت السفن التجارية تصل من مختلف موانئ المتوسط محمّلة بالبضائع، وخصوصاً الحرير والتوابل.
بعد سقوط ألمرية في يد الملوك الكاثوليك أواخر القرن الخامس عشر، أضيف الجزء الثالث من القصبة، وهو القسم الأكثر صلابة من الناحية العسكرية.
إذ شُيدت أبراج مربعة، وأسوار أكثر سماكة كي تلائم عصر المدافع، ولذا تبدو القصبة اليوم وكأنها طبقات متراكبة من التاريخ؛ تضم عمارة أندلسية هادئة تنفتح على البحر والضوء، تعلوها تحصينات مسيحية ثقيلة تعكس زمناً آخر من الصراع.
من أعلى أسوار القصبة يبدو المشهد مدهشاً، فالبحر أمامك مباشرة، والميناء الحديث في الأسفل، ويمتد حي" لا تشانكا" ببيوته البيضاء تحت التلة، فيما تحيط الجبال الجرداء بالمدينة من الخلف.
عندها يفهم الزائر لماذا كانت ألمرية واحدة من أهم بوابات الأندلس على البحر المتوسط، أو بوابة الشرق كما كان يطلق عليها، ولماذا ظلت القصبة طوال قرون درع المدينة الذي يحرس التجارة والثروة والطريق.
أسفل القصبة مباشرة، تنفتح المدينة العربية القديمة على شكل شبكة من الأزقة الضيقة التي تتشابك كأنها بُنيت لتتجنّب الضوء أكثر مما تسعى إلى احتضانه.
يبدو هذا الجزء من المدينة مساحة للتواصل مع التاريخ، وتتداخل فيها الذاكرة الأندلسية مع الحاضر اليومي على نحوٍ غير متكلّف.
بيوت بيضاء متلاصقة، وسلالم حجرية تصعد فجأة ثم تنقطع، ونوافذ حديدية منخفضة تفتح مباشرة على الشارع.
كلّها عناصر تحافظ على روح التخطيط القديم الذي وُلد في زمن كانت فيه الأزقة وسيلة للظل والحماية من الحرارة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك